يوم في هلسنكي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
كنتُ على متن باخرة عملاقة في رحلة بحرية امتدت سبع عشرة ساعة متواصلة من ( استوكهولم ) إلى العاصمة الفنلندية هلسنكي..
لم أستطع أن أخلد إلى النوم طوال تلك الرحلة سوى ساعتين أو ثلاث ساعات حيث كنتُ أقضي معظم الوقت جالسا ً في صالةٍ كبيرة مجهزة بمقاعدَ مريحة في مقدمة الباخرة أشاهد البحر مباشرة عبر حاجز زجاجي مستمتعا ً بزرقتين باهرتين تصنعهما السماء والبحر في تلاحم ٍ حميميّ ٍ رائع..
وكانت تجلس على بُعد أربعة مقاعدٍ مني فتاة شقراء غارقة بكل كيانها في وحدتها العميقة وكأنها تنهلُ من ملكوت التأمل صمتا ً مقدسا ً..
لم أمتلك الجرأة الكافية لكي أسألها عن سبب تعرضها الدائم للبحر والوحدة..
أحسستُ أني بحاجةٍ إلى بضع ساعاتٍ من الاسترخاء فتوجهتُ إلى أعلى الباخرة حيث يقع حمام السباحة والجاكوزي والسونا والبخار..
ومن حسن حظي أن المسبح كان يخلو من ( الشقراوات ) لأني لم أكن في وضع ٍ يسمح لي بالتعرض لمزيدٍ من الجبهات القاتلة التي تتقن إنشاءها النسوة الغربيات علينا نحن معشر الرجال على الرغم من أني أتسلّح بأخلاق الرجل الشريف الذي يكبتُ أية ( بصبصةٍ ) شهوانية قد تبرز تجاههن..
الناس في هذه الباخرة العملاقة جدا ً كأنهم في مدينةٍ صغيرة يعرفون بعضهم بعضا ً يرقصون ويغنون ويشربون ويأكلون ويتسامرون ويضحكون ويلعبون ويتبضّعون..
حينما دخلت الباخرة طقوس الليل كان هناك في المسرح الضخم استعراض فني غنائي في غاية الروعة للأطفال..
تابعتُ عرض الأطفال بمتعةٍ كبيرة وكنتُ ( أدندن ) معهم كلمات الأغاني وإن كنتُ أجهل معظم معانيها وقد تلمستُ عمق المحبة التي كانت تلف الحاضرين تجاه الأطفال..
بعد ذلك العرض البهي للأطفال بدأت الموسيقى الكلاسيكية تملأ أرجاء المسرح بنغماتٍ حيّة تبعث في النفوس صفاءً ورونقا ً أخّاذا ً..
وبدأ العشاق والمحبّون والمتيّمون والحالمون بالنزول إلى أرضية المسرح وبالتواطؤ مع الموسيقى الأخّاذة دارت حلقات الرقص الكلاسيكي والذي يعتبر من أسعد اللحظات الرومانسية في سهرات أهل الغرب..
مكثتُ قليلا ً فلم أكن أستطع تحمل جرعات الموسيقى الرومانسية التي كانت تتدفق بعذوبة ورقة تملأ صدور العشاق بالآهات والوله والذكريات والعذابات المنسيّة..
ففضّلتُ العودة مجددا ً إلى مكاني المحبب في مقدمة الباخرة وهذه المرة كان الليل يغرسُ في البحر حلكته البهيّة ليمارسا في ثنائيةٍ فريدة جمالية اللهو البريء..
فكرتُ في تسجيل لحظةٍ تاريخية على المستوى الشخصي وأنا في نقطةٍ ( مجهولة ) من العالم فأجريتُ اتصالا ً هاتفيا ً من هاتفي الجوال بزوجتي أخبرها عن روعة الحدث وكيف كنتُ أتمنى أن تكون معي في هذه اللحظة لنصنع معا ً احتفالية خالدة..
وقبل أن أنهي المكالمة طلبت ْ مني زوجتي أن أخبرها عن الكثير من تفاصيل رحلتي حين العودة إلى استوكهولم مُذكرة ً إياي بالمثل الإنجليزي : أن الشيطان دائما ً يكمن في التفاصيل..
بدأ الجوع ( الكافر ) يلحّ ُ عليَّ بعنف فتوجهتُ إلى المطعم الجميل الذي يتوسط باحة المدخل الرئيسي للباخرة والذي يمتاز بأكلات بحرية في غاية اللذة..
وأخيرا ً رست الباخرة في ميناء هلسنكي في تمام العاشرة صباحا ً حسب التوقيت المحلي لفنلندا..
أعترفُ بأني لا أعرفُ عن هذه المدينة شيئا ً سوى إنها تصدر للعالم هواتف ال ( نوكيا ) ومشهورة بالسمك ونساؤها في غاية الجمال..
ما أن خرجتُ من الباخرة حتى رأيت مدينة ً تنام تحت البياض حيث الثلوج كانت تتساقط بكثافة وتصورتُ للحظة أن الناس في هذه المدينة المتورطة بالثلوج الغزيرة لا يخرجون من بيوتهم ولا يزاولون أعمالهم ولن أشاهد في شوارعها سوى الأشباح..
على العكس تماما ً مما كنتُ أتصور كانت الحياة وسط تواتر الثلوج تضج بحركة الناس والسيارات وكل شيء..
وكنتُ في طريقي للباص المخصص لنقل السواح في جولة سياحية حول أهم المعالم السياحية والتاريخية لمدينة هلسنكي..
استقبلتني المرشدة السياحية عند مدخل الباص بحفاوة فنلندية وسألتني عن اللغة المتداولة في بلدي..
فقلتُ لها : العربية..
علت شفتيها ابتسامة مهذبة ثم قالت :
أوكيه يا سيدي نتفق على الإنجليزية..
فقلتُ في نفسي :
الله يكون في عوني سأحاول التركيز لكي أفهم القليل من كلامها..
لم يكن في الباص سوى أربعة أشخاص غيري..
رجل من السويد مع زوجته ورجل من كندا مع زوجته..
وكانت المرشدة تتحدث بحماس وطني عن مدينتها تارة ً باللغة الفنلندية فكما يبدو أن الاثنين من السويد يفهمان لغتها وتارة ً أخرى تتحدث بالانجليزية لي وللزوجين من كندا..
فقلتُ في نفسي :
ماذا كان يضيرها لو إنها تجيد العربية أو على أقلّ تقدير الفارسية لأني أجيد بعضها..
مررنا بالقرب من إحدى رياض الأطفال فقالت المرشدة هل ترون الأطفال أنهم يلعبون في ساحة الروضة..!!
ثم أردفت في لغةٍ تنمّ ُ عن تصميم ٍ عميق لحب الحياة :
لا نكترث بالثلوج ولن تعيق حركتنا وحياتنا بل نتصالح معها..
في بلدي من سابع المستحيلات أن أشاهد أطفالنا يذهبون إلى مدارسهم وسط هذا الكم الهائل من تساقط الثلوج..
فكان المشهد بالنسبة لي استثنائيا ً وفريدا ً من نوعه لذلك لا زلتُ أتذكر ( تنطط ) الأطفال وضحكاتهم الناعمة في تلك الروضة..
بعدها توقف بنا الباص عند جبل ضخم فقالت المرشدة :
في جوف هذا الجبل ترقد ( كنيسة ) تاريخية وهي فرصة جميلة لمشاهدتها والتقاط الصور.
نزلنا جميعا ً وقلتُ للرجل الكندي على سبيل المزاح و الذي كان ودودا ً معي للغاية :
أفهمُ أن الناس تنحت من الجبال بيوتا ً ولكن أن ينحتون من الجبال كنائسَ فهذا أمر عجيب..
ضحكَ الكندي ثم قال لي :
هيا يا صديقي لنرَ ما في الداخل ونلتقط الصور التذكارية..
وحينما عرف الكندي أني قادمٌ من هجير الصحراء سألتني زوجته :
ماذا تفعلون مع طقس ٍ تصعد الدرجة فيه إلى الخمسين مئوية؟؟
فقلتُ لها :
بالضبط كما تفعلون أنتم مع درجةٍ تهبط إلى الثلاثين تحت الصفر..
فضحكنا جميعا ً..
وانطلق الباص بنا مجددا ً وكنتُ أشاهد ( الجرافات ) وهي تكنس الثلوج المتراكمة فوق الأرصفة وفي الشوارع وأمام البيوت..
كل شيء يجب أن يكون مهيئا ً للناس لذلك كانت الجرافات تعمل على مدار الساعة..
نزلنا بالقرب من أحد النصب التذكارية لأحد فلاسفتهم ولا أتذكر اسمه ولكني فهمتُ من المرشدة أنه أحد أهم الفلاسفة في تاريخ فنلندا..
وطلبتُ من الرجل الكندي أن يلتقط لي صورة بجانب التمثال المعدني لهذا الفيلسوف الفنلندي لعلّ بركاته الفلسفية تنزل عليّ في يوم من الأيام وتسارع الحكومة الكويتية بعد ذلك بصنع تمثال لي وتضعه في ساحة الصفاة..
ومررنا بعد ذلك بجانب مبنى البرلمان ومبنى مجلس الوزراء..
وتوقفنا طويلا ً بالقرب من ( قاعة فنلنديا ) المبنى الرمزي وبناه المعماري الفنلندي الفذ ( الفار التو ) في الستينيات من القرن المنصرم ويشاهده الآلاف من الأوروبيين والسواح كل عام كتحفة فنية باهرة التصميم وهو مغطى بالكامل بألواح رخامية إيطالية ناصعة البياض..
وفهمتُ من المرشدة إن المبنى حاليا ً يدور حوله جدل معماري طويل من حيث أن الرخام لا يناسب طقس فنلندا القارس البرودة فيصيبه التقوس والتشقق على العكس من الحجر الجرانيتي الأبيض الذي يصمد أعواما ً طويلة جدا ً في وجه البرودة الشديدة..
وقالت :
لم يتوصل المعماريون الفنلنديون إلى حل بخصوص هذا الجدل إلى الآن بسبب أن البعض من المعماريين يقولون أن المبنى يجب أن يظل كما أراد له ( الفار التو ) أن يبقى..
قلتُ في سرّي :
والله الجدل سيبقى قرنا ً آخر مادامَ الأمر يتعلق بروح فنلندا المعمارية..
وانتهينا مجددا ً بعد جولةٍ جميلة إلى قلب مدينة هلسنكي حيث كانت انطلاقتنا الأولى..
فقالت لنا المرشدة :
الآن أنتم أحرار..
بإمكانكم التجول في مركز المدينة ومَن منكم يفضّل العودة إلى الباخرة فنحن في خدمته..
قلتُ في نفسي التجول متعة كبيرة وخاصة أني بحاجة ملحّة إلى كوب من ( الكابتشينو ) الدافيء والتعرف عن قرب على أحوال الفنلنديين ولكن في ذات الوقت السير وسط هذه الثلوج الكثيفة ضرب من الجنون خاصة ً لواحدٍ مثلي لم يعتد في حياته مطلقا ً على المشي فوق الثلوج وتحتها..
البقية عقدوا العزم على النزول من الباص والتجول وكان صاحبنا الكندي أكثرنا تحمسا ً فتحمستُ معه للفكرة..
بمجرد أن نزلنا من الباص حتى تفرقت بنا الطرق وكل واحد منّا اتخذ جهة معينة.
وأنا أمشي كنتُ أزيح الثلج الذي كان يتكوّم بسرعةٍ فائقة فوق شعري وما أن أنتهي من ذلك حتى كان عليَّ أن أنصرف إلى وجهي وإلى معطفي وإلى الشيء الذي أحيط به عنقي ولا أعرف ماذا يُطلقون عليه في اللغة العربية..
أما ما كان يفعله الثلج بحذائي الثمين فكارثة ٌ أخرى وهكذا كلما كنتُ أمشي بضع خطوات كنتُ أقوم بعمل ( الجرافة ) على كامل جسدي..
المشكلة أن الثلوج لم تهدأ لحظة ً واحدة ولا تترك لي مجالا ً لالتقاط الأنفاس لذلك كنتُ أحتمي بين كل مسافةٍ وأخرى بأحد المجمعات التجارية..
وعلى الرغم من أن الثلوج الفنلندية كانت ( تعفسني ) وتلحق أضرارا ً فادحة بأناقتي و( وسامتي ) إلا أني كنتُ أجد فيها متعة ً لا توصف وذكرى جميلة استحضرها كلما أردتُ التحدث لعائلتي وأصدقائي عن ( بطولتي ) المطلقة في ذلك الفيلم الهلسنكي المثير..
لم أتوقف عن السير وتابعتُ ( تألقي ) في التجول ووصلتُ إلى ساحةٍ وسط مركز المدينة ضمّت أكشاكا ً صغيرة متلاصقة يباع فيها كل ما يتعلق بالفن الفنلندي..
كان المكان جميلا ً يتّسم بالطابع الشعبي والفلكلوري ويشبه كرنفالا ً مصغرا ً للفن والتراث والأطعمة الفنلندية المتنوعة..
توقفتُ عند بائعةٍ سمراء اللون تبيع مجسمات صغيرة من النوع الذي يتم وضعها على الأثاث المنزلي فقلتُ وجدتها هذه ( صوغة ) جميلة لزوجتي من هلسنكي فهي مغرمة بهذه الأشياء..
ناولتني البائعة أجمل ما عندها من تلك القطع وسألتني على الفور بروح رياضية :
السيد من أين؟؟
فقلتُ لها :من الكويت..
استغربتُ من إنها عرفت أين تقع ( الكويت ) الصغيرة في خارطة العالم..
ولكي تبدد حيرتي من أمر معرفتها السريعة بالكويت قالت يا سيدي تعرفتُ عليها من كونها كانت نقطة ساخنة في حرب الخليج الثالثة وكانت حديث نشرات الأخبار العالمية..
وسألتني مجددا ً:
هل الأوضاع عندكم الآن بخير؟؟
فقلتُ لها :بخير ولله الحمد وشكرتها للطفها..
وقبل أن أنصرف كان هناك شيء بصدري ( يقرقع ) وعليَّ أن أفضفض عنه..
فما كان يحيرني كونها سمراء طبعا ً مع تقديسي الكامل للون الأسمر وبقية الألوان فيستحيل إنها فنلندية وحتى لو كانت فنلندية المولد فكيف لم تفلح كل هذه الثلوج والطقس البارد من إعطائها لون فتيات فنلندا..
فسألتها بدوري :يبدو أنكِ لستِ من فنلندا..
فقالت سريعا ً وهي تطلق في وجهي نظرة رشيقة :
أنا من المكسيك وأعيش هنا منذ زمن بعيد..
فبادلتها ذات النظرة قائلا ً :
اللون الأسمر وسط تظاهرة البياض تعدد ٌ ساحر لصالح الجمال الأنثوي بصورة عامة..
وغادرتها متمنّيا ً لها أوقاتا ً سعيدة في ربوع فنلندا..
وبينما أنا أستمتعُ بالتجول في هذه السوق الصغيرة توقفتُ رغما ً عني أو بطلبٍ عاجل من معدتي التي كانت تتضور جوعا ً عند كشكٍ يبيع سمكا ً مقليا ً..
كان السمك من النوع الصغير جدا ً والذي يشبه سمك ( الزوري ) عندنا في الكويت..
لا بأس من تجربته وخاصة ً أن شكله في الزيت كان يوحي باللذة..
طلبتُ على وجه السرعة طبقا ً واحدا ً من البائع الوسيم جدا ً وتمنيتُ أن يعمل في مجال عروض الأزياء الرجالية بدلا ً من بيع السمك..
وأنا أطلبُ من البائع وجبتي فكرتُ أين سأضعها تمهيدا ً لأكلها بمزاج ٍ فنلندي فالرجل لا يملك في كشكهِ سوى طاولتين لا يظهر من ملامحهما شيئا ً على الإطلاق بسبب أكوام الثلج المتراكمة عليهما..
طلبتُ من البائع أن يسمح لي بتناول وجبتي واقفا ً تحت مظلة كشكه بعد أن أوضحت له بعدم تمكني من الأكل على طاولةٍ مدفونة بالثلج..
أطلقَ ضحكة ً عذبة وقال :
طبعا ً تستطيع أن تتناول وجبتك أينما تريد أنت في هلسنكي..
للأمانة كانت وجبة السمك الصغير لذيذة جدا ً ولم أتذوق في حياتي سمكا ً بهذه اللذة على الرغم من إننا أكثر شعوب الأرض تناولا ً للأسماك..
كان يقف بجانبي رجلٌ فنلندي كبير في السن هو الآخر فضّل أن يتناول وجبته تحت مظلة الكشك..
أحببتُ أن أفتح معه حوارا ً( سمكيا ً ) ونحن نستمتع ب ( قرمشة ) السمك الصغير..
اعتذرَ مني لعدم تمكنه من التحدث بالإنجليزية..
كان بودي أن أقول له أن ثمة إيقاع بيولوجي بيننا وبينكم وهو حبنا الأبدي للأسماك ولكننا في الكويت لم نألف تناول هذا النوع الصغير جدا ً من الأسماك ولن يلتفت إليها أحد من ( ربعنا ) بسبب التسيّد المطلق لل ( النقرور والسبيطي والهامور والزبيدي ) على موائدنا منذ أن خلق الله الكويت..
كانت متعة جميلة أن أتناول طبق السمك في الهواء الطلق وفي حرارة تقترب من الثلاثين تحت الصفر ووسط تقاطر الثلوج..
ناولتُ البائع الوسيم قيمة الوجبة ولكنه فاجأني برفضه أخذ المبلغ..
أصررتُ عليه ولكنه أبدى رفضا ً قاطعا ً..
وقال لي :
أنتَ ضيفنا في هلسنكي وودعني بتحية :
( هابي نايس كرسمس )..
وكان قد بقيَ على احتفالهم بالكرسمس أسبوعان حسب ما أتذكر..
بعد تلك الوجبة السمكية اللذيذة رحتُ أبحثُ عن مقهى هاديء طلبا ً للدفء والراحة والمشروب الساخن..
اهتديتُ في طريقي لمقهى صغير دخلتُ واتخذت طاولة قرب النافذة الكبيرة لكي أستمتع بمشاهدة مهرجان الثلج في الخارج وهو يمارس إبداعاته في أبجدية البياض..
طلبتُ من النادلة الشابة ( كابتشينو ) وكانت فرصة رائعة لكي أتحرر قليلا ً من معطفي وذاك الشيء الذي يلف عنقي وقفازتيَّ الجلديتين..
ولو كان بإمكاني لتحررت أيضا ً من حذائي وجواربي لأتفقد قدميَ اللتين كانتا تمرحان طويلا ً في الثلج..
كان ثمة أفراد قلائل في المقهى..
مَن كان يتصفح مجلة وآخر يقرأ رواية واثنان كان يبدو عليها إنهما يتفقان على أين سيقضيان ( الويك إند )..
واثنان على طاولة خلفي يتهامسان ويضحكان ويخططان لغد أجمل..
هكذا تخيّلتهم بحكم طبيعة المجتمع الأوروبي الذي اعتاد على الاستمتاع بلحظات يومه بعيدا ً عن النكد والغم وتتبّع أخبار السياسة وترديد شعارات ( المناضلين ) واقتفاء إرشادات ( السلف الصالح )..
شكرتُ من كل قلبي ( شركة الإتصالات ) عندنا في الكويت لأنها جعلتني على إتصال دائم بالعالم حيث كان هاتفي الجوال مشحونا ً بخدمة الشبكة التلقائية أينما أذهب..
أدرت الهاتف على رقم منزلي وكانت زوجتي على الخط أبلغتها تحياتي الفنلندية الثلجية وروعة السمك الهلسنكي ووسامة بائعي السمك ولطف الفتيات الفنلنديات وحماسة الرجل الكندي وثرثرة المرشدة السياحية ومرح الأطفال الفنلنديين في روضتهم..
وطلبتُ منها أن تهدي قبلاتي لحمّود وفروحه وتبلّغ أمي وبقية العائلة شوقي واشتياقي..
لم يبقَ على موعد الإبحار إلى ( استوكهولم ) في رحلة العودة سوى ثلاث ساعات..
خرجتُ من المقهى بعد أن أحكمتُ جيدا ً إغلاق كافة الاستحكامات الدفاعية التي تلف جسدي للتصدي لضربات البرد الشديد..
وتساءلتُ مع نفسي هل كان الأوروبيون يرتدون الثياب الثقيلة طوال الوقت قبل أن يخترعوا وسائل التدفئة
الحديثة؟؟
كانت المسافة التي يجب أن أقطعها بين المقهى والميناء حيث ترسو الباخرة العملاقة ليست بالقصيرة بالنسبة لي على الأقل..
لأنه كان عليَّ أن أمشي طوال تلك المسافة وقدمايَ تغوصان في الثلوج إلى مسافة عشرين أو ثلاثين سنتمتر..
فكرتُ أن أستقل إحدى سيارات الأجرة ولكني تذكرتُ فجأة ً حماسة الرجل الكندي مستلهما ً منه روح المغامرة والإقدام فعقدت ُ العزم على الإبحار وسط الثلوج ملوّحا ً بقول الشاعر :
أنا الغريق فما خوفي من البلل ِ..
وطلبتُ من الله أن تكون الثلوج معي أليفة ودافئة..
ولا أدري لماذا تذكرتُ في هذه اللحظة حادثة ً حصلت لي قبل أكثر من عشرين عاما ً وهي على النقيض تماما ً من حالتي هذه..
يوم كنتُ على جبل ( عرفة ) في موسم الحج وكان الحر شديدا ً لا يُطاق يسد علينا عبور أية نسمة هواء منعشة اقتربَ مني أحد أصدقائي حينما وجدني متسربلا ً بهالةٍ ( عرفانية ) نادرة لم يعتد أن رآني هكذا من قبل فسألني :
يا محمود ما هي أمنيتك من الله في هذه اللحظة النورانية؟؟
فقلتُ له :أن يُنهيَ الله هذا اليوم علينا بخير..
صادفتُ في طريقي الثلجي مجمعا ً تجاريا ً صغيرا ً وكان على الطراز الأوروبي القديم جدا ً واستحضرتُ أجواءه وروعته حينما شاهدتُ فيما بعد في الكويت الفيلم الممتع للممثلة الاسترالية الحسناء ( نيكول كدمان ) الجبل البارد..
وقلتُ حينها لزوجتي في قاعة السينما وقد بدت متحمّسة للسفر إلى هذه الأجواء التراثية الملتحفة بالثلوج :
صدقيني يا عمري سوف ( تزهقين ) من الثلوج اسألي مجرّب..
فردت بسرعة :( عيّار ) تتهربُ جيدا ً من الاستحقاق السياحي للعام
المقبل..
دخلتُ المجمع الصغير والذي كان يشبه كوخا ً تراثيا ً يداعبُ في لقطةٍ آسرة صفاء اللون الأبيض..
كان المجمّع يحوي بضعة محلات متخصصة في بيع الأطعمة والأغذية الفنلندية المتنوعة..
قلتُ أثانية ً طعام ُ..!!
كان الهدوء يهيمن على المكان هيمنة تامة وكأنه يتناغم بلغةٍ ساحرية مع مهابة البوح الثلجي..
لفتَ نظري في تجولي السريع أن مَن يتولى أمور البيع في تلك المحلات نساء بينما الرجال لا يزيدون على اثنين أو ثلاثة وكن يستقبلن الزبائن بابتسامة رقيقة وروح خلابة..
ولكني لم أفهم لماذا المحلات التي كانت مخصصة في بيع الأجبان بكافة أشكالها وأنواعها تتولى البيع فيها نساء بدينات وفكرتُ أن الاستفسار عن هذا الأمر يعتبر تدخلا ً سافرا ً في خصوصية الفرد الأوروبي..
وخرجتُ من المجمّع الصغير مصحوبا ً ببعض المعلومات العامة عن الأطعمة الفنلندية واستأنفت السير إلى الباخرة وحينما وصلتها كنتُ أحمل معي في ثيابي ما يعادل حمولة عربة صغيرة من الثلج المتناثر..
وكان في رأسي شيء واحد وأنا أدخل الباخرة أن أسأل صديقي الكندي حين ألتقيه عن سر العلاقة بين الأجبان والبائعات البدينات..
كاتب كويتي
التعليقات
وصف رائع
فراس -الحقيقة انه اجمل ما قرأت من زمن . مع انني في عجلة من امري لاخرج و استمتع بالمدينة هلسنكي و لكن توقفت عند كل وصف لهذه الرحلة القصيرة . حيث انني في نفس المكان و تقريبا نفس الخطوات اخطيها الان و لكن في الصيف و الحقيقة ان الفرق كبير في الوصف بين الصيف و الشتاء في هذا المكان من العالم
نسيت
فراس -لقد نسيت ان اتحدث عن استفسارك بالنسبة للبدينات في السوق . الحقيقة لقد اخبرت زوجتي من يوم وصلت للمدينة ان الفتيات هنا بدينات . و اعتقد ان ذلك بسبب البرد القارص و قلة التحرك و التنقل مشياً