عندما نعطل آلية النقد الذاتي نعطل الوعي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يستخدم المواطن في العالم العربي اليوم التلفون الجوال، ويسكن عمارة شاهقة، ولربما ركب سيارة فخمة، وعدد الجامعات في البلدان العربية بلغ كماً كبيراً، ومع ذلك لم تتطور الخدمات، والثروة القومية بددت في شراء أسلحة ميتة، وكل شيء في البنية التحتية لا يعمل، والنمو يتراجع مع انفجار سكاني مخيف ومستقبل مظلم للجميع، والمواطن لا يصدق نشرة الأخبار المحلية، والمواطن مراقب في تنفسه ورسائله، وتسجل شجرته العائلية لسبع حلقات، وشكله الخارجي كفرد لا ينقصه شيء عن أي مواطن أوربي بفارق أنه ولد أخرسا يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا، أتقن فن الصمت وتلقي الأوامر، وموت روح المبادرة، يردد مقولة ديكارت : عاش سعيداً من بقي في الظل. نحن دخلنا عصر المحطات الفضائية ولكن من الباب الخلفي، وفي بعض المحطات لا يطل سوى ثلاثة رموز في مركب أقانيم من عقيدة تثليث جديدة. وفي الوقت الذي يخطط الآخرون لألف سنة قادمة في استيطان المجرة مازلنا نحن على الأرض في بعض المناطق نتناقش حول قيادة المرأة للسيارة، وفي الوقت الذي يحاسب الفرد على قتل شجرة في فرنسا، فإن عندنا من يفكر ويخطط لحملة تطهير عرقي لبعض الشجر وتدمير الغطاء النباتي بحجة الحساسية، في بيئة تئن من الرمال والجفاف، نحن إذاً نتقدم إلى الوراء، ويمشي أحدنا مكباً على وجهه، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم؟ إن حظنا سيء أننا ولدنا في هذا العصر، وننتسب إلى ثقافة تحتضر. العقول هاجرت، والأموال طارت على أجنحة الكترونية، والاستبداد ازداد رسوخاً، والديكتاتوريات أصبحت أشجاراً باسقة مدت ظلالاً من الرعب على شعوب بأكملها، وضربت جذورها أميالاً في التربة النفسية، وانقلب الفرد إلى كائن مسخ يتقن الكذب والتمثيل بأفضل من القرود، المواطن لا يرى المشاكل بل يصطدم بها اصطداماً ولا يتعلم من خطأه، فيسرع إلى الحلول الجاهزة والسريعة لمشاكل في حجم الجبال، ويعمد إلى شراء آلة لا يحسن استخدامها، ويعجز عن صيانتها، ولا يفكر في تطويرها.
و السؤال الآن: لماذا يحدث ما يحدث؟ لماذا تعيد الثقافة إنتاج نفسها على هذا الشكل المريض ؟ ما هو سر هذا الاستعصاء الخبيث في الثقافة العربية الإسلامية؟ ما هي نوع البرمجة الذهنية عند الفرد العربي؟ ولماذا لا يدخل العصر؟
إذا كان كل مواطن يغلق بابه على نفسه، ويعيش مع نفسه وعياله، فقد تحول إلى ذرة رمل تائهة، غير متماسكة مع غيرها، في صحراء تضرب فيها العواصف.
نحن نمدح أنفسنا، ونكذب حتى نصدق أنفسنا؛ فذاتنا مبرأة من العيوب فوق الخطأ ودون النقد. إن عدم تحمل النقد، وانعدام آلية المراجعة، واتهام الآخرين بقصورنا، وعزو فشلنا إليهم تبرير غير مجدي، أما تحرير آلية النقد الذاتي، وتنشيط مفهوم التوبة، فتعني السير في خط آدم، الذي تلقى من ربه كلمات فتاب عليه.
نحن نعيش في عصر لم نولد فيه، أو ولدنا في عصر لا ننتسب إليه، تشكل الحداثة لنا الجن الأزرق المكرر في قصة سندباد البحري، نحن نعيش نشوة الماضي كالسكران المترنح في عصر لم نتكيف مع إحداثياته؛ فلا نعرف ماذا جرى في العالم ولا نمشي في الأرض لننظر كيف بدأ خلق العالم الجديد وأنه أنشيء النشأة الآخرة. نحن لا ننتسب إلى العصر بسبب بسيط : أننا لم نشارك في بناءه. نحن استهلكنا ما عندنا من أدوات معرفية. نحن اليوم نشتري الحضارة ولا نبنيها، وأهم شروطها ليس الإنتاج التكنولوجي بل الإنتاج المعرفي. نحن نعيد إنتاج ثقافتنا وهناك الكثير من الأفكار التي تشكل الخريطة الذهنية عندنا هي أفكار ميتة جدير بها أن تودَّع إلى المقبرة في جنازة خاشعة تليق بها، وشكلنا في العالم لايسر الناظرين،. الإسلام مبدأ من لدن حكيم عليم، والمسلمون بشر يخطئون ويصيبون، ويقتربون ويبتعدون، أو يصعدون ويهوون إلى أسفل سافلين فهل نعقل هذا؟ عندما نعطل آلية النقد الذاتي نعطل الوعي، ونزيل أي إمكانية تصحيح الخطأ والنمو للمستقبل، وهي كارثة ونحن على كل حال في وضع اكبر من الكارثة ؟