أصداء

هل المسلمون قادرون على الحوار مع الآخر؟

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

ثار ملايين من المسلمين ضد البابا بنيديكت السادس عشر إثر إستشهادات تاريخية عابرة وردت فى محاضرة له حول "العقل والإيمان" كان قد ألقاها بجامعة ألمانية فى الثاني عشر من شهر سبتمبر، وإعتبرها المسلمون: جماعات وحكومات ومرجعيات دينية، إساءة بالغة للدين الإسلامي، إستوجبت الشجب اللازع والتعنيف العنيف. بل وشاركت المسلمون فى شجبهم هذا طوائف مسيحية مشرقية )لأسباب بعضها لايخفى على لبيب(، وطالب الجميع البابا بتقديم إعتذاره وتوبته عما قاله.
فى ذات الوقت قامت قلة من المثقفين العرب والمسلمين بشجب عنف الشارع الإسلامي الذي إمتد عبر العديد من البلاد ليعتدى على مواطني هذه البلاد من المسيحيين، الأمر الذي إعتبروه مُنافيا للوطنية والأخلاق والدين.
ووسط هذه الثورة الغاضبة، كنت قد كتبت مقالا قصيرا نشرته إيلاف فى التاسع عشر من هذا الشهر تحت عنوان " حديث البابا بنيديكت بداية لحوار جِدى من أجل سلام العالم"، قلت فيه أن محاضرة البابا، فى حد ذاتها، وعلى الرغم مما قد سببته من غضب، كان من الأفضل أن يتلقاها علماء المسلمين بالرد الحكيم، تأسيسا على القول القرآني الكريم "وجادلهم بالتي هي أحسن". وقد شاركنى كتاب آخرون فى هذا المنحى.
وكانت قناعتي، التى عبرت عنها فى ذلك المقال، أن البابا ممثلا للكنيسة الجامعة يؤمن بالحوار الجدي )أي الفاعل( مع العالم الإسلامي، وخصوصا بسبب مخاطر التطرف والإرهاب الملتحفين بالإسلام، واللذين باتا يهددان قلب العالم الغربي. وكانت أيضا قناعتي بأهمية الحوار الإسلامي )الجدي( مع الكنيسة الكاثوليكية )العالمية( مبنية على رغبة صادقه لشرائح ثقافية هامة فى العالم الإسلامي تسعي إلي تطوير مجتمعاتها والتعايش مع الآخر من أجل عالم أفضل للجميع.
ولم يمر أسبوع على ثورة الغضب فى الشارع الإسلامي المنفلت وفى الطوابق العليا من مؤسساتنا الدينية، والتى بدت انها نجمت عن محاضرة البابا حصراً، إلا وكانت الكنيسة الكاثوليكية قد مدت يدها بدعوة واضحة للحوار )الجدي( مع العالم الإسلامي رسميا، حيث إجتمع البابا بنيديكت وكبار المسئولين بالفاتيكان يوم الخامس والعشرين من ذات الشهر بمندوبي البلاد الإسلامية.
فى ذات الوقت، إستمرت مرجعيات إسلامية في رفض الحوار، بينما أعلنت أخرى )مشيخة الأزهر تحديدا( تعليقها للحوار حتى إشعار آخر) إنتظارا لرضوخ البابا باعلان توبته المشروطة والصريحة(، هذا على الرغم من إعلان البابا أسفه )بالثلاثة( عما قد سببه من ألم للشعوب المسلمة وغير المسلمة ممن شاركوهم فى المصاب الأليم!!
أمام هذا الموقف، يبدو - وفى ضوء إفتقاد روح التسامح الدينى والغفران، إذا سلمنا بان "قداسة" البابا قد أخطأ عامدا متعمدا، اننا نواجه معضلة، فالرجل يصر على المضي فى طريق الحوار، ولا يبدو أن لديه النية لتقديم ما يفرضه شيوخنا الأجلاء، لأنه يرى أنه لم يخطئ فى حق المسلمين. من هنا أتسائل : أحقا أن الأمر فى الأساس يستوجب هذا الإعتذار ؟
من ناحية أخرى، وفى ضوء التعاطي دبلوماسيا بين الشعوب والدول سعيا نحو نزع الفتائل المتفجرة - يبدو لي أن الحوار )الجدي( لا غنى عنه للوصول إلى نقط إلتقاء، ننطلق منها إلى تأسيس أرضية إنسانية مشتركة تتوافق مع المبادئ العليا المنبثقة من الأديان الكتابية الثلاثة، للمشاركة فى حل مشاكل الإنسان وربما العالم أيضا.
وهذا ما كنت قد تمنيته فى نهاية مقالي السابق "... أن يتولى بعض المثقفين المسلمين والمؤسسات الإسلامية الرسمية والأهلية حوارا عقلانيا بعيدا عن المجاملات والرسميات والخطب والعظات. وأن تبدأ كل هذه الجماعات المسئولة عن بناء الجسور بين الشرق والغرب فى إطار من المبادئ الإنسانية التي تؤسس للعدالة والحرية والمساواة."
ولقد جاءت كلمة قداسة البابا بنيديكت السادس عشر فى حضور مندوبى البلاد الإسلامية المعتمدين لدى الفاتيكان لتؤكد ما جاء بمقالى السابق فيما يتعلق بضرورة الحوار الفعال، وبعزم البابا على مواصلته على أسس هامة وعملية، ومن أجل أهداف محددة وواضحة أوجزها فى السطور التالية لأهميتها.

أسس الحوار الذى دعا إليه البابا، كما وردت فى كلمته:
ان يتناسى المسلمون والمسيحيون "الماضي ويتصرفوا باخلاص الى التفاهم المتبادل....".
حوار أصيل بين الديانات والثقافات "قادر على مساعدتنا كي نتخطى معا كل التوترات بروح تعاون مثمر".
حوار صادق واحترام متبادل على اساس المعرفة المتبادلة والحقيقية التي تُقر بفرح بالقيم الدينية المشتركة بيننا، والتي تحترم بصدق الاختلافات".
"ان المسيحيين والمسلمين مدعوون الى العمل معا، كما يحصل في خبرات مشتركة مختلفة، لتحاشي اي شكل من عدم التسامح ورفض العنف في مختلف اشكاله. وتقع على عاتق السلطات الدينية والسياسيين مسؤولية ارشادهم وتشجيعهم في هذا الاتجاه".
ان الحوار الديني والثقافي المشترك ضرورة لنبني سويا عالم سلام واخوة يتوق اليه جميع البشر ذوي الارادة الصالحة. وفي هذا القطاع ينتظر منا معاصرونا شهادة بليغة لقيم البعد الديني للوجود.

غايات ألحوار المرتجى بين المسلمين والمسيحيين:
أما الغايات الكبرى من الحوار المطلوب بين المسلمين والمسيحيين فقد حددها البابا فيما يلي:
"ان يلتزم المسيحيون والمسلمون سويا بمواجهة التحديات الكثيرة امام البشرية وبخاصة فيما يتعلق بالدفاع عن كرامة الشخص البشري وتعزيزها وكذلك ايضا عن الحقوق المتأتية عنها".
وأن "يصونوا ويعززوا سويا العدالة الاجتماعية والخيور الاخلاقية والسلام والحرية لفائدة جميع الناس".
احترام هوية وحرية كل فرد في ضوء تعاون مثمر في خدمة الانسانية برمتها".
"ان الاحترام والحوار يقتضيان التبادلية] أي التعامل بالمثل [ reciprocity في جميع المرافق ولا سيما فيما يتعلق بالحريات الاساسية وبشكل خاص بالحرية الدينية. انهما يعززان السلام والتفاهم بين الشعوب"
والملاحظ، فى معرض حديثه عن غايات الحوار، أن البابا عاد لموضوع محاضرته الجامعية التى أقامت
العالم الإسلامي ولم تقعده، ليربط مرة أخرى بين "الإيمان والعقل والسلام"، فقال: "وفبما تزداد خطورة التهديدات على الانسان والسلام، ومع الاقرار بميزة الشخص المركزية، والعمل بشكل دؤوب من اجل احترام حياة الشخص، يعبر المسيحيون والمسلمون عن طاعتهم للخالق الذي يريد ان يحيا الجميع في الكرامة التي منحهم اياها".
وهكذا وضع البابـا الجميع - مسلمين ومسيحيين- على المحك لكي يثبتوا فى الواقع المُعاش أن إيمانهم يصون الحرية وكرامة الإنسان وسلام العالم.
لاشك فى أن البابا من البداية، ومعه كل من إستوعب خطورة الأعمال الإرهابيـة التى إنطلقت من المجتمعات الإسلامية منذ سبعينات القرن الماضي، لتهدد أبرياء وتسئ لأحد الأديان الكبرى بل وتهدد سلام العالم كله، يرى ضرورة مثل هذا الحوار الجدي، الصادق، والهادف.
فهل حقا نحن قادرون على هذا الحوار وتبعاته؟ وهل حقا نحن جميعا راغبون فيه من الأصل؟
الواقع أن حوارات كانت قد بدأت بين الكنيسة الكاثوليكية )الفاتيكان( والأزهر، منذ أكثر من عقدين، ومثلها بين الكنيسة الأنجليكانية والأزهر ومؤسسات إسلامية أخرى، وأخرى بين مؤسسات ثقافية وإسلامية وكنائس بروستانتية أوروبية وأمريكية، وكذلك جماعات إسلامية ومسيحية مشرقية، ولكنها جميعا لم تكن إلا لقاءات غلب عليها طابع المجاملات و التعارف أحيانا، وفى أحيان أخرى السجال المبطن او الترويج لآراء تتعلق بقضايا ومشاكل سياسية.
وعلى الرغم من أن تلك الحوارات خلقت صداقات بين الأطراف المتحاورة وأذابت الجليد بين الجانبين، إلا أنها لم تؤثر بوجه عام على نظرة الشعوب الإسلامية إلى المسيحية والمسيحيين، حتى من مواطنيهم، وخصوصا فى شرقنا العربي. بل وكانت تلك المنطقة قد شهدت خلال ما زاد على أربع عقود تهجما شرساً على العقيدة المسيحية وتقييدا على ممارستها، وتهميشا للوجود المسيحي فى المشرق، مهد المسيحية. وتواكب مع هذا التطرف الذى لم يختبره المسيحيون فى العصر الحديث، أحداث عنف طالت المجتمعات المسيحية دونما سبب إلا إختلاف العقيدة.
وهاهو الإرهاب الناتج عن رفض الآخر، والناتج عن ربط الإسلام بالسياسة ومطامعها، وإلغاء فكرة الوطن والمواطنة تعمل فعلها الدموي التدميرى بين الطوائف الإسلامية وبين الشعوب الإسلامية وأنظمة الحكم فى البلاد )الإسلامية(.
فى ضؤ هذا الواقع المؤسف أتساءل مرة أخرى: هل حقا نحن قادرون على هذا الحوار وتبعاته؟ وهل حقا نحن جميعا راغبون فيه من الأصل؟
لايزال علماء المسلمين حتى اليوم، بالرغم مما يحدث داخل المجتمعات الإسلامية ذاتها من إحتراب وعنف ضد الآخر، يطالبون بابا الفاتيكان بتقديم الإعتذار والتوبة. حقا، أنه شئ مُخجل. ولكن يبدو أن المثل المصري، القائل "أللي إختشوا ماتوا،" يعبر عن واقعنا اليوم.
ولكن حتى لا أظلم الكل، فالقلة - والحمدلله - تُلمًح، وبمناسبة شهر رمضان الفضيل، أن يغفر المسلمون للبابا وغير البابا، ويفتحوا صفحة جديدة، تعبر وبحق عن تسامح الإسلام. وهذا ما يتمناه البابا ويدعو له باصرار، مع كل محبي السلام من أتباع كافة الأديان ومن لا دين لهم أيضا.
فهل تستجيب الأغلبية، لا أقول من العامة ولكن، من علماء الإسلام والمثقفين؟
هل يمكن حقا أن تستجيب بينما نقرأ - بين كم ضخم من المواد المحرضة المتعصبة - دعوة صريحة مدوية لا تزال تطلقها وزارة الأوقاف المصرية من موقعها الإلكتروني، برفض الحوار مع أهل الكتاب؟
إذا كان الأمر هكذا، فعن أي حوار نتكلم، وعلى أي أسس يقوم الحوار، إذا كانوا يؤمنون ويعلنون صراحة ورسميا، بما تنشره وزارة الأوقاف المصرية
http://www.islamic-council.com/non-muslims_u/Chapter3.asp، ومنه الآتي، وهو قليل من كثير:
أن المسيحيين واليهود أفسدوا كتبهم المقدسة بمزج الوحي الأصلي مع التفسيرات البشرية.
حتى لو كانت هذه الكتب قد وصلتنا اليوم بدون تحريف فلا أحد يستطيع فهمها أو ترجمتها لغويا، ولا حتى ترجمتها فى الواقع العملي.
أن عنصرية وقومية الديانة اليهودية تجعل من تعاليمها الأخلاقية أضحوكة، بينما تلغى عقيدتا التثليث وموت المسيح الكفاري فى المسيحية كل مبادئها الأخلاقية.
الإسلام هو الديانة الوحيدة التي تعلم التوحيد المنزه، الذي لا يقبل القومية، أو العنصرية أو التثليث أو التقديس، أو عبادة الصور أو الكهنوت.
لا بشر ولا حيوان يستطيع أن يضر بمسلم، إلا باذن الله. فالمؤمن الحقيقي يؤمن بأن الله قد حدد أجله مستقبلا. كما أن نجاح أو فشل الإنسان يرجع إلى الله وحده.
الإسلام وحده بين كل الأديان هو الأساس العملي للإخوة الإنسانية.
المسلم لايستطيع أن يكون مسلما فى المسجد وقوميا أو إشتراكيا فى السياسة، إنما مسلما أينما كان. فالإسلام ليس حلية، إنما هو الحياة ذاتها.
إن عدم قبول اليهودية والمسيحية فى مرتبة متساوية مع الإسلام هو المعيار الذي على أساسه يرفض الاسلام معاملة غير المسلم مثل المسلم.
إن معارضة الإسلام لكل الأديان والفلسفات والأيديولوجيات لا تولد الكراهية ضد الأفراد ولكن ضد الأنظمة التى شكلتهم.
يُعلم الإسلام بأن الإيمان الجامع هو الرابطة الوحيدة التى يمكن أن توحد الجنس البشري. ويحاسب الإنسان على أساس إيمانه بالإسلام أو عدم إيمانه.
على أي أساس يمكن ان تتم المصالحة النهائية بين المسلمين واليهود والنصارى؟ لابد أن نتأكد فى ظل الظروف القائمة أنه لا يمكن أن تقوم صداقة.
لايمكن أن تكون هناك علاقة سلام وإحترام متبادل إلا من خلال القوة. ينبغى أن نكف عن الإستغراق فى الجدل التبريري، ونقدم رسالتنا الإسلامية دون تردد.
وفى النهاية، علينا أن نسحق المؤامرات الصهيونية، والماسونية، والإستشراقية، وحملات التبشير، وذلك
باستخدام القلم والسيف. فليس بمقدورنا إقامة سلام أو مصالحة مع أهل الكتاب، حتى نقهرهم وتكون لنا اليد العليا".
وبعد كل هذه الوصايا، وغيرها الكثير من وصايا وتصرفات تتعارض مع كل ما يسعى إليه البابا وآخرون من صانعي السلام، هل حقا يرغب المسلمون فى الحوار؟ البابا بنيديكت السادس عشر فى إنتظار الرد، ومعه كل من يسعى إلى سلام العام.
وحتى يتحقق هذا الأمل العزيز، أرى أنه لا بأس من "أن نبدأ نحن العرب والمسلمون فيما بيننا ومع أشقائنا من مسيحيي المشرق بتطبيق هذه المبادئ التى دعا إليها البابا بين ظهرانينا، كما دعوت فى مقالي السابق، فربما تكون تلك هي الخطوة الأولى نحو حوار صادق مع العالم الغربي. وتلك هي أيضا أقوى الححج لكي نستحق إحترام العالم ونقدر على المشاركة فى بناء ســلامه، تعبيرا عن إيمان إلهي صادق...".
هل من مُجيب؟ وهل يتكرم الدكتور/ الفاضل محمود زقزوق، وزير الأوقاف المصري، بمواصلة حواراته التنويرية بنشر مايدعم سماحة الإسلام والدعوة إلى السلام، وخصوصا على الموقع الإلكتروني لوزارته؟

نبيل عبد الملك
*رئيس المنظمة الكندية المصرية لحقوق الإنسان

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف