تحول ستراتيجي في التقارب الأمريكي الكوردي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
حظيت الزيارة السياسية للوزير الأول للخارجية الأمريكية كونداليزا رايس إلى أربيل أهمية خاصة من لدن القيادات السياسية في العراق وفي المنطقة خاصة في الدول المجاورة منها بالأخص تركيا وإيران، حيث سلطت أضوية كثيرة على الزيارة وتم تقديم تحليلات عديدة ومتنوعة لها، لكن الحقيقة الظاهرة للعيان إن التصريحات الإعلامية التي خرجت بها وزيرة الخارجية ورئيس إقليم كوردستان مسعود بارزاني من الزيارة انحصرت بمحوري النفط والمصالحة العراقية وأهمية الدور الكوردي في تحقيق هذه العملية لتواصل العملية السياسية في دولة العراق الجديدة والأخذ بالعراقيين إلى بر الأمان لتحقيق الأمن والاستقرار لهم والعمل على إخراجهم من المحنة التي يعانون منها.
ومما يستجلب الاهتمام أن الزيارة فيما يبدو من الترتيبات التي أعدت لها في أربيل، بدت كأنها زيارة لعاصمة دولة مثل أنقرة وبغداد والقاهرة وتل أبيب، ولم تكن زيارة ودية خاصة، وهذا ما يمنح الزيارة أهمية خاصة من منظور سياسي يتعلق بالعلاقة بين الحكومة الأمريكية وأقليم كوردستان ويتعلق أيضا بالتقدير الأمريكي للدور الكوردي على الصعيدين العراقي والإقليمي.
والمشهد الديبلوماسي التي رسمتها ترتيبات الاستقبال والتوديع للمسؤولة الأمريكية، خاصة من خلال الأعلام الأمريكية والكوردستانية التي وضعت خلف منصة المؤتمر الصحافي، قد بين الكثير من هذا الاهتمام، هذا المشهد كان له حضور متميز في الزيارة ليكون له دلالات معنوية سياسية كبيرة معبرة عنها بصورة غير مباشرة.
من خلال قراءة هذه المشاهد السياسية، يتبين بطبيعة الحال أن هذه الزيارة المهمة للمسؤولة الأولى عن الشؤون الخارجية في الحكومة الأمريكية، والزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس مسعود بارزاني إلى أمريكا واستقباله في البيت الأبيض من قبل الرئيس جورج بوش، تشكلان تحولا تاريخيا حاسما في مستويات العلاقات بين الحكومة الأمريكية والإقليم، ويبدو أن المستوى المنظور له في تحديد هذه العلاقة من خلال هذه الزيارة قد وصلت إلى مستوى استراتيجي تتحكم بها رؤية حكيمة للقيادة السياسية الكوردية تجاه الدور الصديق الذي لعبته أمريكا بخصوص الشعب الكوردستاني، والرؤية الكوردية النافذة هذه والقراءة الصائبة للسياسة الأمريكية في المنطقة خاصة بعد التحولات الستراتيجية التي طرأت على الرؤية الأمريكية بخصوص الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تجاه أحداث المنطقة خاصة منها الغزو الصدامي للكويت وبروز الإرهاب الدولي الذي عبر عن نفسه بالحدث الإرهابي الكبير في الحادي عشر من أيلول في تدمير برجي المركز العالمي للتجارة في نيويرك.
هذه الرؤى السياسية التي تسمح لنا على أن نكون على دراية بما يجري على الصعيد العراقي والإقليمي في المنطقة بخصوص وضع الإقليم ومصير كيانه الفيدرالي، فأن الحالة المستجدة التي وضعت أساسياتها من قبل الستراتيجية الأمريكية من فترة طويلة تتجاوز العقد والنصف فأكثر، ترسم لنا حدود آفاق مبشرة بالخير مدروسة بتأني مع مرور بطيء للزمن، وهي لا زالت في بداية خطواتها الأولية، وهذه الآفاق مرسومة لها أن تمد لها إمتدادات مشرقة لصالح الكورد ولصالح الشعوب في المنطقة على المدين القصير والبعيد للمستقبل المنظور.
ولا شك أن هذه الآفاق لم ترسم ولم تأتي اعتباطا، بل دفع من أجلها كفاح طويل ونضال شاق وعسير للشعب وللقيادة، وبذل من أجلها كل غالي وكل نفيس، ولكن بالرغم من هذا كان المطلوب من الكورد خاصة بعد قيام الحرب العراقية الإيرانية توحيد الإرادة واستيعاب السياسة بصورة ذكية متسمة بالعقلانية بأبعادها المحلية والإقليمية والدولية لخلق موقف كوردي موحد قادر على تلبية المطالب القومية والديمقراطية للشعب الكوردستاني.
ومن باب التذكير بأهمية هذا المفهوم السياسي بصدد الشأن الكوردي، أعيد إلى الأذهان حادثة سياسية تاريخية تطرق إليها الكاتب خالد يونس في إحدى مقالاته عن محاولات القيادات الكوردية في عقد الثمانينات في طرح القضية أمام الأمم المتحدة حيث يقول " حين زار وفد كردي رئيس الوزاء السويدي الأسبق الراحل ألوف بالمه طالبا منه ضرورة طرح القضية الكردية في الأمم المتحدة، ابتسم الرجل بهدوء كعادته، ونظر إلى وجوه الكرد الحاضرين نظرة شفقة ورأفة وكأنه يلتقي بأناس لا يميزون بين الوعي والالتزام وبين اللاوعي وعدم الالتزام، وقال بهدوء: "أتعرفون ماذا تعني السياسة"؟ ثم سكت برهة وجاوب على سؤاله قائلا: "إنها فن ممارسة الإرادة". ولكن ماذا تعني "الإرادة"؟ إنها الوعي بالذات، والوعي بالتاريخ، والوعي بالاستراتيجية؟ وحين يكون هناك وعي بكل ذلك تكون الممارسة واضحة من أجل هدف واضح"، لا شك أن ما قصد إليه السياسي السويدي الراحل أولف بالمه قد حان استيعابه بصورة جيدة في واقع حضورنا السياسي في العراق وفي المنطقة، لكي نكون على بينة بما ترسم في المنطقة وما تدار في عموم دول المنطقة التي تشهد صراعات دولية كبيرة للمصالح الستراتيجية للدول الإقليمية والدول الكبرى في المنطقة.
وما قصد إليه السياسي الحكيم الراحل، هو الثالوث الستراتيجي للعقلية والرؤية السياسية التي تسيطر الآن على محاور الصراعات السياسية لدول المجتمعات الديمقراطية المتقدمة التي بدأت تنحني التاريخ لها وتستقر عند أبوابها لشمولية هذه المجتمعات وعموميتها الفكرية العملية والواقعية في إدارة المجموعات السكانية الكبيرة والصغيرة بمختلف تنوعاتها القومية والدينية والمذهبية والاجتماعية والاقتصادية. والثلاثية المعبرة عنها بحكمة وعقلانية كبيرة هي الوعي بالذات والوعي بالتاريخ والوعي الستراتيجي، أجل هذا الثالوث الستراتيجي يتحكم بعالم السياسة اليوم لأنها تستوعب كل مفردات الأزمات والمشاكل التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط.
هنا لا بد لنا من القول أن فهم واستيعاب هذه المفاهيم الستراتيجية في التفكير السياسي للقيادة الكوردية تشكل حجر الزاوية الأساس لاستثمار التطورات الحاصلة في الرؤية الأمريكية بخصوص المنطقة لصالح الكيان الفيدرالي للإقليم، ولابد أن تعبر هذا الثالوث الستراتيجي بتطبيقات ميدانية في واقع حياة الشعب لكي تكون القيادة في موقع مسؤوليتها التاريخية، ومن جملة التطبيقات هذا الثالوث هي الشفافية في الإدارة والنهج الديمقراطي الصحيح للحكم ومكافحة الفساد وإقالة المسؤولين المحتكرين للسلطة والمستولين على أموال الشعب وتحويلهم الى القضاء والتوزيع العادل للثروة وإزالة الفوارق الاجتماعية بين طبقة الأقلية الحاكمة وطبقة الأغلبية الفقيرة من الشعب بخصوص الوعي بالذات، أما بخصوص الوعي بالتاريخ فان العمل للمستقبل برؤية معتمدة على إمكانيات الحاضر بالاستفادة من القراءة التاريخية للأحداث وليس العودة اليها واستغلال الفرصة التاريخية تشكل المنبر الأساسي للوعي بالتاريخ، أما بخصوص الوعي الستراتيجي فهذا يشكل الركن الأساسي لنجاح أية فكرة سياسية كبيرة على نطاق الشعب والدولة لضمان عوامل ومقومات الإدامة والتواصل في المستقبل المنظور وعدم تعريض مصالح الشعب إلى مغامرات عقيمة لا يخرج منها الشعب أو دولة الإقليم إلا بالدمار والخراب.
هذه الرؤية السياسية التي طرحناها كانت من باب التفسير والبيان للأهمية الستراتيجية للزيارة الناجحة التي قامت بها الوزيرة كونداليزا رايس، نأمل من سياسينا العراقيين والكورد وقراءنا الأكارم الاستفادة منها في تحليلاتهم ورؤاهم بخصوص الوضع السياسي في الإقليم، لضمان عوامل القوة المستندة على التعقل والحكمة إلى الكيان الفيدرالي الكوردستاني لديمومة حضوره وتواصله لصالح الشعب بأمان في الحاضر والمستقبل.
د.جرجيس كوليزادة
كاتب ومحلل سياسي/ كوردستان-العراق
Gulizada_maktab@yahoo.com