كتَّاب إيلاف

عيدك مبارك

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ليس هناك أجمل من ليلة العيد..فمن بين كل أيام السنة ولياليها، تحلو ليلة العيد أكثر من غيرها،حتى أن حبيبة قلبي الأبدية السيدة أم كلثوم غردت برائعتها ( يا ليلة العيد) لتخلد جمال وحلاوة تلك الليلة عندما شدت بشعر شاعر الشباب أحمد رامي وتلحين عبقري الأغنية العربية رياض السنباطي أغنيتها الشهيرة :
يا ليلة العيد أنستينا وجددت الأمل فينا
هلالك هل لعنينا فرحنا له وغنينا
وقلنا السعد حيجينا على قدومك يا ليلة العيد
جمعت الأنس ع الخلان ودار الكاس على الندمان
وغنى الطير على الأغصان يحيي الفجر يا ليلة العيد
حبيبي مركبه تجري وروحي في النسيم تسري
قولو له يا جميل بدري حرام النوم في ليلة العيد

وأنا أتذكر تلك الكلمات الرائعة وهي تنساب من أجمل حنجرة عرفها تاريخ الغناء العربي، أرثي لحال العراقيين اليوم الذين بدل أن يجمع الأنس بين خلانهم ويدور الندمان عليهم بكؤوسهم، أرى اليوم فرق الموت تدور في شوارع بغداد لتطفيء أنوارها وتغتال المسلمين فيها،وبدل أن يغرد الطير على أغصان أحياء بغداد، يسمع العراقيون هذه الليلة وكل ليلة رشقات البنادق وصوت المفخخات ؟؟!! فلك الله يا عراق.لك الله.
وبعيدا عن الهم العراقي الذي لا ينتهي أبدا، أتذكر أيام الطفولة وكيف كنا نستقبل العيد، خصوصا عيد الفطر الذي كان يأتي متأخرا جدا، أي بعد عشرة أشهر من آخر عيد كنا نعيده ويعقب شهر الصيام.
كنا نحن الصغار نترقب بشغف بالغ إنتهاء أيام الشهر الفضيل رغم أنها كانت حلوة أيضا بالنسبة لنا،لأننا كنا ننطلق فيها للعب واللهو البريء في الأزقة والمحلات الى ساعات متأخرة من الليل بإعتبارها ليالي إستثنائية وكان أهلينا يسمحون لنا بالتأخر قليلا في تلك الليالي، وكنا ندخر جزءا من يومياتنا خلال شهر رمضان للعيد رغم أن مكافأة العيد المهيئة لنا كانت كبيرة قياسا الى يوميات بقية الأيام.
عندما يحل مساء آخر يوم من شهر رمضان ونسميه نحن في كردستان بيوم ( عرفات) وهو الذي يسبق يوم العيد حتى لو كان ذلك العيد عيد الفطر الذي يخلو من وقفة العرفة طبعا. نخرج نحن الصبية بعد الإفطار الى مساجد المدينة لنشارك رجال المدينة ترحيبهم بقدوم العيد بالتهليل والتكبير( الله أكبر الله أكبر لا اله الا الله الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد) وبعد الإنتهاء من تلك المشاركة، نتهيأ للذهاب الى الحمامات الشعبية المنتشرة في المدينة والتي كانت تغص بالناس على عكس هذه الأيام التي تتوفر الحمامات البخارية في بيوت الكثير من المسؤولين والموسرين بفضل سقوط صدام. ففي تلك السنوات كان معظم الناس فقراء ومعدمون يستحمون في الحمامات الشعبية وليس في البيوت.
بعد الإنتهاء من الإستحمام نرجع الى بيوتنا ونرى أمهاتنا مشغولات بتحضير طعام العيد للغد، حيث كن يضعن الفاصولياء في قدر من الماء وكانت الفاصولياء من طعام العيد المميز، ثم يغلين تنكات من الماء لتحضير الحمام للأطفال الصغار.. وكنا نحن الصبية بعد عودتنا من الحمامات نخرج ملابسنا المهيئة للعيد لنعمل عليها بروفة أخيرة وكانت بمجملها ملابس جديدة كانت تشترى لنا مرة واحدة في السنة مع ملحقاتها من الأحذية والمناديل والأحزمة والجوارب وغيرها. وبعد أن نكمل البروفة الأخيرة وندقق في الأقمصة والسترات حتى لا تكون ناقصة من الأزرار أو غيرها، نرتب تلك الملابس ونضعها مع الحذاء وبقية الملحقات تحت مخدتنا وننام حتى الصباح؟!!..
في صباح العيد كنا ننهض مبكرا على صوت البريمز ( أداة طهي في الستينات) وفوقها قدور الرز والشوربا واللحوم.وكان طعام العيد مكونا بدرجة أساسية من الرز والفاصولياء والمشمش المطهي لدى أغلبية العوائل العراقية. وكنا نسمع من جداتنا أن العائلة التي لا تحضر طعام صباح العيد تكون مخالفة للشرع ولن تكون معيدة!. و لا أدري من أين كن يأتين بذلك وما إذا كان هناك سند شرعي حول ذلك، ولكني أخمن أن سبب هذا التشديد في ضرورة إعداد طعام العيد هو لجعل أيام العيد مميزة عن بقية أيام السنة، وجعلها إحتفالية إستثنائية خصوصا بالنسبة للعوائل الفقيرة التي كانت تتناول اللحوم مرة واحدة في السنة.
بعد تناول فطور العيد كان آبائنا يلبسون ملابس العيد ويستعدون لإستقبال المهنئين، وكانت العادة أن تبدأ التهاني من الجيران، حيث كان أول جار يدخل بيتنا يقدم تهانيه لوالدي الذي كان يرافق ذلك الجار عند خروجه ليزورا معا بيت الجار الثاني، وكان هو بدوره يرافقهما لتهنئة الجار الآخر وهكذا حتى كان وفد المهنئين يتجاوزون في بعض المرات عشرة أشخاص.وكنا نحن الصبية والصغار غير مهتمين بتلك المراسيم اللهم إلا إذا عرفنا مسبقا أن أحد الجيران ينقدنا عيدية، فقد كنا عندها نلزم جانب أبينا حتى يخرج لنا ذلك الشخص عيديتنا وما أن نتسلمها منه حتى نفر من البيت.
كنا صبية المحلة نجتمع في الساعات الأولى من صباح العيد بعد أن نكون قد إتفقنا في اليوم السابق على برنامج معين للإحتفال بالأيام الثلاثة.وأين وكيف نقضي تلك الأيام السعيدة.. فقد كنا نعرف الأفلام التي تعرضها صالات السينما في المدينة، لأن أصحاب تلك الصالات إعتادوا أن يجمعوا مقدمات عن كل أفلام العيد ليعرضوها جميعا في اليوم السابق للعيد حتى يعرف المرتادون نوعية الأفلام التي تعرض في العيد بالإضافة الى لصق صور عن تلك الأفلام داخل الصالة..وكانت دور السينما التي هي الوسيلة الوحيدة الممتعة للأطفال في ذلك الزمن تعرض الأفلام لخمس فترات متتالية تبدأ من التاسعة صباحا حتى الثامنة ليلا..الفترة الصباحية كانت تبدأ بافلام الصغار مثل ( كينك كونك، كودزيلا) أي أفلام الوحوش الطائرة، وكذلك أفلام فلاش كوردن، والعرض الثاني تعرض أفلام مثل المصارعون العشرة أو هرقل أو ماشيستي وهي بمجملها أفلام المصارعات والمعارك بالسيوف، ثم تبدأ فترة الظهيرة التي كانت هناك أفلام الكاوبوي مثل ( ترنتي) أو الأفلام الهندية مثل ( سنكام) و( تضحية الطبيب) وغيرها للممثلين الهنود مثل راج كابور وشامي كابور أو أمتياب. يليها العرض الرابع وهو عادة من الأفلام العربية من بطولة شكري سرحان أو رشدي أباظة أو فريد شوقي ومحمود المليجي اللذين كانا يمثلان جانبي الخير والشر في معظم أفلامهما. وفي الفترة المسائية كانت العروض محصورة بأفلام فريد الأطرش أو عبدالحليم حافظ، فكانت هذه الأفلام تستهوي العوائل التي كانت تحجز ( لوجات) في السينما وهي مقصورات تقع خلف الصالة وكانت عائلتنا ترتاد الى مثل هذه الأفلام وكانت أخواتي يتحجبن بالعباءة السوداء عند دخولهن الى الصالة رغم أن معظمهن لم يكن قد تجاوزن سن الرشد في تلك السنوات.وكذا كانت أحوال معظم العوائل الأربيللية في تلك الفترة.
عودة الى صباح العيد، حيث كنا نحن الصبية متفقين على البرنامج، نخرج في الساعات الأولى الى ساحة إحتفالات المدينة وهي عبارة عن فسحة بين مقابر المدينة أو ساحة واسعة قريبة منها كانت تعد لألعاب العيد.وكانت تقام في هذه الساحة العديد من الألعاب مثل المراجيح المعلقة أو التي تدور على عجلة، فيما كانت هناك عربات تجرها الخيول أو الحمير نركبها بخمس فلوس لمسافة لا تتجاوز كيلومتر واحد. وكانت الساحة تضج بالألعاب الطفولية ما عدا ركوب المراجيح التي كانت في العادة لعبة البنات الصغار، أما نحن الفتيان فقد كنا نمارس ألعاب أخرى عديدة، منها مثلا لعبة ( جر الحبل) والتسابق على فتح زجاجات المشروبات الغازية.. ففي تلك السنوات لم تكن هناك قناني البيبسي أو الكوكا كولا، بل كانت هناك نوعية تسمى لدينا بـ( سيفون) وهي عبارة عن مشروب غازي مكون من بعض العطور والمواد المحلية تعبأ في محل داخل المدينة.وكنا نحن الصبية نتسابق بها حيث كان هناك إثنين من المتسابقين يمسك كل واحد منهما بقنينة من ذلك المشروب ويرجه بقوة ثم يفتحها فجأة لينسكب المشروب على الأرض ومن إنسابت مشروبه لمسافة أكبر يكون هو الفائز وعلى الخاسر أن يدفع ثمن القنينتين.!!.
وكانت هناك لعبة النرد والألوان وكنا نسميه بلعبة ( لكاو) ولا أدري من أين أشتق هذا الإسم. وهي عبارة عن قطعة من الكارتون تحتوي على رقعة من ستة ألوان، ويحمل صاحب اللعبة علبة معدنية فارغة وفيها نرد من حجم كبير طلي كل وجه منه بلون من ألوان الرقعة وكنا نضع نقودنا على أحد الألوان فإذا إستقر النرد على ذلك اللون كنا نفوز بما يضاعف مبلغ الرهان.
وبعد أن نتتهي من تلك الألعاب كنا نأتي الى المصورين المنتشرين في الساحة ليأخذ لنا أحدهم صورة بمناسبة العيد. وكان هناك بعض المصورين قد حضروا أنفسهم لمناسبة العيد حيث كانوا يرسمون لوحة كبيرة جدا لطائرة تحلق بين الغيوم في السماء يقودها أحد الأشخاص ولكنهم كانوا يثقبون موضع رأس قائد الطائرة ويتركونه فارغا، وخلف اللوحة يضعون درجا نصعد نحن منه الى الكرسي المرتفع لنخرج رأسنا من ذلك الثقب فيأخذ المصور صورة تذكارية وكأننا نحن نقود تلك الطائرة!!.
كنا نحزن كثيرا عندما يأتي مساء أول يوم من أيام العيد لأن البهجة والسرور إنما هما في الساعات الأولى من صباح العيد، ولكننا كنا نثور بل و نشتم بعض أصحاب المحلات الذين كانوا يفتحون محلاتهم في اليوم الثاني للعيد، لأننا كنا نعتبر أن عطلة العيد قد إنتهت، فالعيد بالنسبة لنا كان خاليا من أي حركة تجارية من بيع وشراء في المحلات لأنها أيام إستثنائية مخصصة للفرح والإبتهاج وليس للعمل والتكسب.
تلك كانت أيام جميلة عشناها ببساطة شديدة، على عكس هذه الأيام التي فقدنا فيها كل حلاوة العيد ليس لأننا تقدمنا في العمر وفاتت أيامنا الحلوة، بل لأن الجيل الحالي أصبح له إهتمامات أخرى غير تلك البراءة والطهر الذي كنا نتمسك بها ونعيشها في أيامنا تلك..
عد بأية حال عدت يا عيد..

شيرزاد شيخاني

sherzadshekhani@yahoo.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف