أصداء

العراق والثالوث المدمر

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الشق لغة يقصد به الفراغ أو الحفرة أو التعنت أو التوسع أو التدهور كل هذه فعلاً وواقعاً موجودة وتمثل الحالة العراقية الحالية والتي تحمل خصائص هذا الشق. انتصر الأمريكان على نظام صدام حسين في أقل وقت مما كان محسوباً، واحتوى انتصارهم هذا كسر أمن العراق وأمانه وذهاب استقراره وما كان يجب أن يكون عليه تحت شعارات الديمقراطية والحرية، مما جعل حال المرء الآن ليس أفضل مما كان عليه أيام نظام صدام البائس العاتي المجرم. ارتفعت أيادي المؤمنين الى ألعلى استسلاماً وخضوعاً أمام استعمال القوة المفرطة في بسط الاحتلال، ما كان للعراقيين أن يكتب لهم بمثل هذا الغدر وبهذه الكيفية، قتل.. وقصف مدن بكاملها وحتى مراقد الائمة لم تسلم من نيرانهم، واستعمال الأسلحة المحظورة دولياً وهذا كله يجري على مدى 24 ساعة يومياً دون انقطاع أو توقف حتى يتخيل المرء أن العراقيون أشبه ما يكونوا بالطيور في قفص كبير ودخل عليهم هرّ (عتوي) جائع وشرس فلن تجل من الطيور صباح اليوم التالي الا ريشها المتطاير، بالضبط هذا ما يحدث عندما تنفجر سيارة مفخخة أو قصف عسكري من جيش الاحتلال، جثث العراقيين تتطاير كالريش في فراغات سماء العراق ولو أن السماء تبكي لتبدلت زرقتها بالحمرة. المدقق يرى أن دائرة القمع تتسع كلما قوت المقاومة وبنسب طردية، تزاد المقاومة فيزداد العدو شراسة وقمعاً، هذا الذي جعل الهوة كبيرة بين الشعب وسلطة الاحتلال، هو يئن تحت ضربات الاحتلال والاحتلال بدوره يتوسع في طرق القمع مع سبق تخطيط والاصرار مع نشر مفاهيم تدمي أوصال العراق وتقطعها، تارة طائفية وأخرى عنصرية أو انفصالية، ونرى شخوص هذه الشعارات ورموزها يتراقصون بعمائمهم السوداء والبيضاء وتحت عباءة الدين الذي هو جسرٌ عندهم الى السلطة بمتعدين هذه الشعارات التي تمزق العراق ومصلحة العراق ووحدته عكس ما يجب أن يكون عليه في عباءة واحدة ومظلة واحدة سيّما أنهم يجمعهم كتاب واحد وقبلة واحدة. نحن الآن نبكي على الحسين.. والحسين هو رمز الشهادة جاء الى العراق بدعوة من العراقيين والى الكوفة بالذات ودافعه الاستشهاد والتضحية وكانت ضربة الأمويين وتصديهم له بقيادة يزيد بعد أن وجدوا فرصتهم في تراجع من دعوا الحسين وتركوه لوحده في معركة الشهادة، ولو أحسنا تقدير الموقف البطولي لسيد الشهداء الحسين ابن علي، علينا أن نهتدي الى ثلاثة أشياء آمن بها: الفداء للحق.. الحرب من أجل الحق.. والاستشهاهد من أجل الحق. هو في كل هذا أمثولة لكل العراقيين الذين عليهم أن يضعوا الحسين وواقع الحسين نصب أعينهم ليجعلوا منه شعاراً لضرب الاحتلال ورموز الاحتلال، ولو إن كان هذا المنطق يعم العراق لوجدت أن الاحتلال يمنع ليس فقط اللطم على الحسين والصلاة عليه بل حتى الزيارة والمسيرة الكبرى، هذا هو واقعنا والحسين قدوة للكل.
أيام العهد الملكي كان القانون يساوي بين السنة والشيعة.. وكانت المناصب تقسم بين الطائفتين.. وتوالى الشيعة علي رئاسة الوزارة.. من محمد الصدر وصالح جبر وغيرهم ممن كانوا يتعاطون السياسة لصالح العراق.. وبأعتقادي ان العهد الملكي وخاصة نوري السعيد اذكي بكثير من التفرد بالسلطة.. حيث انه في ذلك الوقت اتفق مع صالح جبر لتكوين حزب الامة الاشتراكي.. يتوازن ويتوالي سير الامور السياسية.. مع حزب نوري السعيد.. الحزب الدستوري.. وكان للحزبين اثرا كبيرا لدي الشيعة والسنة لذا نجد ان الكتاب الشيعة المحايدين.. مثل علي الوردي وحسن علوي وغيرهم.. انصفوا فترة الحكم السعيدي.. اذ كان نصيب الشيعة في المهام والوظائف الرئاسية عالي جدا.. وكان نوري السعيد ايضا يجنح الي التفكير الطائفي العراقي في اختيار رئيس مجلس النواب ويقسموا الوظائف قسمة عادلة بين المذهبين.. رغم عدم وجود دستور ينص علي المحاصصة.. ولكن هناك تفاهم بعد نجاح ثورة العشرين.. وقناعة المراجع بكون المرجع لايجب ان يملك طموحا سياسيا وعليه ان يكون معصوما من شهوة الحكم.. والتاريخ القديم والمعاصر فيه الكثير من الامثلة في ابتعاد رجال الدين والمرجعيات الجعفرية الشيعية عن ممارسة السياسة.. فدورهم الوعظ والارشاد وتثقيف طالبي العلم الديني في حلقاتهم المشهورة في النجف الاشرف وبشكل دوري ويومي وعلي مدي التاريخ المعاصر وعلي مدي ذاكرتي.. كيف ان الزعيم جعفر ابو التمن بردائه الديني.. قاد معارضة وطنية في البرلمان.. وتزعم كتلة برلمانية نشيطة.. ضمن رجال مخلصين مثل ذيبان الغبان ونصرت الفارسي وعبد الرزاق الشيخلي وعيسي طه وخدوري خدوري.. وكانوا كتلة واعية في صفوف المعارضة لعبت دورا كبيرا تحت قبة البرلمان. ولا ننسي ان مرجعية الشيعة في ايران في نفس الاتجاه والتفكير والامتناع عن زج الائمة والمتدينين بالسياسة طوال فترة حكم الشاه محمد رضا البهلوي.. حتي مجيء الخميني.. يوم اعلن الثورة الاسلامية الشيعية ورفع شعار تصديرها الي الدول المجاورة وخاصة العراق.
الجو العراقي الآن مزيج من (الكلاوات) السياسية ومؤامرات جر حبل وارخاء تارة ثم شده تارة أخرى حتى وصلنا الى حالة كارثية هي تسلسل مهازل وضع العنصرية أساساً والطائفية قاعدة، وهذا عكس ما يخدم مصالح العراق العليا.
شريط التواجد الأمريكي بدأ في (كلاواته) عند انفراد بول بريمر بالسلطة فاصبح مشرعاً لعموم القطر وأصبح موزعاً للمال على مرافق الدولة وأصبح حكومة منفذة لكل ما يشرعه ويفرضه على الجميع، وبدأ بريمر بضرب العراق الضربة القاتلة بحلّه الجيش العراقي وأنهى مراكز السلطة والمؤسسات من قوى أمن ضاربة إلى وزارات وهياكل موظفين متعوب عليها على مدى سبعون عاماً وهم يمثلون ما يمكن للعراق أن يفتخر به من كفاءات ادراية تفوق دول الجوار وخاصة في نظافة اليد والتأهيل الفكري والاداري، واستمر بول بريمر في تعميق إيذاء العراق وإنهاء وجوده على الخريطة فقام بجمع بيادق شطرنج على خارطة اللعبة وأسماه مجلس الحكم المؤقت، مراعياً وفارضاً نظرية الحصص الطائفية وبطريقة لا تتوائم مع مباديء الديمقراطية ولا حتى المنطق، فحسب الكردي مرة على أساس قومي ومرة أخرى على أساس مذهبي حتي يقل عدد السنة تارة أو يزيد تارة أخرى حسب ما يقتضيه الظرف والصالح الأمريكي، واستمر بول بريمر في الوقوع في الأخطاء السياسية مرة بعد مرة وأصبح العراقي أمام حالتين من التحرير الديمقراطي الذي جاء به بريمر، حالة يحرم الدين الزوجة على زوجها اذا لم تنتخب قائمة معينة مهما كانت محتويات هذه القائمة، ولكنها معرفة بصورة رجل الدين المقبول والمحترم من كافة الجهات وهو آية الله السيستاني، وأنا ممن يحب هذه الشخصية ويحترمها لأنه أول من أطلق وجوب اجراء الانتخابات وكان على حق، حتى جاء الكثير منهم، وهؤلاء الآن ينشرون تطبيق الاستحقاق الانتخابي وهو كل شيء وقبل كل شيء، رغم معرفتهم بأنهم وصلوا الى هذه الأكثرية ومن وقف وراءها ووراء هذا الاستحقاق والشعب العراقي يعرفهم جيداً حتى أبسط الناس.
إن هذه المسرحية تمت بإرادة وتلقين بول بريمر وكان هو وراء المسرح يلقن القائمين على المسرحية والعازفين على الموسيقى والمهرجين له ودافعي أثمان هذه اللعبة السياسية، وصلت حالتنا الى حرماننا من أبسط حقوقنا الحياتية وأهمها وهو الأمن والأمان رغم كل الضحايا التي قدمها الشعب العراقي، ورغم قسوة الردع وملء السجون بأعداد هائلة لم يصل اليها العراق من قبل، ولم تجري فيه طرق تعذيب جلبها المحتل معه، بقى الناس حائرون متأملة أن تنام وأطفالها في بيوتها ومخادعها بأمن وأمان، ونجد بين فترة وأخرى الحكومة تعلن عن خطة جديدة اذا استعملت فإنها سوف تؤدي الى الأمن، ونفذت عشرات العمليات العسكرية بأسماء مضحكة منها (ذئب الليل)، (اليد الضاربة)، (المعركة الحاسمة) و (العاصفة)، ولازال الأمن والأمان بعيداً عن المنال واستمرت دوامة الغليان والاغتيالات تدور وتدور، والكل يتهم الآخر والكل يتبرأ من هذا الادعاء. نحن لا نلوم من بقى لديه شعور المواطنة العراقية السليمة يوم جاء باقتراح من قبل مسعود البرزاني بتشكيل مجلس أعلى للتفاهم يوازي في ثقله السياسي بقية التجمعات الأخرى التي جاءت مع الاحتلال وبسببه، برأيي هذا الاقتراح على نظافة باحثيه غير عملي وغير مجدي وسيعقد الأمر أكثر، إذ إن الصراع الطائفي سيكون أكثر وضوحاً وشراسة يوم يحرم من التمسك بالاستحقاق الانتخابي وهم قائمة الائتلاف وبين الذين يطالبون بالسلطة ولا يملكون أصواتاً للوصول إليها بغض النظر عن طريق وأسلوب الوصول إليها، إن من حق العراقيين أن يسألوا كيف جاء هذا الاستحقاق وكيف تحقق، ولو جردت عوامل نجاحه وابعدت عنه الطائفية وتدخل الدين وقوة الدولار بالاضافة الى التدخل الايراني الواضح في جعل مناخات انتخابية ترجح كفة قائمة على قائمة أخرى، إذا جردت قائمة الائتلاف من كل هذا فبرأيي أنها لن تستطيع أن تصل الى هذا العدد من المقاعد (128 مقعداً) في البرلمان، العراقيون يسألون.. نعم، ولكنهم هم والأعضاء المترجلين الى قاعة البرلمان يعرفون من هم ومن جاء بهم والتاريخ يراقب بصمت ويوماً ما سيكون له طاقة على الكلام.
ما هو الحل؟.. وكيف نجد القطعة (الرقعة) الملائمة لسد هذه العورة السياسية للخلاص من هذه الوضعية الكارثية. برأيي الحل الأول هو إقناع الكل بأن الطائفية ليست هي مربط الفرس ولا هي الوسيلة أو الحصان الذي يمتطى لتحقيق أهداف سياسية ضيقة، لذا يجب اصدار قانون يمنع تعاطي الطائفية أو الترويج لها أو الايحاء للغير بأفضليتها أو ربطها بالشعائر الدينية المقدسة وبين الواقع اليومي الذي نعيشه، وأن يشرع فوراً كل عالم دين متفرغاً في المعابد والمساجد والحسينيات بالدعوة الى انكار الطائفية والدعوة الى تحريم ترويجها بأي طريقة كانت بإرشاد ديني صحيح علمي وطني.
الحل الثاني نقترح الغاء الانتخابات الحالية لما شابها من اتهامات وطعون واتهمت بالتزوير والتزييف من كل الأطراف وحتى من القوائم الفائزة، إن إعادة الانتخابات مع تحريم الطائفية يكون عاملاً مهماً في ترسيخ القناعة بأن هناك فعلاً ديمقراطية وأن هذه الديمقراطية تثبت رجاحة الأكثرية عقلاً وعدداً واستحقاقاً.
الحل الثالث أن يصار الى مجلس حوار كامل بين كل الأطراف وعلى أسس وطنية وجدول واضح، أهم نقاطه هو إنهاء الاحتلال أو تحديد مدة انسحابه، وتكون من أسسه الاتفاق على تعزيز الديمقراطية نظرياً وعملياً، وإصدار القوانين التي تشجع على تشكيل الأحزاب السياسية الخالية من فقرات العنصرية والطائفية، ويعقد هذا الحوار تحت شعار عفا الله عما سلف سياسياً لا إجرامياً وفتح صفحة جديدة تنقذ البلد من هذه الورطة الضاربة أطنابها في طول البلاد وعرضها، مع الدعوة والتفاهم مع الجارة إيران على أن تترك العراق وشأنه وتجنح نحو قرار آية الله الخميني بالرجوع عن شعار تصدير الثورة الشيعية الى خارج إيران، أما نظرية التمدد الجديدة فلا خطر منها حسب رأيي، إذا ما وضعت قوانين تمنع الفرقة وتمنع الطائفية وتقف سداً منيعاً ضد أي إحتراب فئوي.
إن هذا الشعب يقدم أفواجاً من الضحايا يومياً، وسيبقى الاحتلال جاثماً على صدر العراق طالما عجزت الحكومة عن تثبيت الأمن، وقد تمتلء الجيوب وترتفع الارصدة في البنوك السويسرية ولكن لحين، والعزة والكرامة تتطلب وحدة القصد ووحدة الارادة ووحدة الشعور الوطني البعيد عن كل تفرقة طائفية ومحاصصة عنصرية. هذا الثالوث المدمر اذا استمر فسيكون العراق في خبر كان، وليعلم الجميع أن قوتنا نحن العراقيين في وحدتنا ومصيرنا أمانة في أيدينا النظيفة وضمائرنا الحية والله المعين.

المستشار خالد عيسى طه
رئيس جمعية محامين بلا حدود
ونائب رئيس نقابة المحامين العراقيين البريطانيين
لندن

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف