هائمون بأقدام من ريح بحثا عن البصرة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
في غرفة الغراوي التي عشنا فيها جميعا....
كل الأدباء من جيلنا، الذين أنجبتهم مدينة البصرة مروا جميعا بغرفة القاص والكاتب البصري عبد الحسين الغراوي، والغراوي كان أكبر من الجميع بسنوات قليلة، لكنه كان الوحيد بيننا الذي استطاع أن يعيش مستقلا عن أهله في حجرة اكتراها في إحدى الدور مع عائلة بصرية قريبا من شط العشار، وكان من يقصد غرفته يعبر جسرا حجريا على نهر العشار، الذي ظهر في الكثير من قصصنا فيما بعد، ويطل عليه المتحف البصري المسمى بعمارة الشناشيل البصرية، حيث أعيد تشكيل قصر الشيخ محمد الماهود ليمثل مزايا البناء البصري القديم وحتى القرون الوسطى، وكانت الحجرة مزدحمة بالأثاث وضيقة ولا تتعدى الـ 5 م times; 4 م، ولكننا في ذلك الوقت كنا نراها بالغة السعة باعثة على الغبطة والسعادة فكل ما فيها اختاره صديقنا القاص الغراوي من الأشياء المستعملة التي تباع في سوق الجمعة القريب بثمن زهيد، وفي تلك الغرفة كنا نسمع من جهاز تسجيل قديم -أبو البكرتين- الموسيقى العالمية الكلاسيكية ولأول مرة نـتعرف فيها على جايكوفسكي وبتهوفن وموزارت.. كان الغراوي الذي يعمل موظفا في ذاتية جامعة البصرة ويسافر في العطلة الصيفية من كل عام إلى دولة أوربية بعد أن يحصل على رواتبه لشهور العطلة الثلاثة يجلب معه عند العودة من تلك الدول ما يتيسر له شراؤه من شرائط الموسيقى الكلاسيكية، ولوحات مستنسخة وألبومات للوحات كبار الفنانين العالميين، وقد قسم الغراوي حجرته إلى أقسام صغيرة، ففيها المكتبة المملوءة بالكتب ومنضدة صغيرة للكتابة ومصباحان أحدهما للقراءة وآخر من نوع تيـبل لامب يستخدمه للقراءة، وكل قسم عزله بستارة أرضية متحركة، وفي الغرفة قسم لاستقبال الأصدقاء والاستماع لآخر ما كتبوه، وأتذكر أن الغراوي كان غزير الإنتاج، ولديه أكثر من رواية مخطوطة تحكي عن البصرة في الأربعينات وأهلها، وقد تعلمنا منه جميعا كيف يتعامل مع الشخصيات التي يضمها إلى روايته التي يكتبها، فقد كان يختار شخصيات حقيقية عاش معها أو رآها، حيث يقوم بالإضافة إلى أفعالها من خياله، حيث يختلط الواقع بالخيال، وأبطاله وبطلاته يختارهم من المحيط الذي يعيش ويعمل فيه، وأبطال قصصه طلاب وطالبات، موظفون صغار في محيط الجامعة، مهربو سجاير أجنبية وبغايا وقوادون، وعمال نفط متمردون، وسياسيون فقدوا أيمانهم بالسياسة، وأكثر الأماكن التي يحب أن يكتب عنها - محطة قطار المعقل- حيث يغادر قطاران مساء، أحدهما في الساعة السادسة مساء ويسمى قطار العادي، الذي يصل بغداد في اليوم التالي عند الضحى، والقطار السريع الذي ينطلق في الثامنة مساء ويصل بغداد عند الفجرhellip;
في غرفة الغراوي التي عشنا فيها جميعا تعرفت على القاص محمد خضير والشاعر حسين عبد اللطيف والشاعر المرحوم عبد الخالق محمود والشاعر مجيد الموسوي والشاعر المرحوم اسماعيل خطاب والقاص إلياس ألماس، وفي غرفة الغراوي التي تم إعداد مجموعة قصص خطيرة فيها للقاص محمد خضير للطبع، حيث طرح محمد خضير اسما أوليا لمجموعته تلك هو -مملكة الأسماء- وكان الشاعر حسين عبد اللطيف مستغرقا بصمت لا يفعله إلا حين يكون محتدما، وكان قد قرأ مجموعة محمد خضير الأولى وأعجب بقصصها جدا وقد جاءت خطورة المجموعة من كونها أعادت القصة العربية إلى النثر العربي القديم برؤى حديثة، واقترح على خضير بعد فترة الصمت أن يسمي مجموعته -المملكة السوداء- فأعجب خضير بالاسم حيث دفعت المجموعة إلى وزارة الإعلام العراقية لتطبع تحت هذا الاسم، ووقتها لم يكن أسلوب محمد خضير بالكتابة يعجبنا وكنا نعتبره أسلوبا قرآنيا لإحداثه فيه، والكتابة بأسلوبه سيفقدنا العديد من القراء لافتـتان خضير بجمال الوصف والتهويمات اللغوية، لقد كان وقـتها خضير معلما وكنا طلابا بالثانوية وكنامتأثرين جدا بأساليب الواقعية الاشتراكية التي تطلب من الكاتب أن يهبط إلى مستوى الأغلبية من الناس من دون أسفاف، وكنا نحلم بأسلوب سهل وعصي في الوقت نفسه.
وفي غرفة الغراوي مسحنا دموعنا ونحن نحكي لصديقنا الأكبر سنا الغراوي قصص فشلنا في الحب مع ابنة الجيران، أو يأسنا من تغيير العالم للأحسن في جو ملبد بعتمة لا تنقشع، وكم من مشروع انتحار لأديب شاب لم ينجز بفضل كلمات الغراوي الملطفة، والمشجعة على الاستمرار في مقارعة الأيام والظروف الصعبة، لقد كان عبد الحسين الغراوي الصديق والكاتب الملهم للكثير من أفراد جيلنا، كالقاص ألياس ألماس والقاص المرحوم مهدي جبر والكاتب المسرحي المرحوم الشهيد سامي غياض الكعبي والقاص رحيم كريم والقاص وارد بدر السالم والقاص جمال حسين علي وغيرهمhellip;
القاص عبد الحسين الغراوي، الذي كان يحمينا من تأثيرات السياسيين وهيمنتهم في الوسط الثقافي البصري في أوج اضطرابات السياسة وتوزيع مغانمها في بلادنا بحكمة لا يكاد أن يمر يوم من الأيام دون أن يثبت صدقها، والتي تقول: أن ما يكتبه الأديب باق بين الناس وما يفعله السياسي سيطويه النسيانhellip;". سيبقى الغراوي وغرفته في قلب كل كاتب عرفه ومر بغرفته وسلام عليه عبر المسافات،لقد كان ولا يزال الأوفى من الجميع لمدينة البصرة، التي أحبها وعاش فيها ولم يغادرها قط رغم المحن والغبن لموهبته الروائية الفريدة، وبعدها قل ا لوفاء من معظمنا للمدينة التي أنجبتنا فبقي لها هو وفيا hellip;. كأنه باق فيها إلى الأبد يودع المسافرين ويستقبل العائدين..
فيصل عبد الحسن
كاتب عراقي يقيم بالمغرب
faissalhassan@maktoob.com