فلسفة الرأي رأي الفلسفة في علم المنطق
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
ان عملية الحدس والإستقراء التي دعت الفيلسوف الفرنسي ديكارت (1596 ـ 1650) يطلق مقولته الشهيرة " انا افكر اذن انا موجود " ليسمو بالذات الإنسانية الى أعلى درجات التذهن، مقرونة بوجود حسي متميز، برهن بيقين على انه موجود طالما كان يفكر. وما أن شاءت هذه المقولة تثبت وجودها، ويتسع أفق فحواها، جعلت الكثيرين في عالم الشرق والغرب أن يفندوا صياغتها بإستعاضة الفعل " أفكر " بأفعال أخرى مغايرة بحكم علم المنطق الذي يرمز للتفكير الصائب، معتمداً الإحساس والتأثر والادراك مشحوناً بعنصر اللغة أو الألفاظ بغية الوصول الى النتيجة الحتمية التي مفادها إما الإثبات أي الإستدلال أو النفي.
نبغي من هذه التقدمة بأن فلسفة الرأي هو ما يختاره الفرد في ابداء رأيه وما يرمي اليه، وهنا يكون قد اعتمد على ما يحدده الفكر المقرون بفلسفة خاصة داخل اطار علم المنطق.
نعم.. هذا ما يفرضه ويوضحه واقع التأمل الفكري، لينطلق كل انسان مهما بلغت درجة وعيه وثقافته وإدراكه راسماً على على صفحات عقله ما يمليه عليه الحدس الذهني من جراء المعايشة اليومية والتراكم الرؤيوي المبني على واقع الأحداث واسبابها ونتائجها، وبالتالي ما تخلفه من مؤثرات مزدوجة، ينحصر جوهرها في دائرة الإيجابيات أحياناً والسلبيات أحياناً أخرى، ليكون مؤداها خلق مجموعتين متفاوتتين في الرأي، إنطلاقاً من أرضية الإدراك والوعي الفردي المعتدل من جانب، ومن الجانب الآخر إحتساباً من منطلق الإنتفاع الشخصي المادي المقيت، أي دافع الإعتصام بالرأي وتجاوزه لدرجة الإستهجان والإستخفاف.
ان حالة المجموعة الأولى عادة ما تستمد بذور رؤاها وتحليلاتها وأحكامها من عمق المفاهيم الحكمية التي نادى بها الأولون كمعرفة عقلية تستوعب العلوم البشرية بأشكالها المختلفة، رغم تفاوت المصدر الأساسي المنحصر بالتفسير اللاهوتي والأخلاقيات والطبيعة، ناهيك عن التفسيرات التي حددتها الإعتبارات المذهبية للديانات السماوية محصورة بالوجود الإلهي كمصدر ومنبع وأساس لكل شئ وبشكل خاص سلوكيات الفرد في تعامله وآفاق تصوراته.
أما حالة المجموعة الثانية فإن منطلقها يتحدد في تحرر الفرد واستقلاليته من تأثيرات الإنتماء الجماعي في استنباط ما يرنو اليه بحكم التطور الحضاري والنبوغ أو الإرتقاء الفكري، متخذاً من مصطلح الفلسفة صفة خصوصية تمنحه شرعية التعبير المتميز، وتسمح له التحكم بفرض ما يرمز له من أفكار ومعانٍ بقصد أو غير قصد، ملتزماً نزعة ما يفرضه التأمل العقلي وسعة التجربة للفكرة المقصودة والمستوحاة من التخمين والتصور الذاتي.
نستنتج من الحالتين بأن الفرد بطبيعته وبحكم غرائزه يقدم للوقوف على ظواهر الكون وسبر عوالم حقائقها، وليترنح فيما بعد على هواه مجتهداً، مُقرراً، مُحللاً، مُرتأياً، ناصحاً ومُعللاً بما يحلو له بقناعات شخصية وبتفلسف ذاتي، متخذاً مما يعمده فلسفة حياتية خاصة ومتميزة، وكأن لهذه التسمية التي يتوسم بها سترفعه وتتألق به الى مصاف من يجعل ادوات وآليات عقله الإنساني مجمل الأفكار النيرة لتبدبد ظلمات الجهل، ونشر الشعاع في آفاق المعرفة، تيمناً بالمعنى الحرفي لكلمة الفيلسوف او الحكيم التي مفادها " محب الحكمة "، ليكون من يتلون بهذه التسمية " المخلص الجديد " و " القائد المبجل " و " الراعي الصادق " وما يرادفها من مصطلحات وكلمات مركبة لا تقل شأناً عن فحواها الإستعلائي.
نعم.. لا يخفى علينا بأن لكل انسان فلسفته الخاصة بمسار حياته، ولكن شريطة أن لا تكون مستلة من رياض أماني السذاجة أو من منابع عبادة الذات، طالما يتعلق الأمر بفلسفة علوم رفيعة ترفع من قدر وقيمة الإنسان، ومنها فلسفة الجمال والأخلاق والقانون والتاريخ وغيرها من العلوم الإنسانية، وبشكل خاص ما نرمي اليه السير على هدي ما تمليه الأخلاق، والتحلي بما يفرضه المنطق والإلتزام وبما تحتمه شرعية القانون، مروراً بما يثار في الحقل السياسي وعلاقته بها، لكون السياسة " علم وفن ". علم تتفاوت عناصر تكوينه عن علوم الطبيعة يمتثل للمواصفات الإنسانية والإجتماعية، وفن تُحدد ركائزه اساليب التصرف بما يتلائم وينسجم مع ادارة دفة الحكم أي العلاقات السلطوية، وما تنص عليه القواعد القانونية والنصوص الدستورية. وهنا ينبغينا القول ـ إذا ما جاز لنا التعبير ـ أن نمنح مصداقية صفة فلسفة التعبير السياسي، لكل سياسي يحلو له أن يتمنطق بما يشاء، نكون قد انجرفنا في تيارات اللامصداقية، طالما نضفي الصفة الفنية التي تؤطر علم السياسة من خلال منهجية الأحزاب التي تطرح في برامجها ما لا يضاهيها من أفكار بغية كسب الرأي العام، وانجرافها فيما بعد في وادٍ لا نسمع من خلاله إلا الصدى، ولتظل النصوص الرفيعة الصياغة تشكو التكبل بين قضبان سطور انظمتها الداخلية، ولتتآكل بمرور الزمن كما آلت الحالة لسلطنة الحزب الواحد الأوحد الذي انكشفت هويته بعد مرحلة التحرير والإحتلال.
ان الموجة الجارفة لمثل هذه النظرة السياسية للصفوة الحاكمة تزيح بموجاتها خارج حدود التزاماتها ومناداتها لتكبل وتحجز كلمة " الديمقراطية " وترميها في زنزانة الإنعزال، جاعلة من " الحرية " أن يصيبها الإرتجاف، ومن " المساواة " الهلع والخوف ومن " العدالة " حالة من اليأس اللاشعوري. وهنا تضيع القيم لتسبب فقدان الأسس العامة التي تتحلى بها مفردة " حكم الشعب " لكون الشعب بمثابة الجذور لتركيبة الدولة، ومن يهيمنوا على عرش السلطة بمثابة الإغصان المتفرعة، ومن يتربعوا من القادة البرلمانيين بتسمياتهم السياسية المتفاوتة هم الذين يجعلون تلك الغصون مورقة ومثمرة. وإذا كان الأمر عكس ذلك فما جدوى الشجرة الجرداء الخالية من تلك الصفات النافعة؟!
نعم.. عراقنا اليوم بشماله وجنوبه، شرقه وغربه، يعيش هذا الواقع، ويئن من فلسفة المراوغات السياسية، ومغالطات التنكيل المباشر و" الضحك على الذقون " دون أن تأبه تلك الأحزاب والتكتلات السياسية والتجمعات العرقية التي لا تحصى بإقدامها على هدر الحقوق الديمقرطية لمواطني البلد. ودون أن تلتزم بمبادئ الأخلاق السياسية، ولا حتى ما تقره في برامجها من اعتبار للعادات والتقاليد المرعية. ترى " الألف " يتحالف مع " الباء " والباء يناهض بصلابة مع من يتآلف مع " الألف " وهكذا دواليك مع التجمعات المستحدثة، وفيما بين الأحزاب القومية والصغيرة منها على وجه الخصوص. وفي الوقت ذاته لتتناسى الكبيرة منها وبمشيئة الظروف المؤاتية من استهجان ما لا يحلو لها لغاية في نفس يعقوب.
من المتعارف عليه ان القوى المهيمنة بتألف الأحزاب الكبيرة القائمة على اساس عرقي أو اقليمي وبحكم كثافتها السكانية عادة ما تتحكم بمصائر أحزاب الأقليات القومية المحدودة العدد والمنشطرة على نفسها لأسباب عشائرية أو خلافات شخصية في القيادات أو المطامح والمطامع المستقبلية. وهنا تكون قد استبعدت من مناداتها المفهوم الديمقراطي الصحيح، لتوصمك بمقولة " إن لم تكن معي فأنت ضدي " متناسية الحقوق القومية، ومبادئ حقوق الإنسان والمواثيق الدولية ودستور البلد الأصلي. ومتى ما نزلت الرحمة والرأفة في قلوب قادتها تفتح أمام القسم منها باب الولوج المحدود، وربما أيضاً لأسباب ضمنية غير صريحة مع محدودية المشاركة في النظام.
رحم الله ديكارت الذي تيقن بالشك، حينما كان يشك بما يشك، ليتوصل الى ما انفنا اليه في المقدمة، وليحذو حذوه البعض من قادتنا السياسيين بتقليد مغاير وبتخمينات لا يشوبها المنطق الصريح وهم يرددون وأنفسهم : أنا أناضل، أنا أحارب، أنا أغاير، أنا أشاكس، أنا أرغب، أنا أنتقد، أنا وأنا وأنا.. اذن أنا موجود. آه وألف آه من هذه " الأنا " في عصر يزاحمها الإنسان الآلي المتمثل بالحاسوب.
ميخائيل ممو
السويد
رئيس تحرير مجلة حويودو
mammoo20@hotmail.com