أصداء

الفلسفة والحياة

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

وراء نهضة الغرب، وتفوقه الباهر، وانجازاته العظيمة، ثقافة نقدية، وفكر فلسفي، ومجتمع متفتح يضمن جو للبحث العلمي بدون حدود ولا قيود، ويؤمن بحرية الفكر والتعبير وأن الكون كله يخضع لقوانين وسنن وهذه السنن مجانية لمن يكتشفها ويسخرها وهي لا تحابي أحدا. والعلم هو استيعاب حقيقة القانون وتطويعه بالتسخير في كل مستوى وجودي. لقد أثبتت علوم الغرب بأن تفوقه الباهر ليس له أي أساس عرقي بيولوجي وراثي وإنما يعود سر هذا التفوق الباهر إلى أسباب ثقافية محضة فالأمم متماثلة في القابليات الفطرية. و لا ننكر أن الحياة الغربية مليئة بالعيوب والنقائص في الحياة الاجتماعية والنفسية والروحية والدينية.لكن لا يكاد يخفى على أي باحث الدور الحاسم الذي أدته الفلسفة في نهضة الحضارة الغربية وتطويرها، إن الفلسفة هي التي أنجبت العلوم في الغرب والحضارة الغربية برمتها هي نتاجٌ فلسفي بشكل مباشر أو غير مباشر لأنها هي التي وفرت المناخ الحضاري للغرب. إن الفلسفة نظام معرفي نامي وفريد و انه لمن السائغ جداً أن نصف الفلسفة بأنها علم استخدام العقل لأن الفلسفة ليست مذهباً ولا نحلة أو ملة وإنما هي طريقة لتنظيم نشاط العقل الإنساني في كل المجالات التي يستطيع العقل أن يحذقها. عرّفت الفلسفة قديما بأنها علم العلوم، لكنها فقدت تدريجياً هذا الامتياز بعد انفصال علوم الطبيعة والإنسان عنها وقيامها بذاتها كحقول اختصاص من حيث الموضوع أو المنهج. إن الفلسفة ليست فكرا مرتجلا، وليست شطحات فكرية لا يعرف مصدرها، وليست شذرات من الآراء من هنا وهنالك؛ وإنما هي تفكير منظم، وبنية من الأفكار والنظريات. فقد يتناول الفيلسوف موضوعات متعددة، كالوجود، والمعرفة، والقيم، لكن هذا لا يمنع من اتسام فلسفته بالنظام والتدرج، والاحتكام إلى صرامة منطقية. إن الفلسفة فكر عقلاني تأملي يبتعد عن العواطف الوجدانية حيث يقول ( هيدغر ) : "فالعواطف، لا تنتمي إلى الفلسفة، والعواطف، كما يقال، هي شيء لا عقلي. والفلسفة، على العكس من ذلك، ليست شيئا عقليا فحسب، بل المدبر الحقيقي للعقل." إن الفلسفة فكر نقدي لا تؤمن بوجود معارف ثابتة ومطلقة. كما أنها تجاوز للاعتقادات الساذجة والبديهية. لذا تتسم بالشك القبلي في وجود معرفة نهائية.إن الفلسفة فكر تساؤلي باعتبارها فكرا إشكاليا نقديا. فالتفكير الفلسفي يجعل من كل شيء موضوع تساؤل ومناقشة وسجال. لذا قال ( كارل ياسبرس ) : "الأسئلة في الفلسفة أهم من الإجابات عليها، وكل جواب يصبح بدوره سؤالا جديدا". إن السؤال الفلسفي تساؤل، باعتباره سؤالا يتضمن في الواقع سلسلة متدرجة من الأسئلة: فكل سؤال يستدعي سؤالا آخر؛ وكل سؤال هو بداية لتساؤل جديد.إن طبيعة السؤال تتحدد وترتبط بطبيعة الجواب، وتفسر لماذا تتعدد الخطابات الفلسفية. إن السؤال الفلسفي - في العمق - ليس إلا إشعارا بحدوث الدهشة لدى المتسائل. وكما قال ( أرسطو ) : " إن الدهشة هي التي دفعت الناس إلى التفلسف". فالإنسان هو أكثر الموجودات دهشة، لأن الدهشة تتطلب درجة عالية من العقل. إلا أن هناك اختلافا بين "الدهشة العلمية" و"الدهشة الفلسفية" ؛ فكما يرى ( شوبنهاور ) : دهشة الفيلسوف هي دهشة أمام الأمور الاعتيادية والتي تكتسي حلة البداهة، وهي دهشة أمام الأشياء ذات الصبغة الأكثر عمومية، وجعلها موضوع التساؤل، وتحويلها إلى قضايا إشكالية. أما دهشة العالم، فهي دهشة أمام أمور جزئية نادرة ومنتقاة، وهي سعي لربطها بقضايا معروفة لديه سابقا، أو بتعبير أدق هي إرجاع المجهول إلى المعلوم.وما دامت هناك أمور تؤلم الإنسان كالمرض والموت، والبؤس، والشقاء.. وما دام الوجود الإنساني ووجود العالم يشكلان لغزا محيرا فستستمر الدهشة الفلسفية وسيستمر التفلسف. من يتعامل مع الفلسفة يثير فيه الفضول الفكري تساؤلات كثيرة : ما هي الفلسفة ؟وما علاقتها بالحياة والمجتمع ؟ من هو الفيلسوف ؟ وما طبيعة شخصيته ؟ ما هي رهانات الفلسفة ؟ وما إذا كانت فكرا يمكنه أن يترجم إلى ممارسات عملية، إلى غير ذلك من التساؤلات، وهي - في الواقع - تساؤلات حاول الفلاسفة الإجابة عنها. وبين الفلسفة والعلم تماثل في المطلب والغاية معا. وفي قناعتي هناك نقاط تقاطع بين الدين والفلسفة والعلم وان كان لكل منهم مسار مختلف. الدين يعطي الأجوبة النهائية، والفلسفة تفتح ملف الأسئلة، والعلم يحاول في معلومات تفصيلية أن يصوغ أفكاراً مبلورة. كأن الثلاثة يمثلون شجرة جذورها الدين وجذعها الفلسفة وثمراتها العلم. في الواقع هناك نقاط التقاطع بين الحقول الثلاثة الفلسفة والعلم والإيمان. وفي الواقع الفلسفة هي تلك المنطقة التي لا اسم لها بين العلم والدين مكشوفة للهجوم من الجانبين. ويختلف الدين عن الفلسفة في أنه يعطي إجابة جاهزة محددة يقينية في حين أن الفلسفة تبقى تبحث وتثير زوابع الشك بدون توقف. وفي كل خير وكل منهما يحتاجه الإنسان. وفي موقف الإنسان من الموت نرى العلم لا يملك الجواب. أما الفلسفة فتسبح في فضاءات لانهائية بحثاً عن التفسير والمنطقية. ولكن الدين يدخل إلى قلب الإنسان اليقين والراحة والقناعة بمعنى الحياة مرتين في الدنيا والآخرة. ولكن لولا زوابع الفكر الفلسفية لما نشط الفكر في التاريخ؛ فالفلسفة تمثل جذع شجرة تخرج منها ثمرات العلوم أما الجذور القوية الضاربة في عمق التربة فهي الميتافيزيقيا أو الدين ويجب أن تكون في غاية الثبات. ومن هنا يجب فهم علاقة الدين بالعلم والفلسفة أن كلا منهم له ميدانه الخاص به. كما ينظر الإنسان أمامه في ثلاث زوايا فإن نظر تحت قدميه كانت علما فإذا تطلع إلى الأفق كانت فلسفة فإذا نظر في السماوات العلى كانت دينا. وصدق الفيلسوف (غرامشي) بأن كل واحد منا عالم قائم بذاته وفيلسوف على نحو ما. وفيك انطوى العالم الأصغر. ولكن (ماركس) أعلن في كتابه (بؤس الفلسفة) أن الفلسفة ماتت. و ينحو (فيتجنشتاين) فيلسوف الوضعية المنطقية هذا النحو فقد ودعها كما فعل الغزالي وارتاح في استراحة الصوفية. يرى مؤرخو العلم ومؤرخو الحضارة الغربية وكبار المفكرين على أن ثقافة الغرب وعلومه وفنونه وتنظيماته وحضارته هي نتاج الفكر الفلسفي اليوناني. يقول المفكر الفرنسي (دوبريه): ".. إن نصوص القرن الخامس قبل الميلاد لا تزال تسائلنا ولا يمكن لأي فيلسوف في أيامنا أن يدعي بأنه يفكر أفضل من أفلاطون ويقول الفيلسوف الألماني (هايدجر): ".. من اليقيني انه ما كان للعلوم أن توجد لو لم تسبقها الفلسفة وتتقدم عليها.."وحتى (نيتشه) يصفهم بأنهم (جبابرة العقل) فيقول بكتابه (الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي): ".. إن الجبابرة يتخاطبون عبر مسافات التاريخ المقفرة ويستمر حوارهم الرفيع بين الأفكار دون أن يعكّر صفوه الأقزام المستهترون والصاخبون الذين ما يزالون يزحفون تحتهم.." كما يؤكد أيضا أن اليونانيين قد: ".. ابتكروا الأنساق الكبرى للفكر الفلسفي ولم يبق لمجمل الأجيال اللاحقة أن تبتكر شيئاً جوهرياً يمكن أن يضاف إليها.. لقد كانوا جميعاً في وحدتهم المهيبة الوحيدين الذين عاشوا للمعرفة فقط وكلهم يتمتعون بقوة القدامى المتينة وهي تقوم على إيجاد شكلهم الخاص وعلى مواصلة اكتماله بفضل التحول في أدق تفاصيله وفي أرحب اتساعه.. إنهم لم يستعينوا بأي زي شائع كان يمكن أن يسهّل مهمتهم..".. والفيلسوف الألماني (شوبنهاور) يصف اليونانيين بأنهم: ".. جمهورية العباقرة.." لأن ما أنجزوه في مجال الفكر والعلم والفن والسياسة والتجربة الاجتماعية كان ابتكاراً خالصاً لم يستمدوه من أحد ولم يقلدوا فيه شعباً بل كان تأسيساً جديداً لنشاط العقل البشري المنظم.. أما الفيلسوف الألماني المعروف (هيجل) يعترف بأن الفكرة الأساسية لفلسفته (الديالكتيك) قد قال بها فلاسفة اليونان من قبل فهو يؤكد: ".. بأنه ليس في أقوال هيراقليطس عبارة لا أستطيع أن ادخلها في صميم منطقي.." ويقول أيضا عن (هيراقليس): ".. انه لأمر عظيم الأهمية أن يكون قد أدرك أن الحقيقة الأولى هي فقط الصيرورة..". إن الفكرة المحورية في فلسفة هيجل هي فكرة الصيرورة والتحول وجدل الأضداد وانبجاس الشيء من نقيضه فيما دعاه عمليات الديالكتيك وهي الفكرة التي قال بها هيراقليطس في القرن السادس قبل الميلاد.. إن فكرة جدل الأضداد هي إحدى الأفكار الفلسفية الرئيسية التي غطى تأثيرها كافة النشاطات الفكرية والعلمية والاجتماعية والدولية ومع كل هذه الأهمية المعـــرفــية لهذه الفكرة المحورية فإنها ذات أصل يوناني. إن الفلسفة شكل من أشكال الوعي البشري، فهي تهتم بقضايا المجتمع وهموم العصر ويقول ( ماركس ) في هذا الصدد: "ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم". إن الفلسفة تختلف عن السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا. لأنها ليست دراسة علمية موضوعية لقضايا مجتمع معين ؛ وليست مجرد تشخيص لبعض الأمراض الاجتماعية. إن الطابع العام والشمولي للفلسفة يأبى ذلك. إنها لا تدرس ما هو كائن إلا في إطار ما ينبغي أن يكون. إن طموح الفيلسوف إلى تحقيق الكونية يجعله يترفع عن أن يصبح مجرد مصلح اجتماعي، أو أن يكون على الأكثر عالما اجتماعيا فرضته ظرفية تاريخية. فما هو السبب في اهتمام الفيلسوف بقضايا الحياة والمجتمع؟ والجواب أولا لأن الفلسفة بحث عن الحقيقة،والأجوبة التي تقترحها، تبين أنها فحص مثابر وراء الإسهام المباشر في حل المشاكل الإنسانية مهما كانت فرص النجاح ضعيفة. وثانيا لأن الفلسفة تولي الأهمية القصوى للإنسان وتعتبره مركز اهتماماتها، حيث لا تهتم بالقضايا إلا بقدر ما ترتبط بالإنسان، لذا قال ( فيورباخ ) : إن كل فلسفة تؤسس خارج الإنسان وبمعزل عنه لا يمكن اعتبارها فلسفة..

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل الفلسفة إلزام أم التزام؟ يقول ( ديكارت ) : "لأن يحيى المرء بدون تفلسف هو حقا كمن يظل مغمضا عينيه لا يحاول أن يفتحهما: والتلذذ برؤية كل ما سيكشفه البصر لا يمكن أن يقارن بالرضى الذي ينال من معرفة الأشياء التي تنكشف لنا بالفلسفة". والخلاصة أن الفلسفة ليست ترفا فكريا وإنما هي ضرورة. إن الطابع الإشكالي والنقدي للفلسفة يحتمان عليها إعادة النظر في كل شيء، وفي كل قضايا الحياة، وبالتالي إخضاعها للمساءلة. والفلسفة، كذلك، التزام لأنها اندماج وانصهار في كل ما من شأنه أن يساهم في صيرورة الحياة، وبالتالي الانطلاق بها إلى فضاء أرحب وأوسع. ومن هذا المنطلق نفهم لماذا تتجند الفلسفة ضد جميع ضروب العنف محاولة منها نشر ثقافة التسامح والانفتاح على الغير. فالفلسفة تحارب العنف لأنه ليس مجرد سلوك فردي ينحصر في أخذ ثأر أو إنزال عقوبة أو قصاص؛ ولكنها تحاربه لأن العنف - كما يقول ( إيف ميشو ) يوجد "عندما يحطم واحد أو عدد من الفاعلين شخصا آخر، مباشرة، أو بصفة غير مباشرة، دفعة واحدة أو بالتدريج، أو يمسهم في كيانهم الجسمي أو النفسي، في ممتلكاتهم، أو في انتماءاتهم الثقافية أو الرمزية المختلفة. ليس العنف فقط مسألة جروح أو قتل، إذ يمكن أن يكون التحطيم سيكولوجيا، بواسطة التعذيب أو النفي، أو الإيذاء في الممتلكات، أو يلحق لغة الجماعة، أو ثقافتها أو معتقداتها، أو يعني الحرمان من العمل..الخ". إن الفلسفة ضد العنف لأنه يقوم على كل الأفكار السلبية التي تحاربها كالتسلط، والظلم، والبؤس والشقاء والحرمان..الخ.

إن الفيلسوف إنسان دائب التساؤل، يشعر دائما بفقر إلى المزيد من المعرفة.حيث رفض ( فيتاغورس ) أن يدعى حكيما لأن الحكمة تعني امتلاك الحقيقة، فارتأى أن التعبير الأنسب والأصدق هو أن يقال عنه إنه فيلسوف (محب الحكمة)، أي مجرد إنسان يتوق إلى المعرفة وليس مالكا لها. ومن هذا المنطلق نستطيع أن نفهم سلوك ( سقراط ) من وجهين: فإحساسه بدونية معرفته جعله يرحل إلى رجال الدولة والشعراء..، باحثا عن الحقيقة، لكن الوجه الثاني للصورة يتجلى في أن سقراط ذهب إليهم بشك قبلي ليحطم عندهم ذلك الاعتقاد الدوغمائي بامتلاك الحقيقة، وهذا فعلا ما توصل إليه سقراط حينما وجد أن دونية معرفته تفوق بكثير معرفتهم. فالفيلسوف، شخصية لا تكتفي بالإجابات الارتجالية والسطحية والساذجة. إنه إنسان يرفض الاعتقاد بوجود أفكار جاهزة ومعارف مسلم بها. إنه، كذلك، رجل سجال ونقد، رجل إقناع واقتناع، يقارع الحجة بالحجة، علما بأنه يؤمن بالاختلاف. ومن ثمة فإنه ضد جميع أشكال العنف؛ خصوصا الإرهاب الفكري الذي يمارسه كل متسلط دوغمائي، علاوة على أصناف القهر الجسدية والنفسية. إن الفيلسوف إنسان ملتزم بقضايا عصره، وبهموم المجتمع، وبرغبة الإنسان الدائمة نحو الحرية والعدل. الفيلسوف إنسان صادق مع نفسه أولا، وصادق مع الآخرين ثانيا. وصدقه هو الذي يجعله ينزع بأفكاره نحو الكونية، فيدعو الناس إلى مشاطرته أفكاره. وسعادة الفيلسوف المثلى تتجلى في الوصول إلى المعرفة لذاتها، أي أنه يحاول باستمرار أن يتخلص من البعد الدوغمائي للمعرفة.و تراهن الفلسفة على الزمن والتاريخ اللذين يؤكدان مصداقية أفكارها. كما تراهن الفلسفة في تطورها، على تأثيث نفسها من الداخل، من خلال طرحها الدائم للسؤال "ما هي الفلسفة ؟" حتى تتلاءم مع قضايا المجتمع، وسعيا منها إلى الحفاظ على إنسانية الإنسان والدفاع عن كرامته.

صبحي درويش

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف