أصداء

النعامة و جنون الممحاة!

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

دأبت مايمكن أن تسمَّى " السياسات " التي اتُّبِعَت في سوريا منذ نهاية السبعينات، من القرن الماضي، إلى نهاية التسعينات، من القرن نفسه، على مبدأ التجاهل أو التعتيم بحيث لاتعترف الحكومة أو المرتبطون بها بمشكلة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية. ولقد استمدَّ هذا المبدأ من الحليف الأكثر رسوخاً في العزل وإدارة الظهر، وهي الطريقة السوفيتية في إدارة النزاعات أو العقبات. والذي ساهم في إنجاح هذا المبدأ هو طور القوة الذي كانت تمر به المنظومة تلك. فللقوة وجهٌ يتمثل بإغفال الظاهر وترسيخ الخفي من خلال مبدأ الإظهار والإخفاء الذي يتشكل من قوة ظاهرية منتصرة، وضعفٍ باطني تم تحييده. الوجه الأبشع للقوة هو في مساهمته في الإغفال السالف. فلايُعْتَرَف بالمشكلة الاقتصادية، مثلاً، كالفقر، إلا بعد مرور وقت طويل على الظاهرة بحيث تفقد مدّها الشعبي ومخزونها في قوى الدفع.
في الحقيقة نجح هذا المبدأ كثيراً، في سوريا " المصححة " ( من الحركة التصحيحية !). فالفساد لم يناقش إلا بتجريده من مدّه الجماهيري. بحيث يكون الفساد والإصلاح هما من حق السلطة ذاتها، ولايجوز للمواطن العادي، غير المُصَحَّح!، أن يتداول مبدأ فضح الفساد أو المعاقبة. وبذا تتخذ السلطة شكلاً مقدّسا من أعلى : الأبيض والأسود، الفساد والإستقامة، صورتان بيد أمر ونهيٍ سلطويين، ولايجوز للمواطن - المخلوق، التدخل في أسرار العائلة المقدسة. والأهم من كل ذلك، أنه في الوقت الذي تعترف فيه السلطة، علناً، بمشكل أو ظاهرة سلبية، تكون اللحظة التاريخية قد فقدت قوة دفعها، فتسقط القوة الرمزية للتغيير ويتحول كشف الفساد إلى " تزييت " أو " تشحيم " لمَكَنة السلطة، الدولة، النظام. ولا أدل على ذلك من مسألتين اثنين هما على درجة كبيرة من الأهمية. المسألة الأولى : الفساد في سوريا، والمسألة الثانية : العلاقة مع الجمهورية اللبنانية، أو العلاقة السورية اللبنانية. تكشف الأولى علاقةَ النظام مع نفسه، وتكشف الثانية علاقة النظام بالآخر.
من منتصف الثمانينات، من القرن الماضي، تداول السوريون، نخباً ومواطنين، ظاهرة الفساد الإداري في المؤسسة الرسمية السورية. ولم يكن اشتهار قضايا الفساد في مشاريع الري والمياه والسدود، إلا كشفا متأخرا لما تداولته النخب والمواطنون. وفعلاً، وفي أيام الرئيس الراحل حافظ الأسد، نهاية التسعينات ودخول الألفية الثالثة، تم الإعلان الرسمي على الفساد المائي في سوريا عبر خطبة للرئيس الراحل أشار فيها إلى فساد في مرافق السدود. فحصلت توقيفات ومحاكمات. ولاضير من كل هذا، بل على العكس، رحِّب به من كل الأوساط، إنما، وبالعودة إلى المبدأ الذي نناقش فيه الأمر، مايتعلق منه بمبدأ الإخفاء الذي يلغي مفعول اللحظة التاريخية، استيقظ السوريون من النوم، فجأة، على خبر انهيار سد "زيزون" الشهير. ضجت الأوساط بالخبر، فسوريا ذات أساس زراعي في تكوينها الجغرافي، وانهيار سد مائي يكشف العجز المستفحل عن فهم الطبيعة الجغرافية السورية نفسها. لكن الإشارة الأساس في مانذهب إليه هو قضية تفريغ الحكم السياسي من قوة دفعه الجماهرية المراقبة، ففي الوقت الذي اعترفت فيه السلطة بالفساد المائي لم يتبق لها كثير وقت للمعالجة، فالماء لايمكن إخضاعها لمبدأ الإظهار والإخفاء والتأجيل، كالبشر والثقافات، فانفجر السد بوجه ساكنية مخلفاً قتلى ومشردين وتخريبا رهيبا للأراضي الزراعية. تكشف هذه الحادثة فشل مبدأ التعتيم السوفييتي، المعمول به في سوريا، ومبدأ الإخفاء تحول نفخاً في الظاهرة عبر انهيار السد. ولو تم الربط بين المعالجة القضائية الرقابية، لقضايا الفساد، وقوى الدفع البشري، من نخب وأفراد، لكانت هناك معالجات سريعة للمسألة. إذن، قداسة الفعل السلطوي المتمثلة، بالأبيض والأسود، الصلاح والفساد، فشلت هي الأخرى، لا بل عمل النظام ضد نفسه إذ ترك المسؤولية بإدارة شؤون " الخلق " لمؤسسة النظام نفسه، فسقط الصانع في مصنوعة وقال علناً : أنا الذي أفسدت وأنا الذي أصلحت.. وأنا الذي حطَّمت سدّ " زيزون " !
ومتابعة لقضية الفساد، من جهة جزئية هنا، نرى الكيفية التي تمت فيها الإشارة إلى " فساد " عبد الحليم خدام وعائلته. لقد استخدمت الدولة هذا المبدأ كطريقة ردع وآلية دفاع ذاتي، أي تحول الفساد من اعتراف متأخر، إلى شاهد غير مقنَّع للتعامل مع الخصوم. هذه أخطر من الأولى، فالفساد مشكلة تتصل بالمجتمع ومرافق الدولة، وهو مركّبٌ بيروقراطي ناجٍ من الرقابة. وتحويله إلى قوى ردع يجعل الفساد بوجهين كلاهما أخطر من بعضهما البعض : الفساد كمؤشر انهيار، والفساد كدفوع للنظام يشهر بها بخصومه. من هنا لم يتأثر السوريون كثيرا بما أعلن عن " فساد " خدام وعائلته، لقد ظهر جليا، وبما لايدع مجالا للشك، أن الفساد " الخدّامي " إن تأكد فهو فساد نظام متسلسل، وإن لم يتأكد فهو تشهيرٌ مفتوحٌ بالخصوم تُسْتَخْدَم فيه الدولة ومرافقها في المعركة. فإذا انهار سد زيزون بالإعتراف المتأخر للنظام، بالفساد المائي، فسينهار النظام نفسه بالإعتراف التكتيكي بفساد خدام : فهو إعلانٌ مقلوبٌ عن الفساد : النظامُ يخرج من نفسه، ولن يعود. وفي حال تم " تفسيد " خدام، رجل الدولة والرجل الأشهر للنظام التصحيحي، فإن تفسيد النظام على مرمى حجر، لا بل بأقرب نظرة وفي أي اتجاه. هما اثنان، إذن، إعترافٌ بالفساد المائي يتلوه انهيارٌ للسد، واعترافٌ بـ " فساد " خدام، يتلوه انهيارٌ للنظام، وربما، للأسف، للدولة. ولأن نسبة الفلاسفة معدومة في نظام معقّد التركيب، كهذا، لم ينتبه " الحراس " إلى أنهم وقّعوا، علناً، على صكّ إدانتهم، وبوسع السوري أن يقول : رب ضارة نافعة !
المسألة الثانية التي قدّمنا لها، في الأول، بالإشارة إلى مبدأ التعتيم السوفييتي، هي علاقة الدولة بالدولة، أو السياسة الخارجية. تحت المبدأ نفسه الذي اختصرناه بالتجاهل والإعتراف المتأخر بغية تفريع الحقيقة الاجتماعية من قوى الدفع الجماهيري. وهي مسألة العلاقة السورية اللبنانية. الشبه بين انهيار سدّ زيزون وانهيار العلاقة السورية اللبنانية كبيرٌ للغاية. فنظام التفكير نفسه كامنٌ في الحالين. وتأخر الاعتراف بغية تفريع قوى الدفع هي نفسها. وتقريبا كان اعتراف الدولة بالفساد المائي في سوريا مترافقا على وجه التقريب بالاعتراف بأن هناك فعلاً خللاً في العلاقة السورية اللبنانية وأخطاء ينبغي تصحيحها كما أعلن الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه. ولأن اللحظة التاريخية كانت قد انسحبت إلى نوع من النسيان البيروقراطي، لم يأت اعتراف الرئيس الشاب باي أثر فعال يذكر، فقام بزيارة إلى لبنان لم يلتق فيها إلا بـ " حلفاء " الدولة وترك كل من تحدث عن خلل وأخطاء في العلاقة السورية - اللبنانية، وحدهم ولم يلتق بأي أحد منهم (!) مما دفع إلى التساؤل وقتذاك : ماهي الأخطاء التي اعترف بها الرئيس الشاب، إذن؟ هل كان اعترافاً تكتيكيا قصِد منه " تفريغ " قوى المعارضة اللبنانية من مدّها الإيديولوجي؟
ومثلما ترافق الإعتراف بالفساد المائي بتوقيفات ومعاقبات تلاها انهيارٌ محتومٌ منطقياً لسد " زيزون " تلا الإعتراف السوري بخلل في العلاقة السورية اللبنانية بتسريحات ما من العمل وإبدال موظفين بآخرين سواهم. ولما كان انهيار سد زيزون منطقيا عبر مبدأ التجاهل وتفريغ قوى الدفع، كان انهيار العلاقة السورية اللبنانية أكثر فداحة من انهيار السد السالف، فلقد اغتيل الرئيس رفيق الحريري، وانسحب السوريون من لبنان بأقسى الصور، وتسلسلت ظاهرة الاغتيال السياسي لتطاول الكل، ووقعت الدولة السورية، في الحقيقة، تحت وصاية مجلس الأمن ولم يعد هناك من مسؤول سوري يرحّب به في أي محفل دولي (!) وفي لحظة، أو فرقعة إصبع، انتهى كليا أي دور سوري دولي.
ماينهار بجزء من الثانية يهيّأ له بسنوات وعقود. وثانية انفجار سد زيزون، هي ذاتها ثانية التحطم الدراماتيكي للجمهورية السورية. ولم يعد ينفع القول أن النظام وحده وقع في الانهيار، فهذه تشبه القول : أن السد وحده هو الذي انهار ! من هنا فإن فلسفة النظام الجديدة أبدلت العقلية القديمة المتمثلة بعدم الإعتراف، أو سياسة النعامة، بعقلية جديدة أسميها سياسة الممحاة، وآية ذلك بالاعتقالات البهلوانية التي تقوم بها الدولة لأفراد ناشطين في حقوق الإنسان، أو أفراد أدركوا فشلاً ذاتيا في مقدرة النظام على " تعقيم " صورة الدولة فأصدورا بياناً مع زملائهم اللبنانيين ووقعوا بياناً هاما ينظم العلاقة ويجددها بين دولتين جارين وكان لكاتب هذه السطور شرف التوقيع عليه. ولأن النظام مازال يعتبر أن أسرار الدولة حكراً على حرّاسه فقام باعتقال ميشيل كيلو ونضال درويش وآخرين كثيرين لينضمو ويسلّوا وحدة زميلهم في السجن عارف دليلة ! والآن تم إيقاف موقع "المشهد السوري" عن العمل ومنع كتاب سوريين من السفر إلى الخارج. كل هذا التوتر والمعالجات الإرتجالية تعود لتذكر بالخطأ الأخير لعقلية النظام التي انتقل بها من سياسة النعامة إلى سياسة الممحاة، حيث باعترافه العلني بفساد أشهر وزير خارجية له وأقوى نائب للرئيسين الراحل والحالي فإنما يُفَسِّد النظام نفسه ويقدم ذاته على طبق من الفضة المذهبة على مائدة الإدانة.
بين زيزون والخروج من لبنان فسادٌ واحدٌ. وانهيار واحدٌ، الأول يخرب الأراضي ويسكب الماء على الطرقات، والثاني يكشف الضرورة المتنامية لتغير النظام الحاكم في سوريا بأقصى سرعة ممكنة : هذا هو الحل الوحيد لتجنب الشبه المأسوي بين انهيار " زيزون " وانهيار النظام !

عهد فاضل

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف