أصداء

سيناريو حرب لبنان

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كثر الحديث و التنديد و التصريح في تطورات إندلاع الحرب من جديد بين إسرائيل من جهة، و المقاومة الفلسطينية و اللبنانية من جهة أخرى. و الموضوع يبدو أنه و كما تدعي إسرائيل، يستهدف إطلاق سراح جنودها الثلاثة المحتجزين لدى هذه المقاومة لكنه في الحقيقة يستهدف تفتيت المنطقة و إعادة رسم الخارطة السياسية و الجغرافية فيها.

ما علينا أن نقرأه في هذه الأحداث و التطورات ليس بين السطور هذه المرة، بل أنه أوضح من ذلك بكثير وهو واضح للعلن.

لنقرأ قبل كل شيء عن طبيعة فشل مجلس الأمن في إتخاذ أي قرار ولو لوقف إطلاق النار، هذا الفشل تكرر أكثر من مرة خلال أيام.

بعدها، تزامن تسارع هذه الأحداث مع إنعقاد قمة الثمانية في روسيا حيث أصر زعماء الدول الصناعية الكبرى على عدم إتخاذ أي قرار يدعو لوقف العمليات العسكرية و أعلنوها صراحة أن "وقف إطلاق النار لن يحل المشكلة في المنطقة".
ثم جاءت القمم العربية الثنائية و إجتماع مجلس وزراء الجامعة العربية ليظهر إلى العلن تباين الآراء بين بعض الدول العربية، و ليعلن أمين عام الجامعة رسمياُ و على الملأ عن فشل عملية السلام.

كل هذا يدعونا إلى مراجعة بعض الأمور و التفكير بعمق و بتعقل، لكن دعونا نراجع ما حصل.

يوم الأربعاء، صرح الرئيس المصري، حسني مبارك أن الوساطة بين الفصائل الفلسطينية و حكومة إسرائيل قد وصلت إلى نهاية إيجابية وكان مشروع الحل جاهزاُ بما يرضي المعنيين، لكن أطرافاُ خارجية دخلت على الخط و تدخلت و حالت دون ذلك. عندها، برزت فجأة عملية حزب الله و أشعلت المنطقة من جديد و أدخلت لبنان في جحيم القصف و الدمار الإسرائيلي.

رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت أشار في خطابه أمام الكنيست مساء الأحد، أنه كان يستضيف في مكتبه صباح الأربعاء عائلة الجندي المخطوف و هو يستعد أن يزف إليهم "بشرى" قرب عودة إبنهم، لكن جاءه الخبر العاجل عن العملية التي وقعت في جنوب لبنان.

إنطلقت إسرائيل بعدها في تدمير لبنان و كل ما هو حيوي و كل ما يخص البنية التحتية لهذا البلد، الذي بالكاد وقف على قدميه بعد أكثر من عقدين من الدمار.

أول يومين، لم تستهدف إسرائيل حزب الله، بل استهدفت تدمير المنشآت الأساسية الحيوية، قبل أن تستهدف أي مقر للمقاومة، وهي تعلم بالكامل أن الحكومة اللبنانية أو الشعب اللبناني كانوا آخر من يعلم بمخططات حزب الله، ولا يمكن أن يدفعوا مثل هذا الثمن الباهظ و بهذه الوحشية.

يومان و لم نسمع من أي مسؤول أو زعيم دولي أو عربي أي ردة فعل.
بعدها بدأت التصريحات تنهال علينا، ولا داعي لتكرارها، فقد ذكرتها في أعلاه.

من الواضح أن الهدف من العملية الإسرائيلية (والتي أشعلتها عملية حزب الله) هدفها تدمير لبنان بالكامل، و هذا للأسف، ما يحصل و سيستمر حتى يعود لبنان عشرات السنين إلى الوراء، تنفيذاُ لمخطط شيطاني تمت حياكته من قبل إسرائيل و الإدارة الأمريكية.

هذا المخطط الذي بدأت أيدي عربية بتنفيذه من حيث لا تدري، بدأ بسلسلة الإغتيالات في لبنان، تبعه إنسحاب القوات السورية من بلاد الأرز، ثم إنقسام القيادة اللبنانية إلى تكتلات بين قرنة شهوان و التحالف مع سوريا و تحالف ثالث ليس مع هذا أو ذاك، و تجمع مسيحي منفصل و آخر مسلم، إلى كل ما نعرفه و نراه يوماُ بعد يوم.

وهناك أزمة القوات الأمريكية (أو قوات التحالف) في العراق و فشل الحكومات العراقية في معالجة تدهور الوضع الأمني المتزايد، و قضية الملف النووي الإيراني و فشل المجتمع الدولي بالتعامل معها بسبب تغلغل إيران في العراق و سوريا حتى لبنان (من خلال حماس الخارج و حزب الله)، لنصل إلى إستهداف سوريا في غير مناسبة و في كل موضوع يطرح إقليمياُ.

ولا ننسى الوضع الفلسطيني بشكل عام داخل الأراضي المحتلة (أو إذا أمكن تسميتها أراضي السلطة الفلسطينية)، ليتبعها حل قضية الفلسطينيين في لبنان و السلاح الفلسطيني هناك.

إذاُ، كان يجب وضع مخطط أو مخططات لحل هذه المشاكل بأجمعها و ضمان السيطرة الأمريكية على النفط و الثروات و من بعدها ضمان أمن إسرائيل. كل هذا في منطقة متفجرة قابلة للإشتعال في أي لحظة و في كل الإتجاهات.

طبعاُ بدأت الخطة منذ سنوات بهجمات الحادي عشر من إيلول / سبتمبر 2001 التي قادت إلى حرب أفغانستان ثم إحتلالها، وبدأت تكتمل بعدها خاصة في الحرب على العراق التي مهد لها صدام حسين و قدم للغرب أجمل هدية يمكن أن يحصلوا عليها بهذه السهولة، فاستقرت الجيوش الغربية في قلب الخليج العربي (أي شرق إيران و غربها) لتكون على مقربة من كل الأحداث الأخرى أيضاُ شرقاُ و غرباُ.
وقادة إيران يعيدون إلى الأذهان تهديدات صدام السابقة بأسلحته التي لا تقهر، التي تبين فيما بعد أنها ليست كرتونية فقط، بل غير موجودة.

تطورت الأحداث في لبنان بشكل دراماتيكي و تورطت سوريا (بقصد أو عن دون قصد) فتوالت الإتهامات لها بحيث أنها صمتت عن كل شيء، حتى لو كانت هجمات عسكرية إسرائيلية إستفزازية، لم تتمكن دمشق من الرد عليها سوى ببيانات مقتضبة و قصيرة، تستنكر أو تنفي، وهذا أضعف الإيمان.

وجاء تسلم حماس للسلطة في فلسطين ليزيد من معاناة الشعب الفلسطيني في الداخل، وكانت حماس الخارج تزيد من سكب الوقود على النار، لتورط معها ليس فقط من هم في الأراضي المحتلة، لكن سوريا و إيران.

وكان يجب أن تكتمل الحلقة، فجاءت عملية حزب الله لتعطي إسرائيل أكبر هدية، تماماُ كما فعل صدام و هو يخلق أسباب تدمير العراق و ذبح الشعب العراقي. هذه المقاومة التي تطلق صاروخاُ صغيراُ على إسرائيل، ليقابله مئات الأطنان من الدمار الشامل فوق لبنان و شعبه الآمن، ولم نسمع حتى الآن سقوط أي شخص من طرف المقاتلين.

ورغم بعض الوساطات الأوروبية في هذه الأزمة، نرى أن إسرائيل ستستمر بتدمير لبنان، و بالمقابل أصبح حزب الله يرفض أي وقف لإطلاق النار.

ثم نعلم جيداُ أن الجيش اللبناني ليس لديه قوة ردع كافية، وهو في وضع محايد، إن لم نقول مغلوب على أمره، لكن القصف الإسرائيلي سيطال حتى مواقع و ثكنات هذا الجيش، و الهدف الرئيس من هذا الإستهداف هو منعه حتى من القيام بواجب الإغاثة، ليعم الدمار و يتسع مدى الكارثة.

تدمير لبنان سيقود إلى توسيع رقعة الحرب إلى سوريا لتساهم فيها الولايات المتحدة إما مباشرة أو بشكل غير مباشر.

و التعرض إلى سوريا، كما صرح القادة الإيرانيون، سيدفعهم إلى الدفاع عن حليفتهم لحماية مصالحهم فيها و في المنطقة. وكل هذا، قد يقود إلى تدخل من قبل تركيا لحماية مصالحها و حماية حدودها الجنوبية.

مثل هذا السيناريو سيؤدي إلى تفتيت لبنان من جديد و إعادة دمج بعض مناطقه مع سوريا، التي سيتم تقسيمها أيضاُ لإعادة رسم خريطة المنطقة كلها، وتوزيع الحصص من كل هذه الحلوى على كل الأطراف المعنية، و قد تكون على أساس طائفي/عرقي.
طبعاُ ستسيطر إسرائيل على جزء مهم لها ألا وهي منابع المياه، و بعض الأراضي تحت تسمية (مناطق منزوعة السلاح) و من ثم حدوداُ آمنة تضمنها الدويلات الجديدة التي ستظهر على الخريطة، و أمريكا تضمن الثروات و التخلص من (الإرهاب) أو نقله إلى أرض أخرى، ثم الفتات و القليل منه، مما لا يسمن من جوع، يعطى إلى بعض الفئات التي سيعاد توزيعها هنا وهناك، لإرضاء غرورها و طموحاتها بدويلات أو شبه دويلات.

قد يبدو هذا السيناريو جنونياُ أو متشائما للبعض، لكن يبدو واضحاُ أنه في طريق التنفيذ، إن لم نكن قد رأينا فعلاُ المقدمة لهذا التطبيق، و ستأتي الأيام لتشرح لنا التفاصيل التي لا أود هنا بتوقعها حتى يكتشف الجميع الأمور شيئاُ فشيئاُ.

كان الله في عون لبنان و شعبه من شماله إلى جنوبه، من شرقه و حتى البحر:
و "يا رب لا تهجر سما لبنان"


أكثم التل

كاتب و صحفي أردني - مستقل
akthameltall@yahoo.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف