أصداء

حزب الله والمفترق الحاسم مرة أخرى

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

حزب الله والمفترق الحاسم مرة أخرى ولكن إلى أين؟


قد تطول الحرب الدائرة حالياً على الأراضي اللبنانية أو تقصر، فذلك أمر تابع لحسابات المشاركين الفاعلين ممن اتخذوا القرار السياسي بإطلاق عملياتها؛ فتجلت في حادثة إختطاف الجنديين الإسرائيليين، وإعلان السيد حين نصرالله شروطه التبسيطية التي خاطب بها الأحاسيس والإنفعالات والتمنيّات، من دون العقول التي تكون عادة حساباتها أدق، وقدرتها على متابعة أوجه التواصل والتفاعل بين الموازين الداخلية والمعادلات الإقليمية والدولية أشمل وأبعد مدى. فقضية الأسرى لايختلف عليها إثنان. والجميع يريد ويطالب بعودتهم سواء من السجون الإسرائيلية أو السورية. لإن الإنسان يظل المخلوق الذي لاتكتمل كينونته في حالة إنعدام الحرية التي تعد شرطاً أساسياً من شروط المسؤولية بأوسع معانيها، خاصة الدينية منها. والسجن يبقى سجناً سواء في داخل البلد أو خارجه. وغالباٌ ما يكون السجّان البلدي أقسى وأشد وأشرس، وأقل إلتزاماً بالقيم الخُلقية في ظل غياب الرقيب والحسيب. لكن إثارة القضية بهذا الأسلوب الإبهاري مسألة لاتستقيم وحصافة السيد المعهودة، ولاتتوافق مع المسؤوليات التي حرص على إستلامها عبر إستملاك مشروع المقاومة بأٍسره. وكل ذلك يدفعنا نحو استنتاج فحواه أن توقيت القرار لم يكن بيد السيد؛ مثلما كان الأمر عليه بالنسبة إلى حكومة حماس في فلسطين قبل أيام، بل ان الكشف السريري لكل من الخطوتين يبين أن الأعراض هي ذاتها، والبواعث هي عينها.

فالسيد يقامر بمصير الطائفة والوطن، ويساهم - بحريته أو من دونها - في دفع الأمور في المنطقة نحو ردهات ومتاهات لاتتوافق مع توجهات شعوبها التي ما زالت أسيرة حكومات لاتخشى الله ولاتخجل من العباد. وحري بالسيد، وصحبه ممن آلوا على أنفسهم التزام قضايا الخير ومناهضة الشر أن يتصدوا لأفة الأفات المتمثلة في الإستبداد المفسد الذي يتحكم بالرقاب والأرزاق. استبداد يمنع التحرير بقوة السلاح، وبأحكام تتنافى مع الشرائع السماوية والدنيوية. أما أن نستغل الإمكانيات الخطابية والفصاحة اللغوية، والقدرة على الإتيان بالحجج المنتقاة المفصولة عن السياق العام الواقعي الذي يمثل اللوحة بأكملها، لاصورة حزب الله وبطولاته وحدها؛ نستغل كل ذلك لأسر الألباب، وننسّق مع من سطحوا العقول ونهبوا الأقوات، وهتكوا المقدسات على مختلف المستويات، فهذا أمر لن ينطلي على الناس كثيرا، خاصة في عصرنا هذا الذي بات فيه الجميع تحت الأضواء الكاشفة، وهذا مؤداه إنهيار حاجز الإحترام والإستيعاب، مما يفتح لبنان والمنطقة كلها على إحتمالات لايستطيع المرء معرفة كنهها بسهولة، فذلك متوقف على إمكانيات الفرقاء وأحلامهم، وطبيعة التفاعل بين الداخلي والخارجي، المحليي والإقليمي، ودرجة هذا التفاعل. وكل ذلك أمر صعب التكهن به، واستشفاف ملامحه في اللحظة الراهنة التي تشهد تصعيدا كان متوقعا منذ مدة، وتدميراً إسرئيلياً مداناً للبنى التحتية اللبنانية، واعتداءات سافرة على المدنيين. إننا اليوم في مواجهة سيناريوهات عدة، بعضها حاضر في الذهن، والآخر غائب قد يستحضر في مستقبل الأيام، بفعل تطورات نوعية تمارس الفعل الحيوي في مسار الأحداث. ومن أهم السيناريوهات التي يمكن للمرء أن يتخيّلها ويتمعن في تبعاتها الممكنة في حال تحققها، نذكر ما يلي:

السيناريو الأول: إنتصار اسرائيلي حاسم على حزب الله، وعلى النظام السوري وكبح جماح النظام الإيراني الذي يتهرّب هو الآخر من استحقاقات شعوبه التي تعاني من إضطهادٍ عام تشمل القومية والدين والمذهب والحريات والأوضاع الإقتصادية والإجتماعية، إلى جانب الإقصاء والحرمان من المشاركة في القرار السياسي. وانتصار من هذا القبيل سيخضع المنطقة بأسرها للشروط الإسرائيلية الأمر الذي لايتوافق مع مصالح شعوبها، وتطلعها نحو حياة حرة كريمة مفعمة بالسلام والأمان والإطمئنان للجميع من دون استثناء.
ومن الواضح أن هذا السيناريو ليس في مصلحة كل الشركاء في مائدة الحوار الوطني اللبناني التي انقلبت رأساً على عقب مع الخطوة التي أقدم عليها حزب الله، بعيداً عن المتحاورين، وتمكّن بتقية غير معهودة من تهدئة خواطرهم، وزعزعة مواقفهم، ليشق لاحقاً طريقه وحيداً بمعية قوى ماوراء الحدود، رافعاً لواء قضية الأسرى تيمناً بقضية التحكيم التي ما زال المسلمون جميعاً يدفعون ضريبتها.

السيناريو الثاني: إنتصار حزب الله والمتحالفين معه في معركتهم ضد اسرائيل، وانتزاع الشروط التي تبيح لهم الإستمرار في موقع السيطرة والقرار، وهذا مؤداه القضاء على مشروع الدولة الوطنية اللبنانية - لن نسهب هنا في التفاصيل والأسباب منعاً للإطالة - ووضع الطائفة الشيعية اللبنانية، بعد أن أحكم حزب الله قبضته على مفاصلها الحيوية، في مواجهة إنعزالية مع الأخر الوطني اللبناني بإنتماءاته المتعددة، الأمر الذي لا يخدم الطائفة، ويسيئ إلى لبنان الوطن في المقام الأول. كما ان انتصاراً من هذا القبيل ستمكّن الفئة الحاكمة في سورية من تحويل وثيقة حيازة البلد إلى سند ملكية دائمة قطعية، ليغدو الأقنان- الرعايا إلى عبيد مسلوبي الإرادة والكرامة، لايتمتعون سوى بحق الحمد والتسبيح بسجايا وعطايا الحاكم - الإله. والأمر ذاته بالنسبة إلى إيران التي تسعى قيادتها بأي شكل من الأشكال الحصول على يمكّنها من تحاشي المصير غير المرغوب بالنسبة لها. ويبدو أن محبذي هذا السيناريو يراهنون على الدور الروسي المرتقب، وربما الصيني الذي قد يساهم في الحد من التفرّد الأمريكي بالقرار في المنطقة، هذا النفوذ الذي يبدو أكثر تماسكاً بعد تجاوز عثرات التردد الأوربي.

السيناريو الثالث: صفقة إيرانية - سورية مع القوى الدولية صاحبة النفوذ في المنطقة راهناً، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا بمباركة روسية، وربما صينية. صفقة من شأنها التضحية بحزب الله وحماس وجماعات التفجير في العراق قرابين على مذبح المصالح السلطوية، وهذا ما سيلحق أفدح الخسائر بالطائفة الشيعية اللبناينة المغلوبة على أمرها، هذه الطائفة التي تعرضت لحرمان كبير فيما مضى - ولن يرضى أي وطني غيور مطلقاً عودة ذلك الظلم من جديد بأي شكل من الأشكال - وقدمت للبنان والمنطقة أعداداً لاتُحصى من رموز الفكر والوطنية نعتز جميعا بجهود أصحابها وتراثهم. لكننا - شئنا أم أبينا- نواجه اليوم واقعا يتشخص في تحول الطائفة - بإرادتها ومن دونها - إلى موضوع تماهٍ مع حزب السيد الذي يعامل الدولة اللبنانية معاملة الولي للقاصر. والغريب أن الدولة نفسها أرتضت لذاتها تقمّص هذا الدور الشاذ المستهجن، أو على الأرحج أنها تُرغم نتيجة عطالتها الداخلية على تبني ما لا تهواه.

أما بالنسبة إلى الناس في كل من سورية وإيران فسيجبرون - إن سارت الأمور وفق ما تشتهيه سفن الخصوم - على الرضوخ لشروط العقد الدولي الجديد التي ستمنح حكومات المجموعات المغلقة إمكانية التمتع بريادة قيادة الإستبداد والفساد، وبستار من النسب الإنتخابية التسعينية لدحض مزاعم الحسّاد وافتراءاتهم الحاقدة.....

السيناريو الرابع : وهو يتمثّل في التغيير الديمقراطي الشعبي، خاصة في سورية - أما إيران فملفها أعقد وكبير، ويستلزم وقتاً أطول - تغيير يعيد الحق إلى نصابه، وينقذ الطائفة التي تتستّر بعباءتها الزمرة الحاكمة من شرور مقيتة لاتُحمد عقباها. وفي ذلك إنقاذ للوطن الذي يقوم بإرادة طوائفه جميعها، قومياته كلها، أحزابه ومثقفيه وفعالياته الإجتماعية والإقتصادية كافة.
وتغيير من هذا القبيل يستمد مشروعيته من واقع الإضطهاد والظلم الذي تغلغل في مسامات حياة السوريين العامة والخاصة، ظلم يتزوّد من آفات وحش فساد أسطوري النهم والشراهة. وحش يتعظم حجماً وخطراً نتيجة الإفساد المنظم الذي ترعاه ذهنية الإستبداد المؤبد. والأمر الذي يدعو إلى التفاؤل، هو أن إمكانيات هذا التغيير تلوح في الأفق رويدا رويداً بعد سنوات عجاف طويلة مضنية: نقمة شعبية على أشدها في الداخل، نقمة عميقة الجذور واسعة الإنتشار. وحراك إجتماعي و ثقافي و سياسي في الداخل والخارج. لقاءات، إجتماعات، مؤتمرات. جرأة في الطرح والتعبير هنا وهناك. ربما لم تبلغ الأمور المستوى المطلوب؛ تتعثّر نتيجة النزوات وقلة الخبرة، وعدم التصدي المِهني للمسؤولية؛ إلى جانب الجهود السلطانية التي تريد بشتى السبل الوصول إلى مختلف النشاطات، لإفراغها من محتواها، أو توجيهها نحو مسارات لاتشكل خطراً على أهل الحكم والحاشية عبر ترسيخ الشك والتردد.

لكن الآمال تتعزز، والثقة بالحس السليم الذي يتميّز به شعبنا السوري على الرغم من عذاباته المتراكمة كبيرة، ثقة تدفع بالمرء نحو إنتظار المنشود على الرغم من آلام المخاض العسير.
وما يشجع أكثر، يتشخص في الآفاق المرتقبة للتغيرات الديمقراطية في كل من لبنان والعراق، تغيّرات تؤدي إلى إستقرار مناخ إقليمي لايستوعب بسهولة أنظمة استبدادية تصارع ضد التيّار، لاتريد أن تفهم أنها باتت من منظومة الماضي، تأبى الإعتراف أن مستقبل الأجيال، بما في ذلك أجيال أبناء الحاكمين عنوة، وأجيال حزب الله، أجيال سائر مكونات شعوب المنطقة وأديانها وطوائفها، يتوافق مع التغيير الديمقراطي السلس الذي سيلزم - بتفاهمنا واتفاقنا- القوى التي تقتات سلطاتنا من معارك التصدي الوهمي لها بإحترام إرادة الشعوب، طالما أن ذلك لن يهدد المصالح المشتركة، ويفسح الطريق أمام صيغة جديدة من التعامل والتفاعل الحضاريين بين مختلف الشعوب والأديان في إطار دول عالمنا المعاصر.

سيناريوهات كثيرة كما أسلفنا، لذلك سنكتفي بالمذكور، وننتظر ما تحمله لنا الأيام.

عبدالباسط سيدا

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف