أصداء

صواريخ حزب الله

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

صواريخ حزب الله بين قنابل ذكية وسياسات غبية (1)

ما أشبه الليلة بالبارحة

فى الثالث من يونيه عام 1982 تعرض " شلومو أرجوف " السفير الإسرائيلى فى لندن لمحاولة إغتيال على يد جماعة " أبو نضال" ( صبرى البنا - القيادى الفلسطينى المنشق عن حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية)، وبعدها بثلاثة أيام فقط بدأ الإجتياح الإسرائيلى على لبنان بقيادة أرييل شارون وزير الدفاع فى حكومة الليكود برئاسة مناحم بيجن.

فى الثانى عشر من يوليو الماضى نفذت عناصر مسلحة من ميليشيات حزب الله اللبنانى عملية فدائية جريئة ضد القوات الإسرائيلية أسفرت عن إختطاف وأسر جنديين إسرائيليين، لمقايضتهم بعدد من الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين فى السجون الإسرائيلية، وفى اليوم التالى شنت إسرائيل هجمات جوية شرسة ووحشية على مناطق الجنوب اللبنانى وعلى الضاحية الجنوبية فى بيروت، وضربت ممرات مطار بيروت الدولى وبعض القواعد العسكرية التابعة للجيش اللبنانى، كما ضربت حصارا بحريا على الشواطىء والموانىء اللبنانية، والحقت الدمار والخراب بالبنية التحتية اللبنانية من محطات كهرباء ومستشفيات وطرق رئيسية وجسور، وقام حزب الله بالرد بإطلاق صواريخ الكاتيوشا على مدن ومستعمرات الشمال الإسرائيلى مثل صفد ونهاريا ومعلوت وكريات شمونة وحيفا وغيرها، ولازالت الحرب مستمرة للأسبوع الرابع على التوالى.

فى الغزو الإسرائيلى للبنان عام 1982 والذى أطلقت عليه إسرائيل إسم عملية " السلام للجليل" كانت الذريعة الإسرائيلية محاولة إغتيال السفير الإسرائيلى فى لندن، ووصلت القوات الإسرائيلية الغازية حتى مشارف العاصمة بيروت وحاصرتها لمدة ثلاثة أشهر، وكانت نوايا إسرائيل فى الغزو وخطتها للحرب مسبقة، مهدت لها إسرائيل بإجتياح الجنوب اللبنانى فى عام 1978 والوصول حتى نهر الليطانى فى إمتداده من الشرق الى الغرب اللبنانى، وعلى مسافة 20 كيلو مترا من شريط الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وأما الهدف المباشر من الغزو فكان مطاردة وتصفية الوجود الفلسطينى المسلح فى جنوب لبنان والذى كان يمطر المستعمرات فى شمال إسرائيل بصواريخ الكاتيوشا، بعد أن تحول هذا الوجود إلى أشبه ما يكون بدولة داخل دولة دون مراعاة لحقوق السيادة للدولة اللبنانية على كامل التراب الوطنى، على يد عناصر وجماعات فلسطينية مسلحة وجدت فى لبنان الملجأ والملاذ بعد فرارها من جحيم مذابح أيلول الأسود فى سبتمبر 1970 التى شنها الملك حسين ضد الفلسطينيين المسلحين فى الأردن عندما شعر العاهل الأردنى أنهم أصبحوا أيضا دولة داخل الدولة، وكانت بعض المنظمات الفلسطينية فى تلك الآونة ترفع شعارات غريبة لا يمكن أن تخدم القضية الفلسطينية العادلة مثل " الطريق إلى القدس يمر عبر عمان" أو " الطريق إلى القدس يمر عبر بيروت " أو عبر القاهرة أو دمشق أو بغداد، وأرتكبت المنظمات الفلسطينية المسلحة أكبر خطيئة فى حق ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون فى المخيمات منذ عام النكبة فى 1948 حين سمحت لنفسها أن تكون أداة فى يد الأنظمة العربية المختلفة فى صراعاتها فيما بينها، ومزايداتها وتجارتها بالقضية الفلسطينية والتى تقدموا بها كثيرا وطويلا ولكن فى الإتجاه المعاكس.

وكان هدف إسرائيل النهائى من غزو لبنان هو إبرام إتفاقية سلام بين إسرائيل ولبنان، وهو الهدف الذى لم يتحقق حتى الآن وإن كان لا يزال ضمن أهداف إسرائيل السياسية.

وفى الحرب الحالية كانت الذريعة إختطاف الجنديين الإسرائيليين، وهنا لا بد من وقفة لتوضيح نقطة أجدها هامة وضرورية:

مسألة إختطاف جندى أو عدد من الجنود بين أى دولتين فى حالة حرب قد تبدو مسألة عادية ولها سوابق كثيرة فى تاريخ الحروب بين الدول إلا فى حالة إسرائيل.. لماذا؟!!

السبب هو أن إسرائيل تختلف عن باقى الدول ليس لأن " على رأسها ريشة " كما يقول التعبير العامى المصرى، ولكن لأن من مقومات إنشاء الدولة - أى دولة - أن يكون لها حكومة وجيش نظامى وعلم وعملة نقدية خاصة... الخ، أما بالنسبة لإسرائيل فإن تأسيس الجيش سابق على إقامة الدولة، ونواة الجيش الإسرائيلى هى عصابات " الهاجانا" التى أصبحت فيما بعد جيش الدفاع الإسرائيلى، فالجيش إذن هو الذى أقام الدولة وليس العكس، وأى مساس بجندى إسرائيلى هو مساس برمز المؤسسة العسكرية والتى تتمتع بإحترام وقدسية خاصة فى داخل المجتمع الإسرائيلى، وبالتالى هو مساس بكيان الدولة ذاتها، وعلى الرغم من أن نظام الحكم فى إسرائيل نظام برلمانى ديمقراطى - إلا أن الحاكم الفعلى فيها هى المؤسسة العسكرية، والتى كادت أن تطيح بحكومة ليفى أشكول فى إنقلاب عسكرى قبيل حرب الأيام الستة فى 1967، ومن لديه شك فى هذا فليطالع مذكرات عزرا وايزمان ( والذى كان من أشد الصقور وقتئذ ) وكبار القادة العسكريين الإسرائيليين، والمناقشات الحادة التى جرت بين العسكريين والزعماء السياسيين قبيل إتخاذ قرار الحرب.

كذلك فإن قادة إسرائيل وأنصارها يرددون دائما مقولة بن جوريون الشهيرة " أن العرب يمكن أن يخسروا عشرات الحروب مع إسرائيل ويبقوا، أما إسرائيل فإن هزيمتها فى حرب واحدة يعنى النهاية لها كدولة "...، ولذا فإن ردودها العسكرية غالبا ما تتسم بالمبالغة والوحشية كمن يستخدم مدفعا كى يقتل بعوضة لأنها تعتمد سياسة الردع ولكن على طريقتها، فهى لا تكترث بالقوانين والأعراف الدولية وقوانين الحرب طالما كانت تتمتع بتأييد الحليف الأمريكى الكامل وتحقق أهدافها فى النهاية.

فى حرب إسرائيل الحالية فإن إختطاف الجنديين الإسرائيليين هو الذريعة، ورغم حرصها الشديد على حياة جنودها للأسباب التى شرحناها فإنها أيضا لن تتردد فى التضحية بهما أو بالجندى جلعاد شاليت الذى إختطفته عناصر مسلحة من حركة حماس إذا كان ذلك من شأنه أن يمنحها ذريعة جديدة تمكنها من تحقيق أهداف عسكرية وسياسية كبيرة، وأما الخطة العسكرية فهى معدة سلفا منذ أكثر من عام، والإعداد لها بدأ بعد الإنسحاب الإسرائيلى من جنوب لبنان فى عام 2000، وأما الهدف المباشر من الحرب فهو تصفية ميليشات حزب الله أو نزع سلاحه وإغتيال أمين عام الحزب حسن نصر الله، وخلق منطقة عازلة فى الجنوب البنانى لمسافة 20 كم من شريط الحدود وحتى نهر الليطانى، تتواجد فيها قوات دولية ليس من قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة وإنما من حلف شمال الأطلنطى.

فى أثناء الإجتياح الإسرائيلى للبنان عام 1982 رفض الرئيس الأمريكى رونالد ريجان كل النداءات العربية والدولية التى طالبت بوقف إطلاق النار،..
وبعد القصف البربرى الوحشى الإسرائيلى على بيروت وحصارها نجحت الضغوط المصرية والسعودية فى إقناع الرئيس الأمريكى ريجان بالتدخل شخصيا لكبح جماح الآلة العسكربة الإسرائيلية المنفلتة العيار بقيادة شارون، فأجرى إتصالا هاتفيا مع مناحم بيجن رئيس الوزراء الإسرائيلى طالبا منه وقف إطلاق النار، وبعد محاولات مراوغة ومماطلة من بيجن نفذ صبر ريجان وقال لرئيس وزراء إسرائيل : " أريد الوقف الفورى لإطلاق النار والآن"،.. ولم يترك ريجان الهاتف إلا بعد أن وصله إخطار من السفارة الأمريكية فى بيروت بوقف إطلاق النار، ونجحت الجهود الدبلوماسية المصرية السعودية فى تأمين خروج قوات المقاومة الفلسطينية من بيروت ولبنان سالمة إلى المنفى فى تونس على سفن، وفى حماية سفن حربية مصرية بعد أن حصلت مصر على وعد أمريكى بعدم تعرض إسرائيل للقوات الفلسطينية وياسر عرفات وهى فى عرض البحر.

فى الوقت الذى خرجت فيه المقاومة الفلسطينية من لبنان، ولدت المقاومة اللبنانية المتمثلة فى حزب الله من رحم الغزو الإسرائيلى على لبنان فى عام 1982، وكان الشاب اللبنانى الشيعى حسن عبد الكريم نصر الله البالغ من العمر 22 عاما أحد الذين انضموا إلى صفوف المقاومة اللبنانية، وهو شاب يجمع بين صفتى رجل الدين والثائر المناضل المقاوم للإحتلال، الذى يتمتع بشخصية " كاريزماتية" جعلت منه مثلا يحتذى
به آلاف الشباب اللبنانى من الطائفة الشيعية الذين انضموا إلى صفوف المقاومة، وأعطوا الحزب ونصر الله ثقة تكاد تكون مطلقة.

فى عملية السلام للجليل فى عام 1982 تكبدت إسرائيل خسائر فادحة فى الأرواح والمعدات، فقتل لها نحو خمسمائة جندى إسرائيلى، وكانت أكبر خسائر فى الأرواح تتكبدها إسرائيل منذ نشوب حرب أكتوبر 1973، وبإستثناء نجاحها فى خروج قوات المقاومة الفلسطينية من لبنان، فإن الغزو الإسرائيلى على لبنان لم ينجح فى تحقيق أهدافه السياسية، وإنما نجح فى إستبدال المقاومة الفلسطينية بالمقاومة اللبنانية ( حزب الله).

فى سن مبكرة أدرك حسن نصر الله أنه لا سبيل لتحرير لبنان من الإحتلال الإسرائيلى سوى بالمقاومة واستنفار روح الجهاد والإستشهاد، وتحويل مجاهدى الحزب إلى قنابل بشرية، بعد أن فقد الأمل فى الأنظمة العربية الحاكمة وفى الأمم المتحدة وقراراتها التى لا تنفذ إلا إذا كانت فى صالح إسرائيل، وكان مثله الأعلى الإمام الخمينى ورجال الحرس الثورى الإيرانى، والتجربة الناجحة للثورة الإيرانية كلها،.. وفى عام 1992 أصبح حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله بعد أن اغتالت إسرائيل سلفه عباس الموسوى.

فى الحرب الحالية بالغت إسرائيل فى رد فعلها العسكرى ضد حماس فى غزة وضد حزب الله فى لبنان بقصف وحشى بربرى ومذابح ضد المدنيين من الشيوخ والنساء والأطفال من الشعبين الفلسطينى واللبنانى مستخدمة قنابل ذكية أمريكية الصنع موجهة بآشعة الليزر، على أمل تأليب هذين الشعبين ضدهما، غير أن هذه السياسة الغبية أحدثت نتائج عكسية، فحرب إسرائيل ضد حماس أسفرت عن تلاحم وتضامن حركة فتح مع حركة حماس، وبدلا من أن تؤدى حربها الجارية ضد حزب الله إلى إندلاع حرب أهلية جديدة فى لبنان حدث العكس، بل وزادت شعبية حزب الله فى العالم العربى كله خاصة بعد نجاحه فى إطلاق ما يزيد عن 3500 صاروخ حتى الآن فوق مدن الشمال الإسرائيلى وإجبار حوالى مليونى إسرائيلى على العيش فى المخابىء طوال الأسابيع الثلاثة الماضية.

وبالرغم من كل ما سبق فإن الحرب الجارية بين حزب الله وإسرائيل تختلف عن كل الحروب العربية - الإسرائيلية السابقة، ودون أى مبالغة فهى أخطر جولات الحروب فى الصراع العربى الإسرائيلى ليس فقط لما وقع خلال الأسابيع الثلاثة الماضية وحتى الآن، ولكن لما يمكن أن تتطور إليه هذه الحرب بعد أن تغيرت عناصر كثيرة فى معادلة الصراع، وهذا ما سنوضحه فى الحلقات القادمة بإذن الله.

مسعد حجازى

كاتب وصحفى مصرى - كندى

Mossad_Hegazy@hotmail.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف