أصداء

الفلفل والشطة وجلد الذات

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

لا تقرأ هذا المقال الا اذا زهقت من قراءة المقالات السياسية والتحليلات الهامة. هذا مقال غير مهم ويبحث في موضوع لا علاقة له بالسياسة. واعتذر سلفا اذا وجدت المقال لا يلبي طموحاتك السياسية والقومية.

بعد كل مقال سياسي سواء كان عن الارهاب او عن حماس او انتصارات حزب الله او الفشل العربي استلم رسائل بالايميل او الهاتف بعضها يؤيد وبعضها يتحفظ وبعضها يهاجم وهذا اثبات للنظرية التي تقول ارضاء النا س غاية لا يمكن تحقيقها.

اريد هذه المرّة أن أجرّب حظي في تجنب الانتقاد والثناء في هذا المقال الذي ليس له اي مغزي سياسي ولكني أتوقع تعليقات مثل أن الناس مشغولة بوقف اطلاق النار والشرق الاوسط الجديد وانت مشغول بالفلفل.

في زيارة للقدس القديمة عام 1993 ذهبنا لزيارة المسجد الأقصى والصخرة المشرفة وكانت الحراسة مشددة في الساحة خارج قبة الصخرة وكان الحراس من العرب المسلمين يرتدون لباس خاكي شبه عسكري وكانوا يحملوا اجهزة اتصال لاسلكي تشبه موبايل فون (جوال) ضخم. وكان أحدهم يصرخ بصوت عالي باللغة العربية موجها كلامه للجهاز. شعرت حماتي التي لا تتكلم العربية بالوجل وخافت ان يكون هناك عملا ارهابيا او غير ذلك. قلت لها دعني استمع لما يقول. وبعد نصف دقيقة طمأنتها ان كل شيء على ما يرام. وقالت لماذا كل هذا الصراخ والصوت، قلت لها "يبدو انه ارسل زميل لها لشراء ساندويش فلافل وكان يصرخ عليه بأن يضع شطة زيادة على الفلافل".

في الاسبوع الأول من أغسطس آب كل صيف يعقد في أحد مزارع مقاطعة ساسيكس جنوب غرب لندن مهرجان الفلفل والشطة. الموقع مزرعة مساحتها لا تزيد عن كم مربع واحد في منطقة طبيعية خلابة تبعد حوالي 110 كم جنوب غرب العاصمة البريطانية. (West Sussex)


قبل زيارة المهرجان كنت أعتقد ان هناك 3 انواع من الفلفل وهي الأخضر اللون والأحمر وكلاهما يحرق الفم وفلفل كبير الحجم الذي لا يحرق والذي نسميه الحلو. وكنت أيضا أظن أن هناك نوع واحد من الشطة الحمراء التي كانت وربما لا تزال تضاف الى سندويشات الفلاقل وهذا كان الساندويش المفضل بعد الخروج من قاعة السينما واحيانا قبل الدخول واحيانا اثناء عرض الفليم، هذا في حقبة تاريخية ذهبت للأبد ولن تعود.


وعندما تصل الى المزرعة وتبدأ بالتفتيش والتفحص تدرك انك محدود المعرفة. وفعلا شعرت بالخجل للجهل المطبق والسذاجة في أمور الفلفل والشطة.

وخلال جولة استغرقت ساعة ونصف في المعرض الزراعي وتذوقت أكثر من 20 نوع من الشطة رغم تواجد أكثر من 250 نكهة ومزيج ولون مختلف ودرجات الحروقة المتفاوتة من المعتدل الى الحار جدا الذي يجعلك تركض لشراء مشروب بارد كأن هناك مؤامرة أحاكتها السي آي أيه بين بائعي الشطة وبائعي المشروبات الباردة. وفي نهاية الجولة اشتريت 4 مطربانات صغيرة تحتوي على اربع انواع من الشطة الحارقة. هناك شطة حمراء وصفراء وخضراء اللون وبنكهات من الحروقة يمكن وصفها بالمعتدل والحار والحار جدا والحار الذي لا يطاق. وهناك الشطة البنية الغامقة والفاتحة والصفراء وبدرجات متفاوتة من المذاق الذي يشعل الفم لهبا وشرارا.

من الاصناف المتوفرة شطة مع الثوم. وشطة مع الزنجبيل وشطة مع الليمون. وشطة ممزوجة مع شطة أخرى لخلق مزيج يسيل الدموع ويجعلك تندم على زيارة المهرجان. هناك شطة مطحونة وشطة مفرومة وشطة مسحوقة وشطة مهروسة وشطة معجونة ومدروسة. وشطة ممزوجة مع لب فاكهة ومع ططلي. والاحتمالات ومزيج النكهات لا حصر لها ولكن القاسم المشترك الأعظم بين النكهات المختلفة هو العقاب الجماعي للزوار.

وهذا ليس كل شيء وعندما تدخل ما يسمى (غرين هاوس) بيوت الزراعة الزجاجية وهنا تجد مئات العينات للفلفل وبعضها يحمل اسماء لاتينية من الصعب ترجمتها والبعض الآخر يحمل اسماء رومانسية تشير الى الشكل والنوع والحجم ودرجة حرق الفم. ومن الاسماء التي تكتشفها:

مخلب الديك: فلفل أحمر صغير يشبه المخلب وشديد الحروقة.

قرن الثور: فلفل طويل ومعقوف يشبه القرن وهذا مرغوب في ايطاليا.

القلنسوة الاسكتلندية: ورغم ذلك فهو فلفل صيني شديد الحروقة ولاذع.

أما الشمع الأحمر المجري (الهنغاري) معتدل الحروقة يصلح للقلي مع الخضروات.

قنبلة الكرز ليس لأنه يشبه القنبلة بل لأن مفعوله تفجيري داخل الفم.

هابانيرو الكوبي وهذا هو الفلفل من الجحيم.

ناهيك عن الفلفل الحلو المتجعد (الترجمة الحرفية الفلفل الاحمر المتجعد مثل الشيخ العجوز)

وفلفل بيرو البرتقالي (اشارة لبيرو في اميركا الجنوبية)،

فلفل الجرس الأحمر (عل شكل الاجراس الصغيرة)،

فلفل ذنب الجردون (فلفل طويل ومعقوف جزئيا مثل ذنب الفأر الضخم)

فلفل "سانتا في" على اسم المدينة المشهورة في ولاية نيو مكسيكو

الرصاص الأحمر (فلفل من زيمبابوي عل شكل رصاص المسدس ولونه أحمر) لكي تستطيع أكل هذا الفلفل يجب ان يكون الفم مبطنا بالاسبستوس او اي مادة عازلة.

ولا يمكن سرد كل الانواع والأسماء والاشكل وهذا يحتاج لعدد من الصفحات.

ورأيت مئات الزوار يتذوقون الشطة و يتجولوا بين البسطات للمزيد من العقاب وجلد الذات. وما عليك الا ان تنظر الى الوجوه لتعرف درجة الحروقة في فمهم. التذوق ليس حاف بل تضع كمية ضئيلة على شقفة بسكويت او خبز صغيرة وتنتقل من بسطة الى بسطة وهناك عشرات البسطات اي انها مهمة صعبة للغاية ومرهقة في صيف آب الحار ثم تتناول غذاء سريع والذي يحتوي شطة او فلفل وتقعد تحت الشجر على ضفاف جدول ماء وبجانبك سطل من الكولا او الماء لتخفيف ألم الحروقة ثم تعود الى منزلك الذي يبعد ساعة ونصف في السيارة راضيا مرضيا والشرار يطلع من عينيك. وتحلف يمينا وشمالا أنك لن تعود لهذا المهرجان حتى لو كان الدخول مجاني.

وقررت عدم زيارة هذا المهرجان في المستقبل الا في حالة واحدة اوهي اذا كان عندي ضيف واريد أن اتخلص منه بسرعة سأجرّه الى المهرجان ليذوق طعم الضيافة الحقيقي.

للعلم الفلفل والشطة غنية بالفيتامينات مثل فيتامين سي. والكاروتينات وعناصر كيماوية تساعد في مكافحة البكتيريا والسموم ومقاومة للتأكسد والتي يعتقد أنها تقاوم بعض امراض القلب وبعض انواع السرطان ويحتوي الفلفل فيتامين ي والفلفل والشطة مصدر جيد لفيتامينات بي وأملاح البوتاسيوم. وقراءة هذه المعلومات في نشرات الدعاية للمهرجان طمـأنتني نوعا ما ولكن طعم الحروقة جعلني أنسى الفوائد الطبية.


نهاد اسماعيل

لندن
Nehad ismail، London، UK

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف