إعادة قراءة الوهم
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
منذ أن وضعت الحرب الإسرائيلية على لبنان أوزارها، والرأي العام العربي مشدوه بنتائج تلك الحرب المجنونة التي لم تكن ترتكز على منطق عقل او على توازن قوى ولا حتى ما اصطلح علي تسميته بتوازن الرعب، حيث جرت تلك الحرب بين ميليشيات دينية ممثلة بحزب الله مدعومة من إيران عسكريا وماديا ودينيا، ومن سوريا سياسيا واستراتيجيا. وبين جيش (حكومي) جرار، مدعوم من أمريكا عسكريا بشكل كامل ومن بريطانيا لوجستيا. هذه الحرب كانت وما زالت بمثابة دعوة لاعادة قراءة الوهم الإسرائيلي الذي لا يقهر من جديد والجيش الإسرائيلي والقوة الإسرائيلية.
بادئ ذي بدء لم نكن يوما مع إقامة دولة داخل دولة في أي بقعة من العالم الجميل،لا تجربة حزب الله في لبنان اليوم، ولا المنظمات الفدائية في الأردن قبل معركة الكرامة وما تلاها، ولا التجربة الصدرية في العراق الحديث بعد سقوط بغداد عام 2003 أو قبلها البشمرقه الكردية في شمال العراق. كذلك لسنا مع سيادة فريق على آخر من مكونات الدولة اللبنانية، الا ان نتائج الحرب كانت المفاجئة الكبرى للدارسين في العلوم العسكرية وموازين القوى بين الفرقاء المتحاربين، فبالرغم من ان بداية الحرب كانت بسب اسر جنديان إسرائيليان من قبل حزب الله دون علم القيادة السياسية والعسكرية اللبنانية، الا ان الحرب فرضت على الجميع في لبنان الشرعية اللبنانية وميليشيات حزب الله، وهذا ما فسر احتجاج بعض الدول العربية على اعتبار ان ما قام به حزب الله هو توريط للنظام العربي الذي بات غير مستعد لمثل تلك المغامرات حتى بمن فيهم تلك الدول التي ما زال لها ارض محتلة من قبل اسرائيل.
الجديد في هذه الحرب هو ان القلة المؤمنة بقضيتها مهما كانت القضية المدافع عنها ومهما كان انتمائها المذهبي او الطائفي استطاعت هزيمة الكثرة المعتدية مهما كان عددها وعتادها، حيث قدر عدد عناصر حزب الله الذي شارك في الحرب بين 1000 و15000 مقاتل وهنا يستغرب القارئ ان قدير حزب الله بهذه الطريق، إذا لا أحد يملك معلومات مفصلة عن هذه الميليشيات لأنها تحيط نفسها بسرية تامة والدخول بصفوفها أشبه ما يكون بالكهنوت السري في المراتب الدينية الكهنوتية المقدسة، حيث يخضع الفرد المختار لهذه القوات لتقصي شديد عن خلفيته الاجتماعية وأصوله وانتماءاته، ثم اذا ما ووفق عليه يخضع لدورة تدريبية عسكرية وعقائدية شاقة لمدة عام يصبح بعدها عنصرا مقاتلا يحاط بهيبة ووقار الحزب الذي ينتمي إلية مع امتيازات مالية واجتماعية. من هنا يصعب معرفة عدد المقاتلين المشاركين في المعركة الأخيرة والعدد الكلي لكوادر حزب الله.
ان ما نود الانتهاء أليه في هذه العجالة هو ان ما سطره المقاومون اللبنانيون في حربهم الأخيرة مع الجيش الإسرائيلي كان مفاجئة الحرب، حيث كنا كعرب ومنذ ان بدأنا مقرعة إسرائيل في العام 1948 ونحن مسكونين بهاجس الرعب الإسرائيلي، وان إسرائيل صاحبة الجيش الذي لا يقهر وعندما هزمنا في حرب الأيام الستة تعزز لدينا هذا الوهم، وفي عام 1968 شكك العرب بمصداقية الانتصار الأردني- الفدائي لانه وتحت وطأة تأثير وهم القوة الإسرائيلية لم نعد نثق بأنفسنا ولا بقواتنا ولا بزعاماتنا وقادتنا، استطاعت تلك الأسطورة الكذبة التي خلقناها وآمنا بها وبتنا ندافع عنها بان إسرائيل لا تقهر حتى أرغمونا و قادونا إلى سلام هزيل في كامب ديفيد ومدريد وأوسلو ووايبلانتيشن وغيرها الى ان جاء حزب الله في المرة الأولى ودحر إسرائيل من جنوب لبنان تحت وطأة نيران المقاومة حيث انهزم الجيش الذي لا يقهر في وضح النهار تاركا وراءه آلاف العملاء من جيش لبنان الجنوبي المتعاون معها ولم يستطع حتى من الصمود لاعطاء أصدقاءه الفرصة للنجاة بأنفسهم الا ان هذه الهزيمة سجلت عربيا على أنها انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان وليس انتصارا للعرب المقاومين، لاننا ما زلنا مسكونين بوهم التفوق الإسرائيلي، وبقينا غير مصدقين الى ان جاءت حرب الاسابيع الاربعة فكانت الشهادة بوفاة وهم القوة الإسرائيلي وشهادة ولادة للكرامة العربية المجروحة أمام إسرائيل.
نحن اليوم في اشد الحاجة لاعادة قراءة الوهم الإسرائيلي الذي خلقناه في أدمغتنا بأنفسنا، ومحاولة التحرر والانعتاق من هذا الوهم الخبيث الذي صدقناه، فالطائرة اذ لم تجد من يقودها بشجاعة تبقى كومة حديد والدبابة اذ لم يقدها مقدام شجاع تبقى ناقلة أفراد او حافلة للمواصلات.
ان إسرائيل وبرغم الدعم الأمريكي لها لم تستطع ان تحقق أي من أهدافها التي شنت الحرب من اجلها فلم تطلق سراح الأسيرين الإسرائيليين ولم توقف الصواريخ عن إسرائيل ولم تبعد المقاتلين عن الحدود، لقد استطاعت فقط ان تدمر الأرض والإنسان، لكنها رفعة من الروح المعنوية للإنسان العربي حينما بات يرى اليهود يتصايحون تحت لهيب النيران العربية.
أنها دعوة لكل العرب لتبديد الوهم الكاذب والخوف الكاذب من إسرائيل وخصوصا من هم ما زالت بلدانهم محتلة، فالحجارة وخطوط الهدنة والمعارك الكلامية، والخطابات النارية لا تعيد أوطانا ولا تحرر شعوبا دمرت أخلاقها تحت نير الاحتلال، فهل نعي الدرس ونجتهد ام نبقى حبيسي أفكارنا القديمة ونسير من هزيمة إلى أخرى؟
الدكتور منور غياض ال بعات