كتَّاب إيلاف

قضية رأي عام رغما عن أنوفنا

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بدت مقدمة مسلسل ( قضية رأي عام ) شبيهة من حيث الإثارة، بمقدمة أفلام الممثل الأمريكي آرنولد شوارزينجر التي تبدأ أحداثها عادة بإثارة وتشويق عالية الإتقان،حيث بدأ المسلسل أيضا بداية مشوقة خصوصا بالنسبة للنساء وهن يشكلن النسبة الأكبر من متابعات المسلسلات الرمضانية، بعرض مشهد طويل نسبيا لحادثة إغتصاب جماعية مدخلا لقضية لم تتحول إلا في الحلقات الأخيرة من المسلسل الى قضية ( رأي عام ) ورغما عن أنوفنا.فقد وفق المؤلف في جذب المتلقي الى الشاشة الصغيرة لمتابعة المسلسل طيلة أيام الشهر الفضيل رغم كساد بضاعته.


أنا عن نفسي لست معتادا على متابعة المسلسلات حتى الرمضانية ما عدا التاريخية منها، ولكني أضطر في بعض الأحيان الى ذلك بسبب متابعتها من قبل أبنائي وبناتي. وكما قلت فإن بداية هذا المسلسل شدني مثلهم للمتابعة رغم معرفتي الأكيدة بأنه سيبحث في مسألة مكرورة مئات المرات سواء على الشاشات أو الصحافة المقروءة.


فتاة أو مجموعة فتيات يتعرضن الى إغتصاب ( وحشي)،ودائما على يد واحد أو أكثر من شباب منحرفين يتعاطون المخدرات والحشيش، ويفترض دائما أن يكون بين المغتصبين أحد أبناء المسؤولين أو المسنودين لتعرية نظام أو شخصية سياسية مثل ( شكري جلال) لتصوير البيئة الفاسدة التي يعيشون فيها. وفي المقابل يجب أن تكون المغتصبة إما ( خرساء)، أو فقيرة، أو صعيدية، أو إمرأة حامل لإضفاء طابع ميلودرامي للعمل الفني وكسب تعاطف الرأي العام من خلال إظهار الحادث كصراع أزلي بين الطبقة الدنيا المعتزة بشرفها وقيمها وبين الطبقة العليا المستهترة بتلك القيم في المجتمع، بمعنى أدق،تصوير العملية كصراع سياسي طبقي، ( إبن الوزير) مقابل البنت الصعيدية أو الفقيرة، مع العلم أنه كان بالإمكان ولو لمرة واحدة تصوير شخصية الوزير بشكل إيجابي، كأن لا يفعل شكري جلال ما فعله من اللجوء الى وسائل وضيعة من خلال أحابيل محاميه، أومن خلال تورطه في جرائم القتل دفاعا عن إبنه ( قتل المغتصبة سميحة) داخل المستشفى، وأن يرضى بأن يأخذ القانون مجراه من دون تدخل منه أو إستغلال منصبه السياسي، لأنه كان يعرف أن إبنه منحرف يتعاطى المخدرات يفترض أن يلقى عقابه على جريمة إنتهاك عرض الآخرين.


ولا أدري لماذا يلجأ الإبن الوحيد المدلل للوزير شكري جلال بملياراته المسروقة والمختلسة الى إرتكاب جريمة إغتصاب، وهو بإمكانه أن يتمتع بالجنس في الملاهي والكباريهات وفنادق الخمس نجوم المنتشرة في طول مصر وعرضها.


المشكلة الأزلية للمسلسلات الرمضانية هي المط والتطويل غير المبررعلى الإطلاق، فلا أدري لماذا يجب أن تكون جميع مسلسلات رمضان بثلاثين حلقة لا يعطون فيها مجالا للتنفس؟!. وهذا المسلسل الذي تحدث عن مسألة مكرورة بشكل غير منطقي، كان بالإمكان إختصاره الى 15 حلقة، فنهايات سرد مثل هذه الأحداث معروفة ومكرورة بدورها، وهي إحالة أوراق المتهمين الى حضرة المفتي، أي الإعدام، والسجن لعشر سنوات أو أكثر بحق سيادة الوزير ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة، وكذلك السجن بحق الشهود الذين خضعوا لإبتزاز أو إستغلال نفوذ الوزير،وختم المسلسل بإبراز مظاهر الفرح لإنتصار الدكتورة عبلة على الوزير الفاسد.الخير ضد الشر!.


فهناك الكثير من الإطالة المتعمدة للمسلسل، فعلى سبيل المثال، ما علاقة خروج إبنة العميد محمود رشاد مع الضابط الشاب الذي يعمل عنده في المباحث الى الكازينو لعقد علاقة بينهما، وما علاقة وقائع خطبتها بأحداث المسلسل التي تبحث في واقعة إغتصاب ثلاثة طبيبات؟!.


هذه الإطالة المتعمدة التي تكررت في معظم المشاهد أوقعت مؤلف المسلسل في أخطاء فظيعة لا يمكن غفرانها. ففي إحدى الحلقات أصدر النائب العام قرارا الى الصحف ووسائل الإعلام بعدم التطرق الى أسماء الضحايا أو نشر صورهن، ولكن بعد حلقتين مباشرة أطل السيد الوزير شكري جلال على شاشات التلفزيون ليتحدث في الواقعة، بل ويشتم في المقابلة الدكتورة عبلة أمام ملايين الناس ويصفها ( ما عندهاش ذرة من الأخلاق)؟!، وهذه الشتيمة التي مر عليها السيد المؤلف محسن الجلاد يعتبر وفق القانون الجنائي جريمة يعاقب عليها القانون في بند ( القذف والشتم)؟!.


بل أن السيد المؤلف كررها بخطأ آخر عندما أحل الدكتورة عبلة على شاشات التلفزيون هذه المرة لتدافع عن نفسها.. أعتقد أن هذا الخطأ الفظيع الذي وقع فيه المؤلف جاء بسبب إختياره لعنوان المسلسل ( قضية رأي عام) فهو أراد بإطلالة طرفي القضية على الإعلام أن يجعل من حادثة الإغتصاب قضية رأي عام بعد 27 حلقة من تجاذبات التحقيق في القضية، وهذا يوحي بإعتقادي بفشل القانون في الإقتصاص من الجناة، واللجوء بدل ذلك الى الرأي العام لكسب تعاطفه مع الضحايا، وإلا ما حاجة عرض القضية على الرأي العام والتحقيقات ما زالت مستمرة ولم تكتمل بعد سواء بالرفض أو الإحالة الى المحكمة؟!. أن طرح الموضوع مباشرة الى الرأي العام عبر وسائل الإعلام رغما عن أنف السيد النائب العام كان طرحا ساذجا أقحم بأحداث المسلسل لمجرد العنوان الذي أراد منه المؤلف أن يكون ( قضية رأي عام)..


ينبغي التساؤل عن أسباب إثارة المسلسل لإختلاسات الوزير التي بلغت مليارات الجنيهات والتي نشرتها الصحافة كفضيحة مدوية، ومن ثم السكوت عنها؟!. فأين الدولة من كل تلك الإختلاسات التي تعتبر جريمة قانونية؟!. وكيف سكتت الدولة عنها وقد نشرت في الصحافة على نطاق واسع كما حدثنا المسلسل بذلك؟!. هل يعقل أن تترك الدولة وزيرها المختلس يتنعم بالمليارات من دون محاسبته أو إقصائه؟؟!.


كل هذه الملاحظات على المسلسل الذي أضاع مني وقتا كثيرا بمتابعته، تجعلني أن أثبت على موقفي من عدم جدوى متابعة المسلسلات الرمضانية التي تحتل مساحة كبيرة في القنوات الفضائية، والتي يتبارى النجوم على الظهور فيها من دون أن يحترموا نجوميتهم، وكأن شهر رمضان وحده الذي يخلق النجومية للفنان لكثرة متابعتها من قبل المشاهدين، أو كأن الإستمرارية هي وحدها التي تضمن نجاح الفنان، في حين أن العبرة عندي ليست في الكمية، بل في نوع ما يقدمه الفنان من أعمال؟!.


بقيت مسألة واحدة أود أن أشير اليها في هذا المقال، وهي مسألة الإعلانات التي رافقت عرض المسلسل في قناة ( دبي) الفضائية، فمن مجموع ساعة واحدة تم تخصيص نصفها لبث الإعلانات بمعدل خمس دقائق لإعلان مقابل خمس دقائق لعرض للمسلسل؟؟!!. وقد أبدى أطفالي تذمرا من كثرة تلك الإعلانات، ولكني أفهمتهم أن الشركات المعلنة عن بضائعها هي التي ترعي المسلسل، بمعنى أن القناة تغطي تكاليف شرائها للمسلسل من إيرادات تلك الإعلانات، ولكني أود أن أهمس في أذن أصحاب تلك الشركات أن أولادي وكل من زرتهم في شهر رمضان وهم يتابعون المسلسلات الرمضانية كانوا يديرون القنوات التي يتابعون مسلسلاتها الى قنوات أخرى بمجرد ظهور الفواصل الإعلانية، ويستغلون تلك الفواصل للبحث في القنوات الأخرى عن أغنية أو خبر ثم يعودون الى القناة بعد إنتهاء تلك الفواصل، بمعنى أن كل الأموال التي صرفتها وتصرفها الشركات للإعلان عن منتوجاتها تذهب هباءا منثورا، لأن لا أحد من أفراد الأسرة يراها. وأقيس الموضوع على حالي، فبرغم شهر كامل من بث تلك الإعلانات لم يطالبني إبني أن أشترى له معجون الأسنان ( سنوسداين واقي المينا ) رغم عرض إعلانه لأكثر من 180 مرة خلال عرض مسلسل قضية رأي عام؟؟!!.

شيرزاد شيخاني

sherzadshekhani@yahoo.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف