بابُ الحارةِ الذي لم يُفتح 1-2
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
(في داخل كل واحد منا غرفة يسكنها)
فرانز كافكا
لقد تجولت في الحارة والتي اصبحت لي غرفة( كافكوية ) سكنت داخلها ولامست كثيراً من ايقاعات الحياة فيها، وتهربت من تسلسل الاحداث تحاشيا من الوقوع في فخ الرتابة التي تستهلك روح الحدث وتخفي علينا الكثير من آلياته. فضاءات الحارة المغلقة على ماحولها سوى السماء التي تدخل البيوت مع الشمس، فنساء الحارة يعرفن مواقع النجوم اكثر من تلافيف طرقات حارتهن ويسمعن همس الملائكة والشياطين في حين لا يصل الى مسامعهن من صخب مقهى الحارة شئ، حتى الخبز يفتش خشية اختلاط رائحته برائحة اشياء غريبة اخرى كالحب او الامل، فالحارة مغلقة مع سبق الإصرار وعلى الرغم من قرار(العكيد) بفتح بابها، فالباب انما يفتح للخيل وفرسانها لما تحمله من سطوة ذكورية تحاول مقولة الأرض والدفاع عنها لجم عنفوانها، فالأرض مؤنثة يجب سترها والذود عن عذريتها بالشوارب المندلعة وليس بالسلاح، إذ لو كان السلاح هو الأول لصنعه رجال الحارة المغلقة ولم يطلبوه من ( ابو طوني ) في حين الشوارب صناعة الحارة بامتياز وكل شعرة منها تخترق الزمن لتتواصل مع عنترة الفحل وأبي زيد الهلالي فاذا ما تحركت تحرك التاريخ وصاحت القصائد المطولة. وتبقى النساء دوائرعمياء مدرعة باللون الأسود العصي على اية ومضة تُفتح في جداره العتيد، محمَّلاً بكل ما لهذا اللون من دلالات نمطية تحيل الى الحزن والموت والالغاء وطمس الوجود، وجود المرأة الذي ترك اثره في كل جزء من اجزاء القرية والمدينة لا سيما في منشآتها المادية بما تحويه من الاسيجة الواقية والاسوار وصهاريج الماء وصوامع الحبوب ومخازن الغلال وهذه كلها تنطوي على معان رمزية لم يستطع التحليل النفسي الكشف عنها إلاّ مؤخراً، وهذا ما اشار اليه الناقد المعماري الكبير ( لويس ممفرد ) في دراسة معمقة عن اصل المدينة، فالبيت والقرية والمدينة ما هي الاّ صورة مكبرة للمرأة. وان المباني البدائية القديمة والمنازل والحجرات كانت مستديرة كالإناء الاصلي الذي وصف في قصص الإغريق بأنه صنع على نمط ثدي ( افروديت ).
يبدو ان خط عرض باب الحارة يمر بمعظم الشعوب العربية إن لم يكن كلها، حيث هذا التجاوب الواسع معها يؤكد ذلك، فقد شكلت ظاهرة ملفتة تستحق التأمل والدراسة، وهذا لا يقلل من جودة العمل ونقاط القوة التي توفر عليها المسلسل. ان مفردات باب الحارة الكثيرة والمتشابكة حركت في وعي المشاهد وفي لا وعيه المشتركات الواسعة حيث نحن ابناء ثقافة ينفّذ بعضها على بعض كآبار الحارة التي تنفتح على كل بيوت الحارة، فصوت الحكواتي مستقر في قعر اذاننا وهو حي يرزق بيننا رغم تبدل الوسائل، فنحن نأنس بمن يعيد علينا التاريخ المثقل بالحكايات التي تتعملق في جوفها ظلالنا لنمضغها كالقات، فالكثير منا بحاجة الى جرعة من الاسترخاء المزيف لنقبس شيئاً من الأمجاد الغابرة نشعر على اثرها باننا على قيد الحياة، فالكلام لا زال يشكل الثقل المعرفي في ثقافتنا والمحرك لكثير من افعالنا والمدمّر الرئيس لوشائجنا الاجتماعية، فالحارة دمرتها قنابل شفاهية القيت من على سطوح المنازل ومن فرجات الأبواب ومن وراء الأستار والحجب، فطُلقت نساء وهُدرت كرامات ونشبت عداوات طالت الحكيم قبل الجاهل، لأن الكلمة في المجتمع الشفاهي تعني الشئ ذاته لا الدلالة على ذلك الشئ، فالكلمة لها ثقل الرصاص وزخمه... ( جراحات اللسان لها التئام ولا يلتئم ما جرح اللسان )، ( إياك وأن يضرب لسانك عنقك )، ( رب قول اشد من صول )، ( سلامة الانسان بحلاوة اللسان )، (عثرة القدم اسلم من عثرة اللسان )، ( مقتل الرجل بين فكيه )، ( ان البلاء موكل بالمنطق )......... !!! والعقلية الشفاهية من السهل محاصرتها بالاشاعة والدعاية ولها قابلية التأثر الشديد بهما، وهذا ما كان في ازقّة الحارة المغلقة، فالمواقف النبيلة والشهامة العالية والتأريخ النظيف للحكيم ( ابو عصام ) كل ذلك لم يشفع له بدفع ولو تهمة واحدة من التهم التي امطرته بها الحارة حتى من اقرب المقربين له، انه الهمس الناعم الذي دقّ أصلب عنق في حارتهم، صارت النظرات تحاصره من كل مكان، انها الجحيم كما عبر عنها ( سارتر). كان غياب التجربة التدوينية والعقلية التوثيقية واضحا في الحارة كما هو في معظم حاراتنا، الكتاب الحاضر الوحيد كان هو الكتاب الأصفر للحكواتي وما هو بكتاب انه خطاب شفاهي بامتياز فالعين لا تبصر منه الا رؤوس الأقلام كما يقال والباقي تتولاه الذاكرة المؤسسة على الحفظ عن ظهر قلب بلا توقف او تحليل، وكثير من كتب مدارسنا لا تتجاوز كتاب الحكواتي الذي ندعي ومن دون دليل انه اصبح امراً تراثياً، فالمتفوقون في مدارسنا هم الذين عندهم قابلية على استظهار المعلومات عن ظهر قلب، فلا المناهج ولا طرائق التدريس تشجع على التجربة والتحليل، فكتاب الحكواتي لازال يشكل حضورا فاعلا في واقعنا العلمي والتعليمي ولكن بطبعات انيقه احياناً، فالحكيم لا يقرأ بل يحفظ الوصفات والخلطات حفظا بعيدا عن اي تدوين، وراح يلقنها مشافهة لابنه ليودعها ذاكرته، انه المسار الحضاري الدائري، الذي ينتهي عند النقطة التي بدأ منها من دون اضافات نوعية تذكر. وشيخ الحارة حفيّظ من الطراز الاول لآيات كتاب الله واحاديث رسوله (ص) والسلف الصالح (رض) ومقولات فقهية ليوظفها احيانا ومن خلال سلطته الروحيه واجادة الحبكة اللفظية لحل ما يستعصي حله من عُقد ومشاكل تظهر بغياب فهم مقاصد الشريعة وروح الدين، فالهرم الأجتماعي مبني من مداميك كلامية، وما العقل والعقلانية التي تتمظهر في نهار الحارة لا تعدو ان تغيب في ليلها لأنها لم تتجذرفي الأعماق لتشكل بنية تحتيه مستقرة متحكمة بالسلوك، فالزعيم الذي هو الأب العقلي للحارة يشك بصطيف بانه قاتل الحمصاني بل كان متيقنا اكثر من كونه شاكاً لم يطلع احدا من جماعته المقربين على ذلك، لوضع خطة فريق عمل محكمة تقابل خطط صطيف والتي من ورائها عقليات درست تفاصيل الحارة بانسانها ومبانيها وتقاليدها والتي سهلت على صطيف تنفيذ ما اوكل اليه، ذلك لان هذا النمط من العقليات يرغب الانفراد بالقرارات والمنجزات وتحمل المسؤوليات بروح فردية اعتدناها وتظهر جلية عند القادة والزعماء، وراح الزعيم نفسه ضحية تلك العقلية وضيّع على الحارة بأجمعها فرصة التعرف على القاتل، وهذا لا يعني بخسه حقه والغاء دوره الايجابي في امور اخرى تعامل معها بحكمة.
حسين السكافي