الحرية.. دائما محل سؤال!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
جبلت النفس البشرية على حب الحياة، وكانت كل الغرائز والمكتسبات اليومية والخبرات المتوارثة في الأفراد والشعوب من أجل "الحياة"، تلك الحياة التي يعيشها المرء مستمتعا فيها بلا عوائق، ولا منغصات، أن يعيشها حرا.
* لكن الحرية ليست ظاهرة أو حالة، بل هي "فعل". تتبدى في تفاعل المرء مع "الآخر"، ومع "ذاته"، وهو ما يتبدى في الحروب والإبداع. وكأننا في صراع دائم مع قلة الحيلة أو اليأس، بهذا تشترك الحرية مع الإبداع في كونه فعلا ينتقل من الإمكانية إلى الوجود. وان بدت الحرية السياسية أكثر أشكال الحرية شيوعا، فالتاريخ يجسد أفعال الإنسان نحو التحقق، وكثيرا ما يكون وجودنا استجابة لما يثيره الآخر فينا من أفكار وردود أفعال تجاهه.
*ليست كل المثيرات، محفزا ودافعا لفعل حر، فما الأفعال المرتبطة شرطيا (أو أفعال الارتباط الشرطي)، فهي ليست سوى ردود فعل، كما "العطس" و"الكحة"، التي هي فعلا في مقابل مثير "بيولوجي" لا ارادى، يفتقد إلى "الوعي".. انه الوعي إذن!
وما "الوعي" المتوارث والمكتسب للأفراد والشعوب إلا معززا ل"الحرية" التي هي فطرية الكائن البشرى، وما الأيديولوجيات السياسية والعقائدية السماوية وغيرها من الضوابط الفردية والاجتماعية من تقاليد وعادات ومفاهيم وأعراف وغيرها.. ليست سوى كوابح وضعتها السماء والجماعة على الفرد. بالممارسة وبالشواهد والنتائج وجدها المجتمع ضرورية وهامة لديمومته واستقراره. فكانت ضرورات الجماعة ضاغطة على ضرورات الأفراد، وأصبح الوعي بتلك الضوابط على الرغبات الخاصة والتنسيق بينها، والاختيارات اليومية للفرد والجماعة هي المعبرة عن "الوعي".
ومع خبرة "التعزيز" (كما هو الطعام معززا للجوع) كانت "الإرادة" وبالتالي في المقابل "حرية اتخاذ القرار بما يعزز حياة الفرد/ الجماعة/ المجتمع/الأمة.. وكانت مفاهيم الحرية المتعددة، ومنها "الحرية الفكرية" أو"الحرية الابداعيه"
وتتعدد تعريفات الحرية عند الكثيرين من المفكرين، منها:
-قال "جون استيوارت ميل".. هي أن يعمل المرء ما يريد.
-قال "فولتير"..تتوفر الحرية بالنسبة لي حين أستطيع أن أفعل ما أشاء، لكن لا أستطيع أن أمتنع عن الرغبة فيما أريده حقا.
-قال "جوفنيل"..إن القدرة على أن نريد شيئا هي مسألة حرية داخلية، وتقع خارج لعبة "الحرية".
-قال "ليبنتيز"..تتكون الحرية من قدرة المرء على أن يعمل ما يريد.
-قال "سكينر".. أن من يريد شيئا يعمل على الحصول عليه حينما تلوح الفرصة، لكن الرغبة في شئ ليست شعورا به، وليس الشعور هو السبب الذي يجعل المرء يتصرف للحصول علي ما يريد. أن بعض الحالات الطارئة تزيد من احتمالات قيام السلوك(مثل الجوع والنزوع إلى تناول الطعام)، وفى الوقت نفسه تخلق ظروفا يمكن الإحساس بها.
وأضاف: "الحرية" هي مسألة الحالات الطارئة التي تعزز السلوك، وليست قضية المشاعر المنبثقة عند تلك الحالات. ولهذا التمييز أهمية خاصة، حينما لا تنجب الحالات الطارئة هروبا أو هجوما مضادا".
*كما ارتبط معنى الحرية بالسعي إلى امتلاك "القوة"، وتعددت دلالات القوة على مر التاريخ، كان الحر هو من يملك أكبر عدد من العبيد، والحر هو من يملك أكبر قدر من الأراضي الخصبة والإقطاعيات، ثم من يمتلك عوائد منتجات الصناعة، أما القوة الجديدة هي "العلم" للسيطرة على الطبيعة، والمزيد من تحرير الإنسان. وعلى الإنسان القيام بعمليات إبداعية دائمة ومستديمة، كي تتحقق عملية التحرر (أيا ما يكون معنى الإبداع، سواء الفكر الابتكارى، أو الجمالي الذي يتضمن كل الفنون والآداب).
* لذا حدد البعض درجة القرب أو البعد عن الحرية الإبداعية بدرجة القرب أو البعد عما هو سائد في المجتمع. وعلى المبدع أن ينتبه إلى ذلك، بعدم الابتعاد (بشدة) عن الغالبية المتلقية للفعل الابداعى (كما في بعض التيارات الفنية/التجريبية).. وهو أيضا ما يعنى أن المنتج لأفعال الحرية (كلها) لا تنفصل عن جوهر "الهوية".
.*وإذا اتجهت الآراء حول اعتبار "الانتماء" سلوك فطرى، إلا أن الانتماء في حاجة إلى الصقل بالخبرات اليومية المضافة والتدريب. فتكون البداية بتحديد قضية/قضايا الجماعة، والتدريب على حب الجماعة وقبولها بكل تناقضتها (إن وجدت)، وهو ما عبر عنه البعض بالتدريب على الولاء عند الأطفال أولا. وفى فترة المراهقة يعتمد على الولاء للجماعات الطبيعية، مثل الأسرة والفصل وفريق الرياضة..وهكذا. وبذا يمكن قياس الفعل الحر بقياس معطيات الانتماء للجماعة، معبرا عن هويتها. تداخلت الأدوار إذن، وتتفاعل بحيث تصبح "الحرية" وسيلة للتحقق بعدما كانت هدفا، أو يظنها البعض أنها كذلك.
*ومفاهيم الحرية، نظرا لتشابكها مع مفاهيم أخرى، تثير الكثير من الأسئلة..منها: " وماذا عن النظم الشمولية والتي حارب أهلها وانتصرت تلك الأنظمة السياسية في حينه، كما الاتحاد السوفيتي القديم وانتصاره على قوات النازي في الحرب العالمية الثانية؟؟
كما أشار "جو فنيل" سلفا، بأن القدرة على أن نريد شيئا هي مسألة حرية داخلية، وتقع خارج لعبة "الحرية"..هل تكفى تلك المقولة لتفسير ما حدث مع السوفييت والنازي؟!
أما مقولة "سكينر" تضيف دلالة أخرى هامة، بما يعد تفسيرا مقنعا.. حيث أكد أن "الرغبة" في شئ ليست "شعورا".. بل الشعور ليس بدافع حقيقي أو لنقل الدافع الوحيد للسلوك.. لأن بعض (الحالات الطارئة تزيد من احتمالات قيام السلوك) وهذا هو المهم الآن. "المقاومة" ولدت عند الشعوب السوفيتية ليس بسبب الحرية لأنظمتها، بل لأنها عاشت حالة طارئة (عدوان).
*ماذا لو سلبت الحرية؟ إنها محنة الاغتراب، بسبب الشعور باغتصاب حياة الإنسان وأفكاره، فكانت مشاعر السلب والتشيؤ، مع التبرم من المعطيات الاجتماعية بعامة، وربما السياسية والاقتصادية في الكثير من دول العالم. عبرت تلك المحنة (أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية) عن نفسها في أعمال الأدباء.. أمثال "تشيكوف"، "كافكا"، و"ت.س. اليوت" وغيرهم. كما توقف أمامها المفكر "كيركيجور"،"جان بول سارتر". أما في الأعمال الموسيقية فقد عبر عنها"شونبيرج"، "سترافنسكى" وغيرهما. حتى عبر "كافكا" عنها بقوله: "إن سير الحياة، يحمل الواحد منا ولا ندرك إلى أين، لقد أصبح الواحد منا، شيئا جمادا، أكثر مما هو مخلوق حي".
*في المقابل يرى كثيرون اقتران الحب بالحرية، أن كل الأعمال الإبداعية الباقية والتي ترصدها الأقلام والعقول، شعرا ونثرا، تلك التي تجمع بين العاطفة الإنسانية الباقية "الحب" في تزاوج وامتزاج مع مفاهيم ومعطيات "الحرية".
إن عشق عنترة بن شداد لابنة عمه "عبلة" بات قصيدة/قصائد في الحرية. وكان دافعه إلى
المقاومة من أجل الحرية، وتمسكه بالحرية من أجل المقاومة.. هو "الحب".
ليس التراث العربي وحده، هو الذي يذكى تلك الفكرة، فالتراث العالمي ملئ بها. المتابع للإلياذة
والأوديسة، ول "الفيدرا" الهندية..وغيرها، سوف يخلص إلى النتيجة نفسها.
وفى الشعر العالمي: أراجون، بول ايلوار، أندريه شديد، آنا أخماتوفا، رسول حمزاتوف، أحمد
بن كاملة، مريم بان، محمد سحابة، مع قصيدة من التراث الشعبي في الهرسك...وغيرهم.
"أغنية المرأة الهاربة" للشاعر الفرنسي "لويس أراجون" (ولد في باريس سنة 1897م، وهو
أحد مؤسسي المذهب السريالي. وقد اختير عضوا في الأكاديمية الفرنسية سنة 1957. له
العديد من الروايات والمجموعات الشعرية، من أشهرها وذات صلة مباشرة بالموضوع..
ديوانه "عيون الزا". ومنها تلك القصيدة التي نقتطف منها قوله:
"أين أنت يا من تخفقين في كياني
أنت التي في قرارة النفس تشتعلين فجأة
وهذه الحركة من يدك
إذ تضعين صبغة الشفتين"
هل يتساءل الشاعر عن حبيبته؟ أم يبحث عن الحرية..حيث منعتها المعارك والحروب؟؟!
"حينما تتنفسين" للشاعر الفرنسي "بول ايلوار". ولد الشاعر في مدينة "سانت دينيس" سنة 1895.
يعتبر من أشهر شعراء المقاومة الفرنسية، بل والإنسانية في التراث العالمي. برز أثناء فترة
احتلال باريس أثناء الحرب العالمية. من أشهر قصائده، قصيدة "الحرية" التي أهلته لشغل
مكانته الشعرية المعروفة. وله عديد من الدواوين، منها ديوان "الشعر والحقيقة".
"حينما تتنفسين
أحيط نفسي بنبات الظل
ببراعم الطفولة الجاحدة وبالحرير
بكل ما يتيح لي مباغتتك
في الشارع المنخفض
حيث تتهدج أنفاسك"
حلم هو بلقاء الحبيب في دلال وخفة ومرح..لكنها الحرب التي منعته، ومن أجلها سيقاوم!
وعلى الجانب الآخر، الحرية هي الهدف الرئيسي للتنمية.. إذا شئنا الوصول إلى فهم كامل عن الرابطة بين التنمية والحرية، أن نتجاوز حدود هذا الاعتراف (مع الإيمان بمحوريته)، ثمة دليل قوى على أن الحريات الاقتصادية والسياسية تساعد في تعزيز بعضها البعض. تلك كلمات قدم بها الاقتصادي "أمارتيان صن" الهندي الأصل، كتابه "التنمية حرية".
حيث يرى التنمية باعتبارها عملية توسيع في الحريات، كما أن الحرية أمر محوري للتنمية لسببين: الأول هو السبب القيمى، لأن معيار التقدم هو السؤال ما إذا كانت الحرية تحظى بالتأيد أم لا؟ والثاني هو انجاز التنمية، لأن التطوير يتوقف على الفاعلية الحرة للشعب. وقد أورد أمثلة عديدة توضح الربط بين التنمية والحرية، مثل ذلك العامل الفقير المسلم الذي طعن بسكين حتى الموت أثناء الصراع بين المسلمين والهندوس في الهند الكبرى قبل التقسيم.. فلو كان الرجل يملك مالا ومستوى اقتصادي أفضل، ما كان اضطر لليسير في منطقة الهندوس لكي يقتات لتعيش أسرته، أي أن افتقاده للحرية الاقتصادية كان سببا في هلاكه!
وقد خلص إلى أن الحريات ليست فقط هي الغايات الأولية والأساسية للتنمية والتطوير، بل أيضا من وسائلها.
السيد نجم
........................
abnegm@gmail.com
التعليقات
لايمكن للعبد أمتلاك
كركوك أوغلوا -الحرية !!00والخلق يأمر عبده (الأنسان), أن يعبد قبل أي شيء آخر , وهذا ما تم طلبه من المؤمنين بصلاة خمسون مرة في اليوم , وكم بقى من الوقت ليتمتع الأنسان بحياته في الدنيا وأن كان حرا ؟؟!!00
حرية القلب ايضا
د. رأفت جندي -هناك وجه آخر للحرية, وهو حرية القلب والفكر من الخطيئة والاستعباد. مدمن الخمر او السجائر ليس انسان حر بالرغم من قدرته علي حرية التعبير. المنغمس في شهوات العالم او حتي مادياته ليس حرا ولو كان يعيش في حرية سياسية. الاستعباد للوظيفة والعربة والنت والتلفزيون هم ايضا انواع من فقد الحرية ولكنها نابعة من حرية الفرد مما يجعلها اشد خطورة لمسئولية الانسان نفسه عنها. ولقد قال القديس اغسطينوس جلست فوق قمة العالم عندما لم املك شيئا او اشتهي شيئا.