أصداء

الهوية العراقية صمام أمان لحفظ العراق

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حينما كنا طلابا ناشئة في المدراس الحكومية أزعج درس كنا نلاقيه هو ما كان يسمى بدرس التربية الوطنية وأصعبه، حيث كانت مادة البحث في كتب التربية الوطنية مكتوبة بشكل جاف لا يستسيغه الطالب وهو في عمر الشباب الأولى، ولم يفهم الطلاب ما يقصده الأستاذ من كلامه حين شرح المادة في كثير من الحالات، وكان كل الطلاب يزدادون غبطة وفرحا حين غياب استاذ المادة ويتحول الدرس الى لهو أو الى الرياضة، ولا أدري ما يمكنني أن أسمي وكيف أفسر حالة كتابة تلك المادة بحالتها الجافة الغير المستساغة من قبل الطلاب وفي نفس الوقت من قبل نفس المعلمين والمدرسين للمادة، وحالة إنزاعجهم من المادة كانت ظاهرة للطلاب؟

وإن مفهوم الوطنية ضئيل في نفس الأكثرية من ابناء الشعب العراق ويعود سبب ذلك لأن الحكومات المتعاقبة على العراق بعد نشوء الدولة العراقية الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى لم تزرع في روح الناشئ العراقي بكل أطيافه روح المواطنة العراقية على عكس ما نراه عند شعوب المنطقة، بل بالعكس قد حكموا على مواطنية أبناء الشعب العراقي على اساس حملهم للجنسيات القديمة التي كانوا يحملونها لأسباب معينة، فقسم من العراقيين كانوا يحملون الجنسية العثمانية وآخر الجنسية الايرانية طبقا على سلطة الدولة التي إستولت على العراق وحكمته، فجاءت الدولة العراقية فحكمت على قسم من هؤلاء بأنهم أصلاء عراقيين وقسم آخر دخلاء على العراق وشعبه في حين أن القسمين كانوا عراقيين اصلاء بلا أي فرق بينهما، وتبع هذا القانون آثارا سيئة نراها الى يومنا هذا.

كل ابناء دول منطقة الشرق الأوسط يتفاخرون بوطنيتهم في حال لا يفضلون شيئا على العراقي، بالعكس من العراقيين يفضلون على الجميع بتأريخ العراق ودوره برفد العالم أجمع بطاقاته الفكرية والبشرية وتخريجه قيادات بارعة للعالم الاسلامي والعربي والى الزمن القريب.

وفي قرابة السنوات الأربعين الأخيرة كادت تنعدم روح المواطنة العراقية لدى الفرد العراقي، والسبب الأساس في ذلك إن حزب البعث وهو يحكم العراق بالاستبداد المطلق وبقياداته الفاشلة والجاهلة لسنن التأريخ في الحياة حوّل المؤسسات العراقية الرسمية والشبه الرسمية وفي كثير من الحالات حتى الخاصة الى واجهة لحزب البعث، وأراد ميشيل عفلق وصدام من ذلك بأن يفتخر العراقي ببعثيته بدلا من عراقيته، وكانت لهذه السياسة الفاشلة آثارها السلبية في بقاء الدولة العراقية بمؤسساتها بصورة سليمة وارتبطت بشكل مباشر على هرم السلطة بحيث رأينا كيف انهارت هذه الدولة بمجرد سقوط الصنم في ساحة فلسطين في بغداد يوم التاسع من نيسان من عام 2003م.

وغير خفي أن اساس بناء الدولة العراقية لم تكن عادلة في توزيع السلطة والمال بين مكونات الشعب العراقي منذ نشوءها ولم تقم على أساس المواطنة الصالحة والكفاءة والقدرة المتميزة أيا كان هذا الكفوء ولأي مكون من المكونات ينتمي، بل كان الشعار الأهم زمن حكم البعثيين في الشارع العراقي وقد ملئت جدران العراق بشعار (( العراقي بعثي وإن لم ينتم )) مستعملا كل سياسات الإقصاء من السجن والنفي والقتل ضد كل من هو لم يستسغه افكار ميشيل عفلق ولم يقبل بجبروت صدام حسين، بحيث إستعمل حزب البعث سياسة التعريب القسري للمواطنين العراقيين الغير العرب أصلا، وحرم من حقوقه كل من لم يغير قوميته مثلا من التركمانية الى العربية، وهي تلاعب صريح في خلق الله الذي خلقهم ينطقون لغة غير العربية، ولا أدري ما هو ذنبهم وأن الله خلقهم ينطقون لغة غير العربية، وهل هي ليست إلا العصبية بذاتها، وإختلاف اللغات من آيات الله العظام جل شأنه للانسان للاعتبار لا للتفاخر، وكانت لهذه السياسة العوجاء أثرا كبيرا في سلب روح المواطنة العراقية من نفس وروح المواطن العراقي حتى العربي منه بغض النظر عن غير العرب.

وواجهت هذه السياسات الفاشلة ردّ فعل عنيف طبقا لقاعدة رد الفعل، فكان الكردي والتركماني والمسيحي والشيعي يفتخرون بكرديتهم وتركمانيتهم وتشيعهم ومسيحيتهم، ووقفوا بالضد من تلك الهجمات الشرسة والعنصرية التي يواجهونها من قبل الاستبداد والطغيان البعثي.

وقد ظهر وبكل وضوح على الساحة السياسية آثار تلك السياسات التربوية الخاطئة بعد سقوط النظام البعثي بحيث وجد أبناء كل طائفة وقومية الفرصة المناسبة للمطالبة بحقوقها الضائعة في حال كانوا يؤدون كل واجب ملقاة على عاتقهم من قبل الدولة والحكومة وبشكل متفانِِ، ووصل أمر الانتهاك لحقوق المواطنين العراقيين الى إنتهاك حرمة الفرد العراقي والعائلة العراقية وكل ما يقدسونه ويعتقدوه، وقتل مئات الآلاف من أبناء الشعب العراقي لا لذنب إلاّ لرفضهم الظلم والعنصرية والشوفينية التي واجهوها، والسبب الحقيقي لكل هذه المظالم هي غياب روح المواطنة الحقيقية لدى المتسلطين على رقاب الشعب العراقي مما أدى الى غياب تلك الروحية لدى الكثير من المواطنين أيضا، على قاعدة الناس على دين ملوكهم!

فإنه من البداهة بمكان أنه لا يمكن أن يقوم أي شخص بقتل المئات من الآلاف من الأبرياء يحمل في طيات نفسه وروحه قليلا من الحب والود تجاه أبناء وطنه وقومه وشعبه، ولكن الذين يقومون بالقتل والفتك لأبناء العراق وأطفاله وشيوخه أصبحوا أدوات طيعة لدى الدوائر الأقليمية والدولية لتنفيذ مخططاتهم المشؤومة بعناوين طائفية يأخذون الاسلام غطاءا لتنفيذ تلك المآرب السوداء بالضد من مصالح العراق وشعبه البريئ من كل ما يجري في الساحة السياسية المتوق الى المستقبل المضيئ بنور الحرية والعدالة والتقدم والازدهار.

وأنني أؤمن من أعماق قلبي لقد حان الأوان بعد كل النكبات التي واجهها الشعب العراقي، بأن يراجعوا أنفسهم وبكل مكوناته الطائفية والقومية، ويتمسكوا بروح المواطنة العراقية القائمة بالعدل والقسط بين المواطنين، والانتماء الحقيقي للعراق ليبنوا دولتها وبصورة لا تقبل هذه الدولة بالاضمحلال والانهيار بمجرد سقوط الحاكم أو تبديله، وبعبارة أخرى لا تكون هذه الدولة مرتبطة بشخص الحاكم أو الحزب الحاكم أيا كان نوعه ولونه وإنتماؤه.

فإن الإدعاء لأي إنتماء كان لا يمكنه حفظ العراق من الحرب الأهلية والتقسيم، بل على العكس من ذلك فإن الانتماء الى هوية المواطنة العراقية الأصيلة يحفظ لكل مكوّن من مكونات الشعب العراقي خصوصياته القومية والمذهبية، فإن الشيعي والسني والكردي والتركماني والمسيحي وغيرهم لو أحسوا جميعا بالانتماء الحقيقي بالمواطنة والهوية العراقية فإنهم يتمكنون من حفظ تشيعهم وتسننهم وتكردهم وتركمانيتهم ومسيحيتهم في وعاء الهوية العراقية، أما الانتماء القومي والطائفي لأي منهم لا يمكنه حفظ العراق مهما اشتد ساعده، فإن حفظ هوية المواطنة العراقية مع الرعاية العادلة لحقوق كل أبناء الشعب العراقي بلا تمايز وعصبية بحفظ للجميع حقوقهم ويؤدون في نفس الوقت واجباتهم بصورة أمينة وبكل إخلاص، لأنه من الطبيعي جدا حينما يجد كل فرد حقوقه المشروعة فبدوره سيؤدي واجبه بشكل واتدفاع مطلوبين.

وهذه الحالة لا يمكننا الوصول اليها في وقت قصير وبجرة قلم وبأوامر رئاسية، بل نحن بحاجة الى تنازلات كبيرة من جميع الأطراف وبلا إستثناء، مما يتطلّب أمورا عديدة منها:

1ـ التغيير الجذري لبعض من فقرات الدستور ومواده من الأساس، مما يؤسس لحالة قويمة تحفظ وحدة العراق ويطمأن الشارع العراقي بالخصوص المتخوف من تقسيم بلده الى دويلات متناحرة مما سيضر الى مصالح الشعب العراقي بالأساس ومصالح الجوار العراقي.

2ـ وضع قوانين عادلة لإنتاج وتوزيع الموارد الطبيعية كالنفط وغيره بين أبناء الشعب العراقي، وحذف كلمات مثيرة للجدل من تلك القوانين ( ككلمة ـ الحالية ـ الموجودة في المادة الدستورية المتعلقة بإنتاج النفط في العراق ) وأمثالها مما يعتبر قنابل موقوتة للمستقبل تفجر الأوضاع السياسية حين أبان أوانها.

3ـ توجيه وسائل التثقيف العام والخاص لترويج روح المواطنة العراقية في نفسية وعقل الفرد العراقي بعيدا عن الخصوصيات الجزئية، وإظهار الاحترام الكامل لكل تلك الخصوصيات وإعطاء الحرية اللازمة لممارستها.

4ـ توجيه الممارسات المتعلقة بالخصوصيات بشكل تقوّي روح المواطنة والانتماء الى العراق والهوية العراقية من دون تضعيف لتلك الممارسات وبشكل لا يصطدم ولا يضر مع المصالح العليا للبلد ومواطنيه.

5ـ ونقطة مهمة جدا للبعثيين بالخصوص أن يراجعوا أنفسهم وينظروا الى تأريخهم في حكم العراق، ويسألوا أنفسهم : ماذا قدموا للعراق طيلة35 عاما من تقدم وازدهار وحضارة؟ وينظروا الى أين وصلت الدول المحيطة بالعراق على أقل تقدير في حين كانت تلك الدول متأخرة جدا عن العراق حين وجودها على الملأ!!!؟ ويحققوا وبدقة أيضا هل هناك حكومة في دول المنطقة بل في العالم أجمع قتلت من أبناء شعبها بمقدار ما قتلت الحكومة البعثية من أبناء العراق؟!!!

فقليلا من التريث بحياكة المؤامرات تلو المؤامرات ضد إرادة الشعب العراقي ومصالحه، وقليلا من الحب والود للعراق وأهله.

فهوية المواطنة العراقية الحقيقية المبتنية على العدالة والحرية والانصاف تحفظ خصوصيات كل مكون من مكونات الشعب العراقي من دون تعرض تلك الخصوصيات الى الانهيار والتصدع، فكلما قويت خصوصية الهوية العراقية في نفس وعقل وروح الفرد العراقي قويت خصوصية المكونات الخاصة وآزرتها من دون التنكر لها، وعاش كل أبناء الشعب العراقي بكل ألفة وتعاون ومحبة لبناء عراق الغد المشرق.

عباس الإمامي

04/04/2007

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف