أصداء

الحريق

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في السادس عشر من نيسان الجاري 2007 سافرت الى امريكا لزيارة ابني قيس و أشفائي داود و راتب، ورغم طول الرحلة ومشقة السفر إلا أن لقائي بقيس الحبيب،ؤ بالشقيقين داود وراتب مسح غبار التعب الذي هدني، وكانت قمة متعتي في الحديث مع ابناء اشقائي علاء وهناء و أمينة وضرغام الذين كانؤا يصطخبونني قي "جولة سياحية صباحية في الحارة أما الرضيعة الرائعة ريمان فقد كانت تتحفني بابتسامتها البريئة الاخاذة، و في العشرين من نفس الشهر كانت خلوتي مع قيس الذي ملآ حياتي سعادة وهو يتحدث عن عمله كمحلل اقتصادي في احدى شركات دراسة السوق في امريكا، وعن خططه لدخول احدى ارقى الجامعات الامريكية لاكمال دراساته العليا في الاقتصاد، وكنت سعيدا بحديث قيس، وسعادتي كانت اكبر برجاحة عقله ومخططاته المستقبلية المبنية على اسس علمية صحيحة، فقد أعطاني كتابين للدكتور نصر حامد ابو زيد أحدهما "مفهوم النص،- دراسة في علوم القرآن-" و الثاني "الاتجاه العقلي في التفسير-دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة-" وتناقشنا حول رأي بعض المشايخ في تكفير الدكتور أبي زيد بناء على ما جاء في "مفهوم النص،" وتشعب بنا الحديث حتى وصلنا الى الجهالة التي احرقت كتاب التراث "قول يا طير" للدكتور شريف كناعنة و الدكتور ابراهيم مهوي، وكيف ان هذه الجهالة لم ترحم "نص نصيص" و "الشاطر حسن" و "جبينة" و غيرها من الحكايات الشعبية العربية، ولم أكن أعلم أنه في نفس اللحظة التي كنا نتحدث فيها عن هذه الجهالة كان تماس كهربائي يتسلل عبر الأسلاك الكهربائية في جدران منزلي الكائن في جبل المكبر في القدس التي لم يحافظ أبناء جنسي على شرفها، فتركوها نهبا لزناة التاريخ، ويشعل هذا التماس الكهربائي النار في مكتبتي الخاصة في الثانية و النصف من صباح يوم السبت 21 نيسان حسب التوقيت المحلي ليقضي على حوالي عشرة آلاف كتاب هي حصيلة عمري، ولا تقدر بثمن، لقد اتى الحريق الذي حرق قلبي و أطار النعاس من عيني على ثروة ثقافية و فكرية لا تقدر بثمن، لقد أتى على كافة الكتب والدوريات التي صدرت في فلسطين الذبيحة خصوصا ما صدر بعد هزيمة حزيران 1967 وحتى ايامنا هذه اضافة الى الكتب الاخرى التي استطعت ان أحصل عليها من بعض العواصم التي زرتها، وقفت امام نفسي وتذكرت أيام طفولتي المعذبة في بدايات ستينيات القرن الماضي عندما كنت اقتطع نصف القرش أو القرش من مصروفي الخاص لاشتري مجلة العربي التي كان يرأس تحريرها العلامة الراحل أحمد زكي، أو اي كتاب آخر اقرأه قراءة متمعنة ثم اضعه في صندوق إلى ان شببت وعملت فاقتطعت رغيف خبز ابنائي وأسست مكتبة في بيتي ضمت في جنباتها الاف الكتب التي كانت حقا خير جليس لي، ليأتي التماس الكهربائي متسللا في ساعات الفجر الاولى ليحرق "تحويشة العمر" وليتركني حزينا لا أقوى على شيء، جاء ليحرق المصحف الشريف وتفسيره واعرابه واعجازه والسيرة النبوية و رياض الصالحين، وليحرق تاريخ القدس و الأنس الجليل في تاريخ القدس و الخليل، مؤلفات سيد قطب و رسالة الغفران، التوابع و الزوابع،الحيؤان،التاج في مخاطبة الملوك، وطبقات فحول الشعراء، تاريخ الطبري، بلادنا فلسطين، الاعمال الكاملة لغسان كنفاني، توفيق زياد و اميل حبيبي و اميل توما، الشوقيات، ديوان ابراهيم طوقان، و الاعمال الكاملة لفدوىطوقان، و عبد الرحيم محمود ابو سلمى، نزار قباني، أمل دنقل، الجواهري و صلاح عبد الصبور، وروايات نجيب محفوظ، و عبد الحليم عبد الله، احسان عبد القدوس، والطاهر وطار، يوسف ادريس، الطاهر بن جلون، محمد بنيس، و الدكتور خضر محجز، يوسف السباعي، حنا مينا وعبد الرحمن منيف، و عزت الغزاوي، أحمد رفيق عوض،واحمد حرب، غادة السمان، ومكسيم غوركي، تولستوي، ديفستويسكي، جابريئيل ماركيز و همنجوي، و فيكتور هوجو و الياس خوري و غيرهم و ليحرق دواوين الشعر الجاهلي، المعلقات، جرير و الفرزدق، الأخطل، المتنبي، أبو تمام، و محمود درويش و سميح القاسم، ميشيل حداد، أدونيس، محمد الماغوط، المتوكل طه، عبد الناصر صالح، سميح فرج، طه محمد علي، و ليحرق المجموعات القصصية لمحمود شقير، خليل السواحري، محمد علي طه، محمد نفاع، زكي العيلة وعبد الله تايه وليحرق كتاب سيبويه، شرح شذور الذهب، و الفية ابن مالك وليحرق مؤلفات طه حسين و المنفلوطي و العقاد،وليحرق اكثر من خمسمائة كتاب في التراث الشعبي.


يا الهي كم كان هذا الحريق ظالماً، وكم كان شريراً، لقد حرق الاعمال الأدبية و الفكرية للذين أحبهم سواء عرفتهم أم لم أعرفهم، لقد جردني هذا الحريق من كل أحبائي، فتركني كالسيف فردا، ولما كانت مكتبتي شمولية، فقد كانت محط أنظار الطلبة و الدارسين الذين كانوا يؤمونها يستعيرون منها ما يخص أبحاثهم ودراساتهم بمن فيهم من كانوا يحضرون لشهادة الدكتوراه، و ليصل الحريق مداه و لتتم فصول الفاجعة فانني ودون دراية مني، ولشدة حرصي على عدم ضياع أي كتاب فانني قمت بجمع الكتب التي استعارها بعض الاصدقاء و الدارسين، و اعدتها الى المكتبة، لتلقى مصيرها مع اخواتها، ولكي لا ينجو منها نسخة واحدة، لكن هذا العدو الخفي الذي تسلل الى بيتي لم يستطع النيل من زوجتي و ابنتي أمينة و لمى اللاتي كن في البيت، و هذا هو العزاء المتبقي لي، فهل رأيتم خسارة أفدح من هذه الخسارة ؟

جميل السلحوت

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف