أصداء

نساء الظّل: قراءةٌ في كتاب ميادة ابنةُ العراق

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يبدأ الكتابُ بإهداءٍ مؤثرٍ ودال: الى سمارة ونساء الظّل في الزنزانة 52، ثمَّ بتوطئةٍ للمؤلفة جين ساسون بوصفها كاتبةً مشاركة (Co -Author). وعن كيفية لقائها بميادة العسكري هناك عنوانٌ فرعيٌ للكتاب: خلاصُ إمرأةٍ تحت حكمِِِ صدام حسين.

التجربةُ الثّرةُ التي يتكلم عنها الكتابُ تتناولُ فترةً قصيرة نسبياً من حياة الكاتبة العراقية، ميادة العسكري، أي الفترةُ التي قضّتها الكاتبة في سجن البلديات التابع لمخابرات نظام صدام. كانت المدّةُ شهراً واحداً تقريباً لكنّهُ يحتشّدُ بإرتجاعاتٍ زمنيّةٍ تغوصُ عميقاً في الزمن العراقي. يبدو الكتاب سيرةً ذاتيةً لكنّهُ يتقاطع مع النوع الروائي في مواطن كثيرة ولعلي اعتبرتهُ نصّاً مفتوحاً فالقارئ التجربةُ الذّاتيةُ ممتزجةً مع فصولٍ من التاريخ العام للبلد.

يتكوّن الكتاب من عشرةِ فصولٍ ومخطط لشجرة العائلة ومن ثمّ َ خرائط للعراق ولمحيطه الجغرافي ومخطط لسجن البلديات وموقع الزنزانة 52 فيه. يتحدد الزمن السردي من السّاعة 45.8 من صبيحة 19 تموز من العام 1999 مكتوباً بضمير الغائب مستعرضاً حالة ميادة العسكري قبل لحظات من إعتقالها وإرسالها الى سجن البلديات المرعب. بعدها تنثالُ التفاصيلُ بطرائق عدّة مضيئة جوانب مظلمة وغير معروفة للعالم. يفضحُ الكتابُ ستراتيجية حكم البعث الإستبدادي من طريق التفاصيل التي عاشتها ميادة أو تلك التي سمعت بها من أناس يعملون في أروقة النظام ومؤسساته. تكشفُ التفاصيل فظاعة الالة القهرية التي يتّبعها النظام لكسر الروح الإنساني، فالإنسان عند النظم الشمولية يكف عن ان تكون له ماهية أو خصوصية أو كرامة انسانية، انه موضوع،وهو بهذه الصّفة تابعٌ ومرؤوسٌ وخاضع.، ووفق هذا المعيار الفاشي تتلاشى الفروقُ بين هؤلاء الخاضعين، فلا يعود هنالك فرقٌ النساء والرجال أو البالغين والرضّع أو الإنسان والحيوان ذلك أن صفتهم الواحدة تجعلُ منهم كياناً واحداً في منظور النظام الإستبدادي (كلُ القطط في الليل سوداء) وبهذا يبدو فعل التعامل الرحيم مع أولئك المرؤسيين شاذّاً عن سياق الفعل الثوري للنظام الإستبدادي وتغدو القيمة الانسانيةجزأً من الفضائل البرجوازية البالية. ولعلنا نجدُ مصداق ذلك في المقابر الجماعية فالضحايا إعدموا جميعاً بقوّة الفعل الثوري للنظام وبحركة واحدة أُسقط عنهم شرطهم الإنساني بوصفهم كينونات لها حقها الطبيعي في العيش وليس مهماً أن يكون بينهم خائن له من العمر ثلاثة أشهر. تذكر ميادة العسكري حادثةً لها دلالةٌ كبيرةٌ على الرغم من فظاعتها، فعندما كانت النسوة يستمعن الى تفاصيل مخجلة من سيرة النظام وكانت ميّادة هي الراوي، سمعن صوت اذان يصدرُ من زنزانة الرجال القريبة من زنزانتهن ولأنهن يعرفن الشاب الشيعي الذي تحوّل الى الوهابية والذي يصرُّ على الاذان بصوتٍ جدُّ مرتفع قصد إزعاج السجّانين فإن النسوة يستعرضن ما سيُلاقيه من مصيرٍ مروِّع، وتتساءل ميّادة إذا ما كانوا سيقتلونه فتجيبها سمارة، تلك المرأة المذهلة، بإنّهً سيلاقي مصيراً أبشع. عندها يسمعن وقع اقدام الحراس الغاضبين ويسمعن انفتاح باب الزنزانة وسط الشتائم والتهديد ثم تحدث جلبةٌ وصراخ يكاد أن يكون غير انساني، كان ذلك صراخ احمد وبعد مرور فترة من الزمن تسمع النسوةُ اصطداماً مكتوماً لجسدٍ يُلقى على الأرض وصوت احد الحراس وهو يقول مخاطباً أحمد: ها أنت قد صرت زوجةً لثلاثتنا وقد أمتعتنا حقاً. كانوا قد إغتصبوا أحمد تباعاً، لم تسمع النسوة صوت أحمد يؤدّن بعدها لقد إنكسر شيءٌ ما في روحه مرّةً واحدةً والى الأبد.

محاكمةُ مختار:
تتساوى اليّة القهر في المنظور السلطوي يستوي في ذلك الإنسان والحيوان، تذكر العسكري للنسوة بعد سماعها لتبرمهن مما يلاقين من تعذيبٍ بربري وبأنّ الكلاب ربما تعاملُ بشكل أفضل منهن فتجيبهن ميّادة بأنها لا تعتقد بأنهن سيفضّلن المصير الذي لاقاه مختار الكلب، ووسط اندهاشهن وامتعاضهن من تسمية الكلب ب ((مختار)) إلا أنهنّ يرغبن بالاستماع..........
قرر صدام بعد أن طرد البكر وصار هو الريئس أن يهدي زوجته ساجدة كلباً وكان الكلبُ كبيراًُ ومدرّباً وحدث أن كانت ساجدة وحدث أن كانت ساجدة تمارس رياضة السباحة في مسبح في القصر الجمهوري وكان مختار برفقتها وبعد ان فرغت من سباحتها أسرع مختار إليها ليكون بقربها وأرادت هي أن تبعده بإنزعاج فقالت له: كو مختار كو إذهب مختار ولأن مختار مدرّبٌ على أن كلمة كو معناها أن يهاجم شخصاً ما ولأن لا أحد كان في المسبح في تلك الساعة المباركة فقد ارتكب مختار خطأً فادحاً بأن هاجم السيّدة ساجدة على إعتبار أنها الكائن الإنساني الوحيد ((حسبَ مختار)) الموجود في المسبح، حاولت هي أن تبعده وكانت تصرخ ولحظتها تكالب الحراس على مختار وسيطروا عليه. غَضِبَ صدام غضباً شديداً عندما سمع بما حدثوأمرَ أن يُجلب مختار للمحاكمة، أُدخل المسكين مربوطاً بالسلاسل الى مكتب صدام وجرت محاكمته بسؤاله من قِبل صدام: لمادا هاجمت السيّدة يا وَل؟ ولعل السؤال باللهجة التكريتية الفصحى ومختار يتقن الألمانية فقد احتار ولم يُجب. أُعتُبر ت حيرة مختار اعترافاً بالجرم. أمر صدام بمعاقبة مختار بالموت ميتة فضيعةً وذلك بان يُربط الى عمودٍ من أعمدة المسبح وأن يموت من العطش بينما لايبعُد الماءُ عنه سوى قفزةً واحدة.كان صدام يسبح مرتين في اليوم ناظراً الى الكلب المربوط الموشك على الموت عطشاً وهو يضحك بنشوةٍ حيوانية غريبة ولم تكن عائلة السيّد الريئس أقلّ منه نشوة!! وفقاً لثقافة الريئس القانونية (يقول انّه درس القانون في القاهرة!) فإنّ مختار مسؤول عن فعله الاجرامي بمهاجمة سيدته ساجدة بشعرها الاشقر وسحنتها السوداء. أي مقدار من القسوة ينطوي عليه هؤلاء؟ حتى أنّك تجدُ نفسك متسائلاً مع شكسبير على لسان الملك لير:
Is there is any cause in nature that makes these hard hearts ?

هل من سببٍ ما في الطبيعة يجعل هذه القلوب قاسيةً؟


نساء الزنزانةُ 52:

قراءة حيوات نساء الظلّ في الزنزانة 52 تمنح المرء القدرة على أن يؤمن بالأسطورة. الأسطورة بوصفها واقعاً معيشاً جسّدته نسوةٌ عراقيات بتضحياتهن وأحلامهن وبكاءهن وقلقهن النبيل وقوةِ الروح التي مكنتهن من ان يمضغن المستحيل ويخجلن جلاّد السجن. فالشابةُ البصرية،علياء، تكادُ أن تموت قلقاً على إبنتها الرضيعة والمريضة، سوزان، وتطلب علياء الى دورة التعذيب اليومي التي لاتنتهي، فتسرع علياء مزاحمةً بقية النسوة وتخاطب الجلاد المنتظر في غرفة التعذيب: أرجوك أجلدني أولاً أرجوك فأبنتي مريضة جداً وبحاجة الي... فيُذهل الجلاد ولعلها أخجلته فيدعها تذهب الى إبنتها. إنهُ لمن المستحيل أن تُخجلَ جلاداً، يتطلّبُ هذا مقداراً عظيماً من الألم واللأمعقول.

الولد الُمُدلل ونمره:
تروي ميّادة العسكري، إنّها بعد اطلاق سراحها المؤقت، قررت مغادرة العراق نهائياً حتىلو اقتضاها ذلك الوقوف في شوارع عمان واستجداء المارة وترك وطن ابائها الى أبي عدي وقصي، وبعد أن تقدم رشوةً كبيرةً لضابط أمن يدعى مأمون تذهب الى محطة النداء لنقل المسافرين، ولدهشتها حدّ الصدمة ترى عدي يدخلُ قاعة الإنتظار ممسكاً نمراً اسيوياً ضخماً مربوطاً بسلسلةٍ يثمسكُ بها ناظراً بغضبٍ الى المساكين الذين التأم بعضهم الى بعض خشيةً من أن يطلقَ الأستاذُ عدي نمره عليهم. كان يبصق عليهم ناعتاً كلاً منهم بالخائن. يُغادر عدي المكان مع حيوانه الأليف دون اضرار سوى بُصاقٍ على وجوه مواطنيه العراقيين كذكرى عزيزة عليهم في الغربة من أبن ال.... القائد تذكرهم بجنةِ الوطن المفقودة.

الكتاب ُ كما أسلفت يحتشدُ بالتفاصيل التي تمح القارئ فكرةً واضحةً عن مرحلةٍ سوداء من تاريخنا العراقي وتلقي بضؤئها على عمق الزيف الذي كانت تنتهجه السلطة القمعية في ادارتها للبلاد والعباد.
تمنيتُ لو أن هذا الكتاب المهم قد ترجم الى العربية ليكتشف القراء العرب كم هو فاسد وقميء نظامُ صدام حسين.
في الكتاب تتلمس البراعة والدقة والامانة التي نجحت من خلالها ميادة في نقل الروح العراقية حين كانت تُصوّر أخواتها في الزنزانة 52 بذاك الحس الحاني والمشفق والقلِق على مصائرهن.
لم اشك لحظةً واحدةً أن الكتاب كلّه (لنا) فهو يحتشدُ بالروح العراقي والسخرية العراقية والوجع العراقي والعظمة العراقية لابدمن. الإشارة الى البراعة الجلية للكاتبة جين ساسون التي استطاعت عن حق من أن تتمثل الأحداث وتعيد كتابتها.

ان جين ساسون نجحت في أن تدخلَ الاجواء المرعبة التي نُقلت إليها وأن تتفاعل مع جميع الشخوص والاحداث وأن تكتب عنها بحسٍ انساني اصيل يُعطي الإنطباع ولعله يُوهم القارىء بان الكاتبة كانت جزاً من تلك الأحداث أو ربّما أحد الضحايا وهم كثر.


Mayada doughter of Iraq
one wemon s survival under Saddam Husein
Jean Sasson
Dutton
Published by Penguin Group(USA) Inc

كاتب عراقي مقيم في امريكا

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف