أصداء

المعلم الذي كان كان يكره الدفاتر

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كان معلمي الجديد ربعة القامة، هزيل الجسم، يحكي لونه الأسمر من طول ما لفحته الشمس عراقة نسبه البربري.. ذالك النسب الذي يزداد مارن أنفه شَمَماً كلما تحدث عنه. قال لي حينما قدّمت إليه نفسي، وقلت له إن أحد شيوخ المحظرة نصحني بأن أتعهده للتدريب على قواعد الإعراب وعلم العروض:
-عجيب أن يدور منجنون الزمن هكذا!.. لقد درس عليّ والدك القرءان الكريم، وها أنا اليوم بعد شيب القذال وابيِضَاضِ المِسْحل أدرسك علوم العربية.
كان معلمي "محمد" مخالفا لكل من ثنيت ركبتي أمامهم دارسا: كانت طريقته في التلقين تطبيقية جدا. فلم يكن ليحشر المعلومات المتراكمة في ذهني الصغير حشراْ، وإنما كان يجعلني استنبط القواعد اللغوية والعروضية بالاستقراء.. يجعلني أعمل فكري في اكتشافها كما يُعْمِل أعرابي نصل خنجره في عقر دابة.
حين يسألني عن إعراب "وقفا" من بيت الشاعر:
وقف رائما إشمامَ ريا عبيرها حشاشةَ نفس ودّعت جسمها وقفا
فأجانب في إعرابها الصواب، يضحك إلى أن تبدو نواجذه المتآكلة ثم يقول لي: لن تكون كذلك إلا أن تستحيل خيمة هذه الأمة العجوز "سترة" خورنقا أو سديرا. او تصبح بقرتي الحلوب طائرة تمخر الأفق.
كان يغضب كلَ الغضب حين يمتحنني بمعرفة عروض بيت شعري، فالجأ لتقطيعه. يقول لي: كم أكره هذه الخطوط والنقاط.. حين أسألك عن نتيجة واحد تزيده بواحد فسيتبادر لديك بَدَاهةً أنها أثنان، هكذا عليك أن تتمرن يا بُنيْ، إلى أن يقفز لذهنك بمجرد أن أنشدك قول الشاعر:
أحداج تلك الجمِال موصولةٌ بالجِــــــمال
أن ما أنشدك إياه من عروض "المجتث"..
ثم يواصل الشيخ العجوز إنشاده بصوت شجي:
زالت عليها شموس فاقت شموس الزوال
ما غاب مذ غبن عنا سهدُ الليالي الطـوال
كان يحضني على أن اتخذ من ذهني دفترا يغنيني عن مداعبة القراطيس.
.. أكل الدهر من جسم الرجل، فذهبت مُنّته، واحدودب ظهره رغم أنه لم يكن فارع القامة.. لم يعد في قلبه الزاهد في الدنيا سوى صُبابة صَبابة عذرية.. جعلته يختار لي مقطوعات خفيفة من شعر ابن الدمينة وصمة القشيري وقيس الرقيات، واضرابهم من شعراء الغزل العذري.
- تلفتُّ نحو الحي حتى وجدتني وجعت من الإصغاء لَيتا وأخدعا
وأذكر أيام الحمى ثم انثـــــــني على كبدي من خشية أن تصدعا
وليست عشيات الحمى برواجع عليك، ولكن خلِّ عينــــيك تدمعا
وحينها يغالب الرجل دموع عينيه الذابلتين أن تتحدر.. ثم يريني في رقبته عرقين منتفخين ويقول لي بنبرته الحزينة "إنهما الليت والأخدع".
- لقد تلفت الرجل وراء حمولة قوم "ريّا" الظاعنين بقلبه، إلى أن أصابه وجعٌ فيهما.. إنه تماما مثل شاعر آخر يقول:
الله يعلم أنا من تلفتـــــــــــــــــنا يوم الرحيل إلى أحبابنا صُور
وانني حيثما يثني الهوى بصري من حيثما سلكوا أدنوا فأنظورُ
وهنا، يعتدل الشيخ في جلسته، لينبهك، بجدية المعلم الوقور، أن صاحب البيتين الأخيرين من قوم من العرب يشبعون الحركة.
يرتع بك الشيخ محمد في رياض اُنُفٍ من الشعر والأدب، جاهليه وأمويه وعباسيه. ثم ينتقي لك بذائقة الحاذق البصير أقرب الشعراء إلى قلبه:
من شعراء الجاهلية يختار لك الأعشى ولبيدا. ومن الاسلامي يختار لك من خمريات حسان ابن ثابت، قبل إسلامه، ما يشنف به سمعك:

إن التي ناولتنـــــــــي فرددتها قُتلت - قُتِلت- فهاتها لم تقتل
كلتاهما حلب العصير فعاطني بزجــــاجة أرخاهما للمفصل

ثم قوله، بعد إسلامه، في جبلة ابن الايهم آخر ملوك الغساسنة:
إن ابن ايهم من بقية معــشر لم يَغــذُهم آباؤهم باللـــــــوم
لم ينسني بالشام إذ هو ربها كلا ولا متنصــــــــــرا بالروم
قد جئته يوما فقرب مجلسي منه وروّاني من الخـــــرطوم

وهو وإن أعجبه شعر ابن المعتز لحد التدله، وأسرته تشبيهاته الرائعة، واستفزه قوله:

وغاب ضوء قمير كنت أرقبه مثل القلامة قد قدت من الظفر
فكان ما كان مما لست أذكره فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر

إلا أنه لم يبلغ شعر ولا نثر من صاحبنا ما بلغه فيه غيلان ذو رمة.. غيلان الذي يحفظ الشيخ محمد ديوانه عن ظهر قلب، ويفقه وحشي لغته وغريبها:
لن يتحدث إليك الرجل دون أن يأتي على ذكر غيلان، وكأنه يتلذذ باسمه.. يعتبره أشعر الأنس والجن، ويعتبر أن الشياطين نفثوا في روعه ما يأتي به من قريض، وأن التاريخ لم ينصفه كما أنصف معاصريه.. ويعيد أسباب ذلك لعفة صاحبه عن الورود على أبواب السلاطين، حيث اقتصرت أمداحه على بلال ابن ابي موسى الأشعري.. ولعفة لسانه أيضا عن الخطل في عصر سادت فيه النقائض وثقافة الهجو والثلب. كما يرى أيضا أنه كان مُحَسّدا من شعراء عصره.. ويأخذ منه الغضب كل مأخذ حين يقرأ القصة المتواترة في كتب الأدب: أن جريرا أسعف غيلان بأربعة أبيات زاد بها قصيدة له، أولها:
يعد الناسبون إلى تميم بيوت العز أربعة كبارا..الخ
فلما سمع الفرزدق الأبيات قال له: لقد لاكهما من هو أقوى منك حَنَكاً".. فهل هناك من هو أقوى حنكا، وأحسن نحيزة في صوغ القوافي من ذي الرمة!.
اذكر أنني حدثته مرة أن أبا علي القالي أورد في "أماليه" أن لغيلان اخا يدعى سلمة0 فمكث ساعتين يهز رأسه عرضا، علامةَ الإنكار، وقال لي "إن بطنا اتسع لغيلان لن يتسع لغيره" و طفق يسوق الحجج والبراهين على بطلان ما أورده القالي. ثم قال لي "لو كان لغيلان أخ لذكره في شعره كما ذكر الشماخ مزردا".
وقد ذهب به الولع بغيلان أن سمّى بقرته الحمراء، الهزيلة، التي لم يكن يملك من متاع الدنيا غيرها "صيدحا" على اسم ناقة ذي الرمة:
رأيت الناس ينتجعون غيثا فقلت لصيدحَ انتجعي بلالا
وكانت بقرة الشيخ محمد التي ينفق جل يومه في إطعامها الكاغد، ثم لا يجد في ضرعها دَرا يغذيه، هي الأنيس الملاطف له في عزلته. كانت تستبين صوته من بين أصوات الناس، وتقفو اثره حذو النعل بالنعل، كما يقفو وليد أثر أمه، وقد جزع عليها جزعا شديدا حين عاجلتها المنون.
مرةً، مر على القرية السفير الموريتاني حينها بالسعودية، فزاره صاحبنا في محل استضافته.. وقف بعيداً.. وأمر من ينادي له على سعادة السفير الذي هش وبش في وجه من درّسه القرآن الكريم. ولكن الشيخ محمد عاجله بمطلبه دون مقدمات:
-أخبرني ثقاة أن السلطات تنوي أن تشق حزوى بطرق الاسفلت.. إلا يدرون انها بلاد نيطت بها تمائم ذي الرمة، وفتل فيها سحيل قريضه ومبرمه.. ووافته فيها المنية فغص فيها بجريضه.. هنالك كان يلتقي غيلان ميّاً، فيبثها لواعج شوقه ورسيس غرامه.. بالله عليك لا تدعهم يفعلون!.. بالله عليك امنعهم أن يهتكوا حرم غيلان!.. كيف سيكون حال دنيا لا وجود فيها لرسوم حزوى وأطلالها.!
و لكن سعادة السفير الطيب جدا، أطال في تبريراته لصاحبنا: إنها مقتضيات الحضارة.. ضرورات العصر.. سنة الحياة، وأنا كسفير لبلد أجنبي لا أملك من الأمر شيئا.. ليس لي أن أتدخل في أمر كهذا أيها الشيخ.!
ومن دون أن يودّعه، غادر الشيخ بهو المنزل وهو يَحرِقُ نابَه، يعتصر الأسى قلبه المرهف عصرا، فقد قرر بنوا هذا الزمن الرديئ أن يدكوا ببَرَاذِينِهم آخر قلاع الحب.. فلا نامت عيون الأجلاف!
هنالك من لام سعادة السفير على وضوحه مع الرجل.. قالوا له: لو داريته.. فقلت له إنك لن تألو جهدا في الحيلولة دون ذلك لكان أطيب لخاطره.. امنحه بذلك راحة البال، ثم دعهم يفعلون بحزوى ما يشاءون!
لم أر - ولا رأى غيري من تلامذة الرجل- في حوزته ورقا ولا حبرا.. قالوا إنه كان يستعمل اللوح والدواة في كتابة القرءان لأطفال كُتّابه، أيامَ كان يدرس القرآن لوالدي وأترابه.
لقد استكمل الرجل الظرافة وخفة الروح.. ورغم انه كان شاعرا مطبوعا فإنه لم يكن يحب قراءة شعره.. كان شعره كله غزلا عذريا محتشماً، حين ينشؤه فينشده ربة الباعث، لم يبالِ به بعدها، ولا أعاد إنشاده. فيموت ذلك الشعرُ قبل أن يستهل صارخا..
إنه يكتب الشعر لنفسه ولقلبه الحساس.. لا يكتبه للناس !
كتب مرة يداعب صديقه النحيل الذي ركب أرجوحة في موازاة امرأة كانا يستلطفانها، وكانت بدينة، خدلة الساقين، مكتنزة اللحم، ليست من الصنف المفضل لدى دونالد ترامب. فكان طبيعيا أن ينصلب صديقه العاشق النحيل:

إن التي ذهبت بالقلــــب إذ ذهبا هي التي صلبت بـ"الليت" فانصلبا
لا أنسَ. لا أنسَ إذ زفت حمولهم لغربة، وكذا أهل الهــــــــــوى غُرَبا.

أما شعره الحساني فكان قمة الظرافة:

دِيرُونّ النـــار افْذِ الفرْنَ
وشدّونّ اخْبَارْ افْطَيْــــمَنّ

..كان صاحبنا مولّها بالخرائد، على عفة.. كان ممن أصاب قلبه سهم غَرْبٌ من سهام كََبِيدُوه الحمراء.. يشبه ولهه بالجمال عشق المتصوفة للكمال.. لم يكن يلبس "دراريعه" إلا من بقية ملحفة كانت تتخذها أحداهن لبسةَ مُتَفَضِّل.. رائحة العرق الراشحة من أجسادهن أزكى في أنفه من نشر قوارير جيفنشي.
يحدث احد تلامذته الأوائل، أنه رافقه يوما إلى مضارب خيام أهل منيرة، شَمالي اللوندي، و كان صاحبنا يقول إنه لا وَقِيرَ في الدنيا سوى وقيرهم هنالك أو وقير بني أمية في الأندلس. وحينها كان الرجل مدلها بإحدى بناتهم.. وجدوها امرأة بَرْزَة، تَخُضّ وِطَابَها، الممتلئ لبناً، فصنعت منه لضيوفها القادمين (صاحبنا وتلميذه) مذقاً باردا من ماء قربةً.. إلا أن الرجل أدار القَعْوَ المتدفق إلى تلميذه الصغير. وحين ذُهلت المرأة أن الشيخ لم يشرب، قال لها بحنجرته الخافتة الشجية، وكأنه موبذان بحضرة كِسْرَاه:
-إن اردتِ لي إحسانا، فخذي آنية وأغسلي فيها زنديك المتلطخين بأصباغ "النيلة" السوداء. واغسلي فيها وجهك الصبوح.. ثم سلميني إياها!
لم تتردد المرأة في فعل ذلك، وحين مدت إليه الأناءَ الذي يحوي غُسالة بدنها، أقعى الرجل ثم كرع فيه فاشْتَفّه. ولسان حاله ينشد قول البحتري:
أمد كفي لأخذ الكاس من رشإ وحاجتي كلها في حامل الكاس.
تزوج الرجل في حياته لليلة واحدة امرأة من ولاية آدرار، ثم فارقها عند انبلاج الصبح، وهو يلعن الزواج أكثر مما لعنه قبلَه المعري والعقاد وكمال الشناوي، وافلاطون وكنت وديكارت.
... حين يغرم صاحبنا بإحدى نساء الحي، فإنه يتبنى من أولادها أعلقهم بقلبها، فيفرغ عليه شحنة الحب المتوقد الذي يكنه لأمه. ثم يختار له من أسماء الدلع والتحبب ما يوّري به عن مشاعره اتجاه أمه المتمنعة.. وبدل أن يُشَبّب بها فيخدش الكرامة فإنه سيرقّص الولد بمشاعره أشعارا، عفيفة، لا تهتك للحياء والوقار سترا.
أتذكر قطعة شعرية كان قد أرسلها لأحد أبناء روحه، بعد أن أنتقل من القرية إلى المدينة لمتابعة الدراسة.. لم يعد يعلق بذهني سوى مطلعها:

هل من رسول "لزْركلاّيَ" يبلغه مني السلام، وأن قد مسني الكمد؟!

... تكالبت السنوات الغريبة على صاحبنا البدوي باندفاعاتها الهائلة نحو التكنولوجيا الصارخة: كره السيارات وهديرها والمذياع و ثرثرته. و مستودع المياه الذي اتخذته القرية بدلَ آبارها وسوانيها فأصم الآذان.. بَرَتْه الأيام كما تُبرى القِسِي، فتركت منه صروفها جسما ناحلا، لو توكأ عليه صاحبه لانهدم، ومدت إليه المنية يدها العسراء فاختطفته.
مات بموته آخر الظرفاء.. آخر العشاق العذريين.. و المدرسيين التطبيقين.
فاغدق اللهم عليه شآبيب رحمتك وعفوك!

حنفي ولد دهاه

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
حب البنات
د.عادل حامد -

بعضهم من الذين احترفوا الادب وقرض الاشعار يجمح به الخيال حتى يرى المرأه الجميله وكانها بدر منير بعيد هناك في السماء .واذا ما سمع كلام الناصحين له بان يكمل نصف دينه يجد هذا البدر وقد تحول الى مخلوقه لها مطالب وحقوق وانها من لحم ودم فتصيبه الصدمه ولا يصبر ويهرب في الصباحيه .وانا لا اريد ان اتهم هذا الاديب بانه نايم في العسل ولكنني اشير ان من في سنه من الشياب دائما يتمنون البنات وما ادراك ما البنات اذا كانت قدوتهن -------- ولكن ما الحل وربي يرحم الاموات .ذهب سيعيني الى مستشفى الملك خالد للعيون بالرياض وقبل دخوله الى غرفة العمليات صاح بالجراح :تكفى يا حكيم ابغى عيوني يشوفن بنات المدرسه في قريتي وهن خارجات من المدرسه .ويثور الاستغراب اذاما عرفت ان هذا الشايب لم يتزوج .وقريته تبعد عن الرياض الاف الاميال .لقد امتعتنا متعك الله بالعافيه وارحتنا من السياسه وكتابها الذين ما جابوا لنا الا الصداع والاوجاع

على الطريق الصحيح
هاشم علي - العراق - -

قبل اكثر من ربع قرن قال الامام الخميني - رحمة الله عليه - عندما ترضى عنا امريكا واسرائيل فهذا يعني اننا على نسير في طريق الباطل -

تعرف أحسن من هذا
البريني من موريتانيا -

أولا مبروك يا حنفي على ولوجك هذا العالم الذي تستطيع أن تبرز فيه و تتفوق إن أردت ذلك - انتبه هنا - إلا أنني أشك في أن هذه هي البداية المناسبة فهذا المقال خاص في كثير من محاوره بأرض شنقيط رغم العبارات و المنهجية التي لا يتقنها معك إلا القليل ! استمر في الكتابة في هذا الموقع الرائع الذي يقدمك لجمهور أكبر و اختر مواضيع أكثر شمولية من ما كنت تشغل به نقسك هناك في أرض الوطن لتريح و ترتاح .و السلام

موضوع رائع
Alio -

فعلاً موضوع رائع. كأنك تتحدث عن شاعر من العصر الجاهلي أو من صدر الإسلام، رحمه الله، لم نعد نسمع أو نرى ناساً من هذا المستوى. لكن ما يثير الاستغراب في رد هاشم علي من العراق ادخال الخميني و أمريكا في هذا الموضوع ما علاقة الخميني بشاعرنا و ما علاقته بأمريكا هل كان عميلاً أمريكياً أو ثائراً خمينياً؟