كلوسفيتز في بلاد العجائب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
ترجمه عن الفرنسيّة عبد اللّطيف بن سالم
هناك مقولة في علوم الحرب تؤكد أن "الهواة دائما ما ينشغلون بمسائل الإ ستراتيجيا بينما الخبراء ينفذون إلى أغوار اللوجستيكا"، لكن إذا ما صدّقنا ما صرّح به خبير عسكري من البنتاغون فان هكذا حقيقة تكاد تصبح غير مجدية و الدّليل في ذالك إن الهواة حتى ولا يزالون يتحدّثون في امور إستراتيجية فان الخبراء الجدّيّين يحبّذون الغور أعمق فأعمق في مواضيع...الأنثروبولوجيا؟ وهو اختصاص أوفر جدوى، بحسب رأي هذا الخبير، في إستجلاء ما يسمّيه: "منطق الحروب القبليّة التي عجزت في إستعابها تعاليم كلوسفيتز."
في مقال بعنوان "كلوسيفتز في بلاد العجائب" كتب طوني كورن العضو بمؤسّسة هوفرو "ثينك ثانك" مستشاري جورج بوش، تابعة للحزب الجمهوري، أن انبثاق ما يقارب المائة فضائيّة في سماء العالم العربي دفع بالمحلّلين في مختلف الاختصاصات لمراجعة أحكامهم في مدى جدوى منظومة كلوسفيتزالنظرية في الحرب و في الإستراتيجية في زمن الفضائيّات العربيّة كقناة الجزيرة.
في غضون الستينات، قد حوّل التلفزيون وجوه متمرّدة و ثوريّين من أمثال ياسرعرفات و فيدال كاسترو و ارنستو تشي غيفاره إلى أيقونات إعلاميّة بالفعل. و منذ ذالك التّاريخ ما فتئ دور وسائل الإعلام يتنامى يوما بعد يوم و في أغلب جبهات القتال و النزاعات الكونيّة. و إذا كانت الثورة الخمينيّة في إيران قد استخدمت و على نطاق شاسع الأشرطة المسجّلة لترويج خطابها " فدنيا الإعلام - ميديا سفار - اصبحت بداية من الثمانينات (الانتفاضة الفلسطينيّة) والتسعينات (حروب البلقان) ارض المعركة الحقيقيّة " يتوقّف رهانها الخطير على كسب القلوب و غزو النفوس. و يؤكّد طوني كورن على ضوء هذه المستجدّات الإستراتيجيّة: "صحيح أن الهواة يقولون' بالرسالة' لكن في الآن نفسه أصبح الخبراء يتشدّقون بضرورة الاستنجاد ' بالرّواية' أو ' الأقصوصة'"
في مقال يحمل عنوان" صطوري تلّينغ اند ترّوريزم "الإرهاب والقصّة المحكيّة" أكد خبيران انه في الحرب ضدّ الإرهاب يتعين علينا أن تقرا ألف حساب "للقصص التي يسردها علينا الإرهابيّون". ويستشهد المقال المذكور، المنشور في شهر مارس من سنة 2005 على الموقع الإلكتروني التّابع لمركز النّزاعات المعاصرة، بكتّاب و بمفكّرين، يبعث وجود لائحة تحمل أسماءهم مدرجة على بوّابة معنيّة بالدراسات الإستراتيجيّة، على الدهشة و الإستغراب : و على سبيل الذكر لا الحصر نجد ضمنها الفيلسوفين الإغريقيين أريسطاطليس و أفلاطون أسوّة مع متخصّصين في الدّراسات الأدبية و البحوث في علوم الأعصاب و الاجتماعيات، أيضا مع عالم الألسنيّة جورج لكوف و عالم الإجتماع بنيامين باربرو حتّى الرّوائي البولندي الشّهير ريسار كابوسينسكي، بحيث أصبح هؤلاء و آخرون كثر يشكلون قائمة بالمصادر و المراجع الببليوغرافية ترسم، بالإيحاء، صورة فكريّة للكلوسيفتزييّن الجدد في زمن الحرب الإعلاميّة الكونيّة، لكن مع الفارق أن الأمر لا يتعلّق هذه المرّة بخبراء في اللوجستيّات، إنّما بمتخصّصين في " حقول معرفية تعني بالسر ديات وبمجال البنية القصصيّة "
" إن نشأة و ترعرع التنظيمات الإرهابيّة ثم التحوّلات التي طرأت عليها ترتكز أساسا - حسب هؤلاء الخبراء - على سرديّات يتوجّب علينا تفكيك طلاسمها إذاما أردنا استحداث مفاهيم إستراتيجيّة جديدة كفيلة بضرب فاعليّتها و تدميرها.
إن إعادة تفكيك الأسطورة المؤسّسة لتنظيم القاعدة مثلا، يفترض إذا ما أردنا مواجهتها اقتراح " أسطورة بديلة، بمعنى آخر، خرافة أفضل من تلك التي يرويها على مسامعنا هؤلاء مبتلعي الأساطير
النهمين" و يؤكد هذا التحليل إلى حد ما التشخيصات التي وضعها الروائي الأمريكي دون دى ليلو منذ سنة2001 عندما كتب أن : " الإرهابيّين أصبحوا اليوم يسيطرون على عالم الرواية "
و يضيف طوني كورن قائلا أن " الإعلام في ميدان الحرب، مقارنة بالإعلام في ميدان السّياسية، يشكو تأخّرا يقدّر بثلاثين سنة ". و كان البيت الأبيض الأمريكي قد أدرك منذ و لاية كلينتون أهمية إخراج السّيناريو السّياسي الرئاسي ( ستيّج كرافت) باعتباره لا كمجرّد استكمال للنشاط الحكومي فحسب بل كبديل لهكذا نشاط." لقد دخلت الولايات المتّحدة بداية من انتهاء التّهديد السّوفيتي، في حملة مستديمة على الصّعيد العالمي باتت ألح ضرورة من ذي قبل جرّاء خوضها ' حربا طويلة الأمد ' تنذر حتما بإ نمحاء ذكرى الحادي عشر من سبتمبر(أيلول) خارج حدودها،و النتيجة المنطقيّة لذالك هي أن الولايات المتّحدة ستبدو، و ما من شك في ذالك ( لأن السّياسة هي إدراك حسّي كذلك لكل ما يحدث ما وراء الحدود) و كأنّها حجر العثرة الرّئيسي الذي يحول دون تحقيق السّلام في العالم.، فالدبلوماسيّة العلنيّة بالنسبة للمعركة القادمة سوف تكون، و الحالة تلك، فاقدة لوجهة محدّدة طالما أمعنت في ترويج ' الرّسالة' وحدها بدلا من إن تشرع للتوّ في سرد أطوار قصّتها "
و يبدو على الأرجح إن جملة هذه التعاليم وجدت آذانا صاغية في شخص برنار كوشنار وزير الخارجيّة الفرنسي الذي أكّد أخيرا أنّه :"يجب علينا أن ننطلق مجدّدا نحو غزو حكاية الكون". يبقى انه ليس هناك إجماع في أوساط الخبراء العسكريّين حول هذا الموضوع. فلقد أدان صام غاردنا ر و هو من أكبر الخبراء في مجال تصميم تمارين التشبيه الإستراتيجية، الدّور المشئوم الذي لعبته " القصص المحكيّة ذات الطابع السّياسي" في صياغة و تسويق الحرب الأنغلو-أمريكية على العراق.
و بيّن غاردنار في شهر سبتمبر(أيلول) من سنة2007 إن كاتب السّيناريوهات التي تؤلف يوميّا في مركز الإعلام التابع للبيت الأبيض هو آليستار كامبل مستشار طوني بلير و الرّجل الذي يقف وراء التقرير المغشوش الشهير حول اتهام العراق بامتلاك أسلحة الدّمار الشّامل. فيما كشف في بداية شهر نوفمبر أيضا أن" الحملة التضامنيّة مع النّساء الأفغانيّات التي تمّ توزيع أدوارها بدقّة سيمفونية، تشهد على تطابق مذهل بين التوقيت و السيناريوهات التي نفذت بتزامن في لندن وفي واشنطن ". ففي السابع عشر من شهر نوفمبر سنة 2001 صرّحت لورا بوش أن : " الإرهابيّين و الطّالبان هم وحدهم الذين يتوعّدون النسوة اللواتي يستعملن ملمّع الزينة باقتلاع أظافرهن ". ثلاثة أيام من بعد ذالك بالضبط تداولت شرّي بليرعقيلة رئيس الوزراء البريطاني التصريح نفسه بالحرف الواحد.
و استطرد غاردنار قائلا، بعد أن قام بعمليّة إحصاء ما لا يقل عن الخمسين حكاية من مثل تلك التي روت الوقائع" البطوليّة" الوهميّة لعمليّة إنقاذ الجندية الأمريكية جسّيكا لينش " أبدا، لم نبتدع في الماضي هذا العدد الهائل من الحكايات بهدف تسويغ و تسويق حرب ما،لكن حين تدقّ ساعة الانسحاب من العراق، فإن الصدمة ستكون عندها أشد وقعا بكثير من الصدمة التي تلت رحيلنا من الفيتنام. وإن رجالات السّياسة سيصطدمون بالرأي العام الذي سيرفض حتما تصديقهم حتى ولو أصدحوا بالحقيقة ". ومجمل هذه العواقب هو نتيجة فسح المجال واسعا أمام استخدام نظريّة " القصّة المحكيّة " في مقاربة مسائل الحرب.
*كرستيان صلمون باحث بالمركز الوطني للبحث العلمي-فرنسا