أصداء

بين معيار الحقيقة.. ومعيار الحرية

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

فيما كانت "الحقيقة الدينية" تمثّل معيار جميع القضايا والمسائل في الحياة في الماضي، بدت اليوم فاقدة ذلك الدور وحل محلها معيار "الحرية"، وهذا لايعني أن الإنسان الحديث يرفض أن يولي اهتماما بـ"الحقيقة الدينية" أو إن الحقيقة فقدت جميع مواقعها في الحياة أو تم معاداتها، إنما يعني أنها فقدت الدور الذي كانت تلعبه بالحياة في الماضي في مرحلة ما قبل الحداثة.


إن من النتائج المهمة التي أفرزها بروز معيار "الحرية" في الحياة الراهنة، أن الإنسان أصبح محورا رئيسيا في جميع القضايا والمسائل، وأن احترام حقوق الإنسان بات ميزانا يستخدم كوسيلة لقياس جميع الأعمال، من سياسية واجتماعية وأخلاقية ودينية. فجميع الأشياء أصبحت تقاس في إطار احترام حقوق الإنسان لا في إطار ما تقرره "الحقيقة الدينية"، التي أصبح لزاما عليها أن تخدم الإنسان لا أن تضرّه وتقف في طريق تطوره وتقدمه. ففي حين كان الإنسان في الماضي يستسلم لـ"الحقيقة الدينية"، باتت الأخيرة مستسلمة للإنسان في الوقت الراهن بشكل واضح وصريح.


إن معيار "الحرية" لايشير فحسب إلى الحرية السياسية وإنما إلى مسائل أكبر وأشمل. فالحرية السياسية هي إحدى نتائج "الحرية"، وهذه الأخيرة حلت محل معيار "الحقيقة الدينية" لأنها استطاعت أن تهضم جميع أسئلة الحياة الحديثة واستفساراتها، في حين عجز معيار "الحقيقة الدينية" عن ذلك وبالتالي فقد دوره المعياري. فالإنسان الحر في العصر الحديث، هو ذلك الذي تسير الحرية بسلاسة في أعماقه لتؤثر بعد ذلك على جميع تصرفاته. ورغم أن الحرية، وفق مفهومها الجديد وموقعها المعياري الأول في العصر الحديث، هي التي تساهم في أن يختار الإنسان "الحقيقة الدينية"، نجد أن "الحقيقة الدينية" كانت تفرض فرضا على الإنسان في الماضي الذي لم يكن أمامه من سبيل سوى أن يخضع لها دون أي مجال لممارسة الاختيار أو الانتخاب. فـ"الحقيقة الدينية" هي التي كانت تختار الإنسان، الذي بدوره كان يستسلم لها. لكن بمجرد أن اختلف مفهوم "الحقيقة" في العصر الحديث، حيث بدا غير مرتبط فحسب بالدين واستطاع التحرر من أسر الأديان ولم يعد ينطلق منها فقط إذ أصبح للعلم حقيقة وللدين حقيقة وللأخلاق حقيقة ولأشياء أخرى حقائق أيضا، بات غير واردِ الاستسلام لحقيقة معينة، وحل محل ذلك أن برزت عملية الاختيار كنتيجة من نتائج معيار "الحرية". وكان لابد في هذا الإطار أن يتم احترام ذلك الاختيار بوصفه يعبّر عن إرادة الإنسان وحريته. لذلك برز حق الإنسان في التدخل في شؤون جميع المسائل والقضايا من أجل اكتشاف حقائقها، التي بدورها تسهل مسيرة الحرية ولا تقف ضد إرادة الإنسان.


إن الشأن السياسي المنبني على معيار "الحقيقة الدينية" يختلف اختلافا كليا عن ذلك الذي ينبني على أساس معيار "الحرية". فالمتديّن الذي يدّعي احتكار "الحقيقة" ومن ثَمّ يمارس السياسة من خلال خنق إرادة المعارضة وحريتها بوصفها معادية للدين أو لفهمه الديني، لايمكن أن يتعايش مع العمل السياسي المنطلق من معيار "حرية" المعارضة. بمعنى أن "الحقائق"، بما فيها الدينية وغيرها، يجب ألا تعترض طريق حرية الإنسان وإرادته في جميع مجالات الحياة بما فيها المجال السياسي. ففي العصر الحديث لايمكن قبول نهج سياسي يستند إلى "الحقيقة" وبالذات الدينية، أولا، لأن معيار "الحقيقة" تلاشى وحل محله معيار "الحرية"، الأمر الذي جعل المزج بين السياسة والدين أمرا غير واقعي ومناهضا لحرية الإنسان، وثانيا، بسبب أن الحقائق، ومنها الحقيقة الدينية، فقدت دورها المعياري في الحياة، وكذلك، ثالثا، بسبب أن الحرية لا يمكن أن تتعايش مع الثقافة التي تنتجها "الحقائق"، وبالذات الدينية، والتي تعني الاحتكار والتضييق على حرية الإنسان وإرادته.


يجب ألا نعتقد بأن أنصار الأديان هم وحدهم الذين يدّعون امتلاك "الحقيقة". فأنصار الإيديولوجيات العلمانية الحديثة، كالماركسية، يسبحون أيضا في نفس البحر. فهم، كالمتديّنين من أنصار مدرسة الإسلام السياسي، يرفعون شعار "الحقيقة المطلقة" ويدافعون عنه ويعتبرونه حكرا لهم ما يجعلهم متعصبين ومتشددين، ورافضين للآخر الذي يختلف مع ذلك الشعار، وبالتالي رافضين أن يكون معيار "الحرية" هو السائد في الحياة. لذلك يعتبر المزج بين الدين والسلطة السياسية بالنسبة للإسلام السياسي، كالمزج بين الحكومة والإيديولوجيا بالنسبة للعلمانية. كما أن المشكلة التي تعاني منها المجتمعات العربية والمسلمة مرتبطة باحتكار "الحقيقة الدينية" من جانب جماعات الإسلام السياسي أكثر من ارتباطها باحتكار "الحقيقة" من جانب الإيديولوجيات العلمانية التي انطفأ نورها بشكل كبير.


لذلك على جماعات الإسلام السياسي أن يختاروا بين معيارين، إما القبول بالواقع العالمي الراهن الذي باتت فيه "الحرية" هي معيار الحياة، وإما الاستمرار ببث الروح بالحياة الماضوية التي كانت "الحقيقة الدينية" تشكل معيارها وبالتالي الاصطدام بمقومات الحياة الراهنة التي من أبرزها أن تكون الحرية والإرادة والإختيار بأيدي عامة الناس وألا يتم احتكار "الحقيقة" وأسر الإرادة الإنسانية وسجن حريتها. لابد أن تكون القضية شفافة بشأن موقف أنصار الإسلام السياسي من معيار "الحرية"، وأن تتم الإجابة على السؤالين التاليين: من هو الأصل ومن الفرع فيما بين الحقيقة والحرية؟ وأي واحد فيهما يجب أن يتبع الآخر؟ إن من شأن الدين أن يبدو في صورة متسامحة إذا استطاع أنصاره أن يتنازلوا عن اعتباره "حقيقة مطلقة" ومعيارا للحياة في الوقت الراهن، لكن ذلك بحاجة إلى تنازلات كبيرة قد تهدم بنيانهم السياسي والاجتماعي، وعلى رأس تلك التنازلات الاعتراف بمعيار الحياة الجديد الذي يجعل الإنسان حرا في اختيار دينه وطريقة عيشه من دون تكفير وإلغاء وقتل من قبل طرف ديني ضد أطراف دينية وغير دينية. فمعيار "الحرية" يجعل الجميع يعيش في إطار من الاختلاف دون إلغاء طرف لآخر، في حين يقوم معيار "الحقيقة الدينية المطلقة" باحتكار فهم الدين ونشر ثنائيات تنبذ التعايش والاختلاف وتشجع الإلغاء داخل المجتمع.

فاخر السلطان

كاتب كويتي
ssultann@hotmail.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
تـحـيـة لفاخر سلطان
أحــمــد بــســمــار -

أحي الكاتب الكويتي فاخر سلطان على وضوح كتابته وجرأته, وخروجه عن الخطوط الحمر التقليدية المرسومة, في مجتمع تعود فيه غالب الكتاب والمفكرين الرسميين عدم الخروج مليمترا واحدا عن الخطوط والموعوظات المفصلة من مئات السنين, بلا أي نقاش, مهما كانت بساطته المنطقية أو الغير منطقية...كتاباته الجديدة تفتح طريقا جديدة نحو آفاق جديدة من الحريات المنطقية الجديدة, غير معروفة في العالمين العربي والإسلامي. آمل للسيد فاخر سلطان ديمومة الأمل وقوة الكتابة ! ! ! ...أحمد بسمار مواطن عادي بلاد الله الواسعة.

امعيار الواقع ام الح
عصام -

نستطيع ان نجيب بسهولة عن الخلل في الاقتصار على معيار الحرية لان الحرية اذا لم تطابق الواقع فهذا يدل على عبثية الحرية فلا بد ان يحصل من انسجام بين الحرية والواقع وكل الافكار والتصورات والاعتقادات لا بد ان تطابق الواقع ومع عدم التطابق يدل على خطأ ذلك الاعتقادات او ذلك التصورات او ذلك المفاهيم فلو فرض ان ممارسة الحرية تجعل الاموال بيد الف شخص بمقدار ما يملك نصف العالم وهم اصحاب الاموال الهائلة فهل هذا يعني صحة الحرية والدليل على هذا الخطأ ان ثلاثة قارات في العالم تتلظى من الجوع مقابل رفاهية الشعوب الاوربية والامريكية اما الاسلام منع حصولة دولة بين الاغنياء وذلك من خلال تفتيت الملكية فايهما اصح الحقيقة الدينية اما الحرية نرجو ان يجيب فاخر السلطان في مقال اخر على هذا السؤال فالمقياس الاسلامم هو الواقع اما مقياس فاخر السلطان هو الحرية

معيار الواقع والحرية
عصام -

نستطيع ان نضيف امور اخرى تثبت ضعف معيار الحرية بخلاف صحة معيارالحقيقة الدينية ومعيار الحقيقةالدينية هو الواقع كما ذكرنا سابقا من هذه الامور تشريع الزواج اللانمطي يعبر عن الحرية كما في بعض دول الغرب ولكن مثل هذا الزواج يخالف العقل والوجدان السليم والشرع فمع المخالفة يثبت ضعف هذا المعيار كذلك الانتحار ان اعطاء الحرية الشخصية الواسعة يسمح للفرد من ممارسة الانتحار بينما في الواقع خلاف العقل والوجدان والشرع كذلك الاعتماد على مصطلح جديد وهو مفهوم النوع الانساني والغاء مفهوم الذكورة والانوثة كما في المجتمعات الغربية هذا الالغاء يعبر عن مخالفة العقل والوجدان وبالتالي الواقع وهناك الكثير من الشواهد التي تثبت ضعف هذا المعيار وارجحية معيار الحقيقة الدينية