أصداء

أوباما وصناعة الرأي العام الأمريكي

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

في سياق التحولات الدراماتيكية التي صاحبت وصول إدارة الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض لا يبدو موقف الرئيس أوباما الجديد واللافت للنظر حيال قضية الشرق الأوسط، مجرد سياق منفصل، كما درجت عليه العادة مع الإدارات الأميركية السابقة. بل ربما كان تعبيرا عن رؤية أعمق نظرا ؛ ترى في المشكلات العالمية، سواء لجهة مفاعيل حروب الإرهاب التي جرت بين القاعدة والإدارة البوشية السابقة، أو لما نجم عنها من أزمة مالية خانقة، أو حتى ما سبق ذلك في عقد التسعينات من نقلة كبيرة في شبكة العلاقات العالمية المتصلة بثورة الأنفوميديا (الاتصالات والمعلومات) ؛ حيث ترى هذه الإدارة الجديدة في كل ذلك سياقا معقدا لا يمكن ضمان الخروج من أزماته عبر حلول تجزيئية.

ولهذا فإن آراء أوباما في خطاباته وتصريحاته دلت على إدراك بذلك السياق المعقد للمشكلات الجذرية في العالم : الإرهاب ـ الأزمة الاقتصادية ـ قضية الشرق الأوسط وضمن هذه الرؤية المركبة تأتي مقاربة أوباما لقضية الصراع العربي الإسرائيلي.

إن ما طرأ جديدا في سياق هذه المقاربة، ليس فقط في الانعكاس السياسي للمؤهلات الفكرية والمعرفية في شخصية أوباما وما تنطوي عليه من كاريزما، بل أيضا في قدرته على إدراك تلك السمة البنيوية حيال اتصال المشكلات العالمية ببعضها البعض على نحو جعل من ضرورة النظر إليها وفق حزمة من الحلول المتشابكة موضوعيا والممكنة واقعيا أمرا بالغ الجدية.

وفيما خص تلك المشكلات العالمية، التي تأتي في مقدمتها ثلاثة ملفات أساسية خاصة بمنطقة الشرق الأوسط ـ المنطقة العربية تحديدا ـ وهي : الإرهاب، النفط، وقضية الشرق الأوسط ؛ فإن هذه المقاربة الجديدة لها ربما أدت إلى فرصة تاريخية حيال إعادة النظر في الأسباب التي كانت تمنع الرأي العام الأميركي من فرز رؤية صحيحة وموضوعية لتلك المشكلات، عبر الإعلام الأميركي وعناصر الضغط و التأثير فيه من قبل العديد من لوبيات الإعلام. وهو مجتمع بطبيعته المركزية يخضع للاستقطاب الإعلامي على نحو عميق. فما حدث هذه المرة كطارئ قوي في تلك الشبكات الإعلامية المؤثرة على الرأي العام الأميركي ؛ هو أن السياق المختلف لمقاربة مشكلة الشرق الأوسط وقضية السلام تجاوز ذلك التنميط الإعلامي في المجتمع الأميركي ـ وهو تنميط اعتذاري لإسرائيل ـ وجاء من قلب الإدارة الأميركية الجديدة وفي إطار فكرة التغيير التي جاءت بها حملة أوباما الانتخابية. وهو تغيير لم يطرأ فقط على رؤية هذه الإدارة الجديدة للمشكلات الأميركية وإنما أيضا انطوى على تصور جديد للمشكلات الخارجية المعقدة ضمن قراءة تأثيراتها الكبيرة في الداخل الأميركي.

الكثير من الإيجابيات في هذه الرؤية الجديدة لإدارة أوباما يطرح على العرب ونخبهم السياسية والفكرية تحديات جديدة حيال مقاربتهم لتلك المشكلات التي تهب على العالم من منطقتهم، في واقع الإعلام الأميركي.

لكن السؤال هو : هل يملك العرب رؤية إستراتيجية قابلة للتفاعل مع إدارة أوباما، التي أعادت تعويم تلك المشكلات في الإعلام الأميركي على نحو يفترض الكثير من الموضوعية والواقعية حيالها؟.

الواقع العربي وما فيه من صراعات ومشكلات بين نخبه السياسية والحزبية هو أقل بكثير من الاستجابة لذلك التحدي، الأمر الذي سيؤدي ليس فقط إلى تفويت هذه الفرصة الجديدة، بل سيكون دلالة واضحة على عجز بنيوي يذكر باستمرار بتلك (الموهبة) العربية المذهلة حيال تفويت الفرص، كما جرت العادة.

فالعناصر الجديدة التي أعادت ضرورة النظر إلى مشكلات العالم وأزماته الطارئة هذه المرة تدفع كل عاقل لاستثمار الإمكانات التي تتيحها في هذه الظروف.

كما أن الثقل الوازن لمصلحة العرب في قضيتهم العادلة، والمتمثل في إعادة النظر الموضوعي والواقعي لقضية الشرق الأوسط والنظرة إلى الإسلام ـ وإن بصورة مبدئية ـ سيظل رصيدا قابلا للاستثمار.

ذلك أن الظرف الذي تتيحه الرؤية المتوازنة لهذه الإدارة لن يكون عابرا في أوساط الإعلام الأميركي، وسيلعب دورا كبيرا في تحريك وجهات نظر أخرى. بل إن انفتاح أفق آخر للمجتمع الأميركي لرؤية قضايا العرب سيجعل من ذلك الرصيد قابلا للتفاعل ولو من خارج السياق العربي.

لقد نسي العرب ولزمن طويل أن قضيتهم المركزية ليست فقط قضية عربية أو إسلامية فحسب ؛ بل كانت وما تزال آهم قضايا الضمير العالمي، كونها نتيجة إستراتيجية من نتائج الحرب العالمية الثانية. وكانت انعكاسا تراجيديا لفكرة انتصار القوة على الضمير والسياسة على الأخلاق عبر الداروينية السياسية التي تمت وفقها تسويات نتائج الحرب ـ بعيدا عن منطق الحق والعدل ـ حيث كانت القوى المنتصرة في تلك الحرب (الحلفاء) وعبر الرغبة في حل معضلة اندماج اليهود في أوربا من ناحية، وتحت وطأة البحث عن مكان للتكفير السياسي عن المحرقة النازية من ناحية أخرى؛ كانت ترى في فلسطين ـ بسبب الضعف والتخلف العربي ـ إحدى مفاعيل تلك الحرب لتطبيق القرار الدولي لقيام إسرائيل.

هناك وعي عميق لدى الرئيس أوباما ليس فقط بتفهم هذا المستوى الإنساني للقضية الفلسطينية، بل وكذلك بإمكانية ربط هذا المعنى الأخلاقي بإرادة سياسية ضاغطة وقادرة على تحويلها إلى قرارات تصب في مصلحة عدالة القضية.

لكن أوباما من ناحية أخرى يتحرك في حقل سياسي تحكمه موازنات دقيقة، وقواعد تمليها إرادة القوة لا إرادة العدل. وهذا بالضبط ما ينبغي أن يجعل من النخب العربية قادرة على التقاط الإشارات الذكية من طرف أوباما. فهو رئيس لأول مرة يدرج في قراءته الجديدة لمقاربة المصالح الأميركية الكثير من القضايا المعقدة مثل قضية الشرق الأوسط، على أنها ترتبط بنحو ما بتلك المصالح سلبا أو إيجابا. وأن حلها الواقعي هو جزء من قضية التفكيك السلمي لمشكلات العالم وأزماته المرتبطة بالمصالح الأميركية.

وهي قراءة جديدة لا تفرز المصالح عن المبادئ، وإن بصورة من الصور، حيث أنها تتأمل عميقا في المشكلات وتكترث كثيرا للجوانب الأخلاقية المتصلة بها، ليس على نحو مثالي بالطبع ـ فالسياسة هي فن الممكن ـ ولكن على نحو يجعلها تدرك أن المأزق الأخلاقي في تلك المشكلات حين يتحول إلى قضية من قضايا الضمير العالمي تتعلق بحقوق الإنسان، يكون سببا حقيقيا أيضا في أزمات أخرى تطال المصالح الأميركية ضمن ردود الأفعال المتصلة به.

ولعله لأول مرة تأخذ الأحداث السياسية الخارجية اهتماما داخليا في أميركا عبر الإعلام وقنواته المتعددة. فلأول مرة تهتم أجهزة الإعلام الأميركي والمجتمع والعالم أجمع بخطاب أوباما الذي ألقاه في القاهرة. ليس كحدث سياسي فحسب، وإنما أيضا للمزيد من الإصغاء لأفكار أوباما ورؤيته الجديدة. وكما لو كان ما يشد الناس إلى هذا الرئيس الشاب ليس فقط تجربته الجديدة والمثيرة، بل أيضا تلك الكاريزما التي امتلك بها مواصفات نجم سينمائي عالمي، أين منها تلك الإطلالة الكئيبة والمتزمتة للرئيس السابق جورج بوش؟!

فالرئيس الذي تفتحت عيناه في منزل يتجاور فيه القرآن إلى الأنجيل إلى التوراة إلى وصايا بوذا، وحكم كونفشيوس، نتيجة لاهتمامات والدته عالمة الآنثربولوجيا، يدرك تماما أن ثمة مكانا ما للوصول إلى تسويات حقيقية، عبر الحوار والتفاهم والمعرفة. لكن هذا الاستعداد الجديد لإدارة أوباما حيال قضايا العرب والمسلمين لا يمكن أن يكون فاعلا ومؤثرا إلا حين يتحرك العرب والمسلمون نحو المكان الصحيح من التاريخ، وهو ما يستدعي بقوة تلك الحكمة التي تقول : أن أول شرط لمساعدة الآخرين هو أن يساعدوا أنفسهم. فهل يتمكن العرب هذه المرة من مساعدة أنفسهم لكي ينالوا استحقاق مساعدة الآخرين؟

محمد جميل أحمد

* كاتب وصحافي سوداني

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف