أصداء

تأملات في العنف: (1) التجربة النازية

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لماذا الاهتمام بالتجربة النازية و هي تجربة وُلِدت وترعرعت وانتهت على أراض غريبة عنا ومنذ زمن ليس بالقصير. ولماذا الاهتمام بها الآن؟....ربما لأن هذه التجربة تستحق منا التأمل و لأسباب عدة:
-طبيعة البرنامج الذي قامت من أجل تنفيذه النازية وهو برنامج تم التخطيط له بدقة وقسوة وتم تنفيذه على أمد طويل ولم يكن قتلا عشوائيا.
- درجة القسوة التي وصلت حد محاولات الإفناء الكامل لمجموعات بشرية.
- لأن هذه التجربة قابلة للتكرار فالعناصر المكونة لها لا زالت قابلة للرجوع مع بعض التغيرات التي تفرضها صيرورة الزمن..فبعض الأفكار التي راجت آنذاك تطل علينا مجدداً وقد أُحسن تغليفها وتسويقها...
-لأنه حُكم علينا بخوض نزاع مع صورة مستحدثة لهذا الفكر العنصري وقد زُين بأساطير التاريخ...
وربما، وهذا هو الأهم، أننا قد نتعلم شيئا جديداً عن أخطائنا ونواقصنا كلما تمعنا النظر في تجارب الغير. ومن الانفتاح على "الأخر" خصوصا عندما يكون هذا الأخر ولظروف تاريخية قد ساهم في تشكيل وعينا بذواتنا وبالغير.


السبت الحزين
في بدايات صيف عام 1944 كانت قرية "اورادر سور غلان- Aoradar Sur Glane " تنتظر كعادتها قدوم يوم السبت ليقام بها السوق فينتشر الباعة والمتسوقين ويتم توزيع التبغ ثم يتفرق الرجال في المساء نحو الحانات لقتل الوقت والثرثرة وتبادل النكات والشائعات. كانت "اورادر سور غلان " قرية صغيرة مهمشة لم تتغير الحياة فيها

رغم ظروف الاحتلال الذي كانت تعيشه فرنسا آنذاك. لذلك كانت المفاجأة كبيرة بالنسبة لسكانها عندما اقتحمت عناصر الصاعقة الألمانية قريتهم بعد تطويقها و قامت بتفتيش ونهب منازلهم، ثم غدت الدهشة ذهولا حينما قامت القوات الألمانية بفصل الرجال عن النساء والأطفال. وساد الرعب حين أجبرت القوات الألمانية الرجال على التكدس في احد المباني و اقتادت النساء و الأطفال نحو الكنيسة. نصب الجنود مدافعهم الرشاشة وراحوا يحصدون القرويون حتى سقطت جميع الأجساد وتراكمت فوق بعضها البعض. قضوا بعد ذلك على الجرحى ثم نثروا على الجثث القش والحطب وأضرموا النار فيها. ابتعد الجنود قليلا عن المشهد ليشربوا بعض الزجاجات و يتلهوا بالاستماع إلى الراديو. في ذاك المساء تم التنكيل بالأطفال والنساء. رمى الجنود قنابل دخان عبر النوافذ الزجاجية ثم اقتحموا الكنيسة وقتلوا كل من كان فيها. أُحرقت الكنيسة بمن فيها والحصيلة 240 امرأة و202 طفل.....تم إحراق القرية بأكملها بعد القضاء على العجائز والمرضى..... وعند الغروب ابتعد الجنود وهم يحتسون الخمر مخلفين ورآهم سحب الدخان.. رائحة الموت....ودمار..... وجثث أكثر من 650 قروي كانوا بالأمس يلهون ويثرثرون.... في انتظار سوق السبت.
قبل المجزرة وبسنوات طوال وتحديدا في عام 1898 كان الخبير الألماني في العلوم السياسية "هاينريش فون ترايشكي" يحاضر قائلاً.....
"..يصبح القانون الدولي كلاماً فارغا إذا ما أردنا تطبيقه على الشعوب المتخلفة. فمن أجل معاقبة قبيلة من الزنوج يحب إحراق قراها؛ ولا يمكن إنجاز أي شيء من دون أن نصنع أمثولات من هذا النوع. فلو كانت الإمبراطورية الألمانية قد طبقت القانون الدولي في حالات مماثلة فلن يكون من باب الإنسانية أو العدالة، بل من باب الضعف المُهين."..... يبدو أن جنود الصاعقة الألمانية قد رفضوا إبداء الضعف المُهين..!!!
لا تختلف هذه المجزرة عن بقية المجازر التي ارتُكبت في التاريخ سوى في بعض تفاصيلها. وهي تفاصيل تدفع بنا نحو التساؤل المذهل...كيف يمكن لحفنة من الشباب أن تتحول إلى أداة طيعة للقتل والدمار بل وأن تستمع بجرائمها........ و إي رصيد من الحقد غُرس بداخلهم وكيف؟؟.......

الألمان أم شروط معينة
منذ سقوط الرايخ الثالث و الكشف عن حجم الفظائع التي ارتكبت طوال سنوات حكم النازي وعن حجم المشاركة الهائلة لشرائح متعددة من المجتمع الألماني في عمليات القتل إما بالممارسة أو التواطؤ أو الصمت. والعديد من التساؤلات تشغل بال الكثير من الكتاب والمفكرين................. كيف تمكن النازيون من السيطرة على ألمانيا وتحويل الشعب الألماني إلى آلة دمار هائلة..؟ كيف يمكن تفسير ما حدث من انتهاكات وحروب ومجازر ودمار.؟؟؟
انقسمت أراء الكتاب إلى رأيين رئيسيين: الأول يري أن جذور ما حدث تكمن في تكوينات الشخصية الألمانية والخصائص المميزة لها مثل الانضباط الحديدي، العنصرية وعقد التفوق، البرود العاطفي و معادة السامية. فمن كتاب تايلور"مسار التاريخ الألماني" الذي صدر منذ أكثر من خمسين عاما، حتى كتاب دانيل جولدهاجن "جلادو هتلر الراغبون" الذي صدر حديثا صورت هذه الكتب ظهور النازية كنتيجة لخصائص معينة يتميز بها الشعب الألماني. مثل هذه الأطروحات تلاقى رواجا وتكتسب شعبية...ألم يقم الألمان بتخطيط وتنفيذ جرائم الإبادة؟.... وبالرغم من جاذبية وبساطة هذه التفاسير إلا أنها تعاني من مشكلة رئيسية: إنها تتناسى حقائق التاريخ و الجغرافيا!....و تعزل الشعب الألماني عن محيطه الأكبر. فألمانيا هي ابنة أوروبا وابنة الحضارة الغربية و تشترك معها في سماتها وخصائصها وتشاركها نقاط ضعفها وقوتها. كما أنه لا يمكن حصر معادة السامية في ألمانيا وحدها. فتاريخيا يمكن القول أن معاداة السامية في فرنسا وفي الإمبراطورية النمساوية كانت اكبر بكثير منها في ألمانيا. ففي فرنسا بيعت في عام 1886 أكثر من مليون نسخة من كتاب ادوارد درومونت "يهود فرنسا" الذي يحرض على كراهية اليهود. وقبل الحرب العالمية الأولى صوت ثلثي النمساويون لصالح أحزاب تعادي اليهود. وعندما احتلت المانيا النمسا عام 1938 تجمع أكثر من نصف مليون من سكان فينا لتحية هتلر النمساوي الأصل......ببساطة..... لا يمكن القول أن معاداة السامية صناعة ألمانية.
أما الرأي الأخر فيسير في اتجاه معاكس، ويسلط الضوء على قضايا أوسع وأشمل كالنزعة القومية، الرأسمالية، الاستبداد والطبيعة البشرية. في هذا التصنيف سنجد كتب مثل كتاب حنا ارندت المثير للجدل "إيخمان في القدس" الذي حمل عنوانا جانبيا "تقرير عن زيف الشر" وكتاب كريستوفر براوننج "رجال عاديون" وهو دراسة لقوات البوليس التي كانت تعتقل المعارضين وتقتلهم. مثل هذه الكتب تشير إلى أن الطبيعة البيروقراطية للدولة الحديثة، النزوع إلى طاعة السلطة، ضآلة التخيل وغياب القدرة على التساؤل، كلها جعلت من وقوع المذابح أمرا عاديا. لتصل بنا إلى الاستنتاج إن أي شخص أو أمة قد تجنح نحو العنف و تمارس القتل إذا توفرت شروط معينة.
وهكذا نجد أنفسنا أمام رأيين يقود كل منهما إلى استنتاجات مختلفة وإذا كان الرأي الأول يعزل المانيا عن محيطها فأن الرأي الثاني يذيبها فيه. فلا أحد بعينه يتحمل مسئولية ما حدث لأن الجميع مذنبون.
يسلط ترافيرسو الضوء في كتابه على قوى الهيمنة، العنصرية و التوسع الاستعماري التي نشرت فلسفة العنف وجعلت من ظهور النازية أمرا حتميا. فالصيحات التي أطلقها بعض الساسة والكتاب الغربيين إلى إفناء الشعوب البدائية والضعيفة استلهمت حججها " العلمية" من أبحاث ودراسات قام بها ما يسمى بالدارونيين الاجتماعيين وأعطت الذرائع لاحتلال الشعوب وقهرها. فشارك الجميع ( البلجيك، البريطانيون، الألمان والفرنسيون) في احتلال الشعوب الضعيفة في أفريقيا وأسيا مما أدى ليس فقط إلى ضياع خيرات هذه البلاد وإنما أيضا إلى تناقص سكاني رهيب عبر انتشار الأوبة، المجاعات، ونظام السخرة. وفي بعض الحالات الإبادة الجماعية. ثم أتت الحرب العالمية الأولى لتنشر نوعا من عبادة العنف وتمهد الأرض لولادة فلسفات عنصرية تمزج بين كره الأخر وعقد التفوق وذوبان الأمة في إرادة الفرد.

ما هي النازية؟ وكيف نجحت؟...
يقول الكاتب أوتو فريدريخ في "أحد لقاءاتي مع عالم النفس الشهير "ساندور رادولا " الذي أمضى سنوات طويلة من عمره يدرس استيلاء هتلر على المانيا، سألته... كيف استطاع هتلر أن يطوع المانيا؟... كيف حدث ذلك؟........ ساد الصمت لفترة طويلة ثم أجابني قائلاً.. هذا سؤال صعب يا صديقي....ثم صمت لفترة أخرى كأنما يبحث في رأسه عن إجابة ملائمة قبل أن يقول بصوت خافت وببطء.... لا أعلم."
لماذا نجح هتلر؟ لا أحد يملك إجابة محددة. وربما لن نملكها أبدا. ولكن من المؤكد أن قدرة الإنسان على التدمير قد تنامت وبشكل هائل منذ سقوط النازية و أن أشكال العنف قد تعددت و أصبحت تُمارس لأتفه الأسباب وعلى مستويات عدة مما يجعل العنف الظاهرة الأكثر جدارة بالدراسة والتحقيق.

*كاتب وقاص من ليبيا

Lawgali1@hotmail.com


هوامش:

bull;ساندور رادو محلل نفسي شهير (1890 - 1972)، ولد بهنغاريا ودرس بجامعات برلين، بون وفينيا.تأثر في دراسته بأفكار أستاذه فرويد حول اللاوعي، اختاره فرويد كمحرر لمجلة تحليل النفسي زيتشريفت. كان من المعارضين المبكرين للنازية. له عدة مؤلفات في علم التحليل النفسي.
bull;أوتو فريدريخ، ولد في عام 1919 في بوسطن ودرس التاريخ في هارفارد. أشتغل كمراسل صحفي بأوروبا وكتب فى العديد من المجلات الأمريكية مثل نيوزويك، ديلي نيوز، وساتردي ايفننج نيوز. له عدة كتب وروايات.
bull;Russell Jacoby, "Savage Modernism", The Nation.
bull;Enzo Traverso, "Nazi Violence: European Genealogy", New Press (July 2003).


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف