ثقافات

مجموعة قصصية للسوداني هاشم كرار

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

بيروت من جورج جحا: في مجموعة الكاتب السوداني هاشم كرار القصصية "بطعم ابرهيد ... بطعم رقصة الحصاد" تبرز حالتان يصعب ان نجد سمات مشتركة بارزة بينهما. في القصص التي تدور في بلدان غريبة تبرز عند كرار قدرة سردية وحوارية جيدة على محدودية الموضوعات التي تتناولها وهي في الوقت نفسه تأتي في جو شعري وتصويري ممتع. انه يستطيع التركيز على لحظات مؤثرة في النفس.. لحظات الوداع والفراق والخيبة وسقوط الاحلام الشخصية والوطنية.. وحيث رجل وامرأة يلتقيان على فراق وشيك او استحالة نضج علاقة. ويستطيع ان يغوص في النفس مصورا بايحاء وجمال. الا ان تلك الحالات تبدو متشابهة وشبه توأمية والكاتب لا يحولها الى حالات انسانية واسعة النطاق.
وكرار ذو قدرة كما يقال في الامثال على ان يجعل من "الحبة قبة" بمعنى انه يستطيع ان يخلق لقاء سريعا بين اثنين يعقبه افتراق لا يتأخر كثيرا. وبمهارة جلية يجعل من هذا الامر على "محدوديته" قضية انسانية يصورها على محدوديتها بتوتر وتصوير شعريين ممتعين.
وهو في الوقت نفسه في تلك القصص يربط شخصياته بأحداث سياسية تاريخية حقيقية ليجعل مما يبدو احيانا كتابة صحافية من بعض نواحيها نتاجا قصصيا شعريا.
مجموعة كرار الصحافي والكاتب والمحلل السياسي السوداني الذي درس في بلجراد ويقيم الان في الدوحة اشتملت على 11 قصة جاءت في 93 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن دار الفرات في بيروت.
حملت المجموعة مقدمتين باسمين هما "قراءة اولى" و"قراءة ثانية" كتبتا في الدوحة.
في الاولى كتب يوسف بو زية يقول "يتحدث هاشم كرار كأنه يكتب ويكتب كأنه يرسم. والشيء الذي سأقوله بعد ذلك يراوح في هذه النقطة..."
في القراءة الثانية كتب محمد الربيع م. صالح يقول "بين اسلوب هاشم كرار في الكتابة وطريقته في العيش جدل بيّن مركزه الالفة التي تمثل مفتاحا لا غنى عنه لأي قارىء لاكتشاف كنوز نصوصه الشعورية منها وذات العلاقة بالفكر والتفكير. الدليل الى هذه الالفة في هذه النصوص معمارها نفسه الذي يرتكز على "مداميك" اساسية هي النساء والحوار واللغة او اللهجة العامية..."
القصة الاولى "بطعم ابرهيد .. بطعم رقصة الحصاد" التي جاء عنوانها عنوانا للمجموعة تجري احداثها في اثيوبيا بعد سقوط نظام الرئيس منجيستو. الكاتب ناجح في التقاط نبض الحياة والطبيعة احيانا في مدن وبلدان عرفها وروى قصصا عنها.
في رحلة بالسيارة مع صحافية اثيوبية يقول البطل "كانت اديس ابابا -المدينة- مغسولة ومسقية بزخات المطر. كانت تزهو بخضرتها العريقة وزهو الانتصار.. ترنو بعيون براقة جريئة لعين الشمس التي بدأت تتسلل اشعتها في استحياء من بين سلاسل اببا الجبلية. هذه السلاسل كل حجر فيها شاهد العصر على وثبة شعوب اثيوبيا على نظام منجيستو هايلي مريام. النظام المعمد بالتصفيات والدم."
ينجح الكاتب مثلا في التقاط حالات روحية معينة تسود اوساط اللاجئين من الحرب والجوع القاتل الى السودان حيث يتحول مغن منهم اسمه "غيرو اسف" بصوته والته الموسيقية الى ترياق شاف ووسيلة رفع للمعنويات وللقدرة الجسدية المتاكلة.
تتجلى قدرة كرار على النقل الشعري التصويري لحالات نفسية ولجو ذلك البلد الافريقي في مجالات منها قوله خاتما القصة "في مساء اليوم السابع ضغطت على كف ابرهيد بالوداع في صالة المغادرة في مطار اديس ابابا. نظرت اليها. كان في عينيها رنة الحزن القديم.. طعم رقصة الحصاد .. بحة صوت غيرو اسف.. وشمس اديس التي بدأت تشرق في استحياء على رائحة المطر.. ولون البن.. وعناق السنبلة والمنجل.. ونكهة الديمقراطية الفسيحة المعمدة بالعرق والرهق والرصاص والدم."
في القصة التالية "صورة ليست اخيرة" تصوير لوضع اخر في الضفة المقابلة. قصة "انتصار" الفتاة الارتيرية التي تقاتل الاثيوبيين. في القصة مثاليات وبطولات دون تطوير جدي للعمل القصصي.
في قصة "اه يا عيون اوليفيرا تراكوفا" التي تجري احداثها في بلجراد حديث عن الظلم والنضال من اجل الحرية وحرية الكلمة وهو ما واجهته صحافية تلفزيونية. يضفي الكاتب بسرده الشعري جوا فنيا جميلا على ما يفترض ان تكون احداثا سياسية.
في "وجوه متشابهة" قصة حب في بلجراد بين الابيض والاسود.. بين حضارتين .. الحياة الاوروبية والحياة في السودان. يختصر الامر كلام اخر لصديق سوداني ذي قصة حب مماثلة. يقول "صدقني يا صديقي - انني الان "اتضور" نزاعا .. اما ان اتزوج حبيبتي ناتاشا وأبقى بقية عمري هنا.. في لبليانا - وانا كما تعرف عكاز شيخوخة والديّ في السودان .. واما.. ان انتزعها.. انتزع ناتاشا من بيئتها الذهنية والنفسية والوجدانية لاغرسها -وأنا لا اضمن لها الحياة- هنالك .. في البيئة الغريبة."
في قصتين هما "وجوه متشابهة" و"لوحة تتكسر" اجواء شعرية جميلة وقصة حب تضربها "الحرب البشعة بين كل قوميات يوغوسلافيا الجميلة."
قصة "تلك الاشياء" اولى القصص التي تجري احداثها في الوطن تعود بالقارىء الى حكايات تقليدية.. الحب الذي يقضي عليه انجذاب الى ثروة لم تتوفر للحبيب ليعود الاخير الى عالم اصدقائه في الحانة مع الخمر والعلاقات الجنسية التي اقامها في السابق.
في "النار ولعت" تقليدية تبدو اقرب الى "تنكيت" مألوف عن المرأة التي تسيطر على دخل زوجها المادي وتنفقه في تفاهات تستهويها.
في "اللسان الطويل" قصة ولد اساء فهم ما كانت والدته تتحدث به الى صديقة لها من اغتياب لصديقة اخرى. اسرع الولد الى ابلاغ صديقة امه. فدارت معركة نسائية لم يحسمها سوى دخول "الهيبة" الذكورية اي الزوج.
في الانتقال من قصص "الخارج" الى قصص "الداخل" قد يشعر القارىء بتيار بارد يضرب دفء القصص السابقة. ترى هل تحتاج الاجادة الى اغتراب .. وعند العودة الى الوطن تسيطر علينا برودة الحياة التقليدية المحدودة.. (رويترز)

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف