ثقافات

البوق: قصيدة النثر السعودية مفتوحة

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

الشاعر السعودي أحمد إبراهيم البوق:
قصيدة النثر السعودية مفتوحة ولا حدود شكلية لها لتأطيرها
محمد الحمامصي: تحظي تجربة الشاعر السعودي أحمد إبراهيم البوق بخصوصية علي عدة مستويات من بينها لغته وتقنيته في الكتابة ورؤاه ذات الأفق الواسع، استطاع عبر دواوينه التي صدرت تقريبا جميعها في القاهرةأن يختط لرؤيته وصوته الشعريين طريقا خاصا يؤكد تميز نسيجه وسعيه الدؤوب نحو اتساعه، وفي هذا الحوار معه نتعرفه علي محاور هذه التجربة وتطورها.

** بداية نود التعرف علي تجربتك في هذا الديوان الجديد (جنة)؟
** ما يميز ديوان جنة عن الديوانين السابقين أنه كتب خالصا لوجه الحب لا تكاد تجد قصيدة فيه لا تتناول حالة من حالات الحب، والاستثناء فيه إن وجد يؤكد القاعدة. مصدر الإلهام متوحد وعميق ولكن حالات التلقي متباينة، إنه أشبه كما قلت في ذات حوار بتقاسيم متنوعة على مقام الحب، هذا الإحساس الغامض الذي يجتاحك كما يجتاح سيل أرض يباس فيثير عجاجها، وما يلبث أن يغرقها بالماء الذي هو أصل الحياة. هذا من الناحية الشعورية وتواشيح السياقات في العمل.
أما من الناحية الفنية فقد تلحظ فيه تكريساً للقصيدة القصيرة جداً أو ما يسمى " الكبسولة الشعرية " رغم أني لا أحب الكبسولات على تنوع أشكالها، إلا أن هذا هو التعبير الشائع لهذا الشكل الشعري. إنه أشبه بقصيدة " الهايكو اليابانية " وأرى أن مميزاتها تتمثل في التكثيف وفي سرعة الاستعادة من الذاكرة، إنها رد فصيح أن الشعر الحديث لا يحفظ، وهي أقرب ما تكون إلى بيت القصيد الذي يتحدث عنه النقاد في القصيدة التقليدية ولكنه بيت بقصيدة، أذكر موقفاً طريفاً حين اعترض أحد الأصدقاء على هذا الشكل القصير جداً للقصيدة قائلاً: أشعر أن هناك إحساس ممتد لم يكتمل في هذه النصوص، طلبت له أن يضرب لي مثلاً من الديوان، فقرأ من ذاكرته ثلاث أو أربع قصائد. ابتهجت كثيرا حين رددها بتأمل جميل وبدون إسقاط أي كلمة منها. لقد نجحت بذرة الشعر هذه أن تنغرس في نفسه وأن تمنحه شعورا مغايراً، أن تحرّض مخيلته، ولو لم يكن للشعر إلا تحريض المخيلة لإنتاج بساتين الخيال لكفى. أكثر من ثلثي ديوان " جنة " من هذه القصائد القصيرة الطول والطويلة الخيال، أما الثلث الأخير فهي قصائد متوسطة أو طويلة ولكنها جميعاً تؤلف بستاناً للعشق

** بين كل ديوان لك وآخر فاصل زمني طويل فجنة ديوانك الثالث الصادر أخيرا عن دار شرقيات سبقه منكسر باعتداد 2003 الذي سبقه أحاميم 1994 لماذا؟
** المسافة الزمنية بين الدواوين التي أصدرتها لا علاقة لها بشكل مباشر بالتدفق الشعري، هي مسألة متعلقة بعوامل النشر المعقدة في العالم العربي، وذات أبعاد فنية تتعلق بقناعات شخصية. حين أكتب لا أفكر أين ستكون القصيدة! قد لا تكون أبداً بين جناحي ديوان. حين أشعر أنني انتهيت من تجربة شعرية أبدأ في جمعها وترتيبها وتنقيحها ومراجعتها ثم كل السلسلة الطويلة من الإجراءات المتعلقة بالطباعة بشكل لائق فنياً.ديوان جنة على سبيل المثال استغرق عامين من المراجعة. لدي عادة لا أعرف إن كانت سيئة أم حسنة، حين أكمل مسودة ديوان وأراجعه واستطلع آراء بعض الأصدقاء المقربين فيه أتركها أشهراً حتى أوجد مسافة بيني وبين العمل،ثم أعود إليه. الكاتب ينحاز للعمل بشكل عاطفي بُعيد انجازه،أنا عادة أبحث عن إقصاء هذا الانحياز ما استطعت، وغالباً ما أعدل في المراجعة بحذف نصوص أو إضافة أخرى. ديواني الأول " أحاميم " صدر عن دار الجديد في بيروت في 1994م، وربما لاحظ القراءأن نصوصه احتفت بالتفاصيل الصغيرة، تلك تجربة شعورية وفنية عشتها لأربعة أعوام أحسست بعدها أنها نضجت لتكون في عمل، ولذلك استثنيت نصوصا سابقة لتجربة أحاميم أو لاحقة لأضعها جميعاً في الديوان التالي " منكسر باعتداد " الصادر عن دار شرقيات في القاهرة في 2003م، والتي صدر عنها ديوان " جنة " في 2007م وكتاب المقالات " خير يا طير " 2007م. فبيني وبين الأستاذ حسني سليمان صاحب دار شرقيات علاقة انسجام فني، فهو كمثقف أعتز برأيه، وناشر قدير يعمل شخصياً في إعداد الكتب للنشر، مما يجعل لرأيه قيمة اعتبارية. تجلّت هذه العلاقة في ديوان "جنة " وكتاب " خير يا طير "، إن طباعة هذا الكتاب أشبه بعمل جماعي يبدأ من الكاتب ولا ينتهي بالمصمم والناشر والموزع، إنه سيمفونية ثقافية يؤلفها الكاتب، ولكن فريقاً يعمل على ضمان جودة إظهارها في كتاب.

** أيضا لماذا ديوانك الأول صدر عن دار الجديد ببيروت والثالث والثالث صدرا بالقاهرة عن دار شرقيات؟
** أظن أن كل مبدع متميز لديه خصوصية في الرؤية بالضرورة، فهي الروح التي تلحظ رفيفها في كل عمل. دون الرؤية ينغلق أفق التجربة الفنية. أهم المرتكزات لذلك أن تطّلع جيداً على التجارب الفنية الأخرى، ثم تنساها تماماً، لتكون لك تجربتك الخاصة. حين تكتب لا تفكر بأحد غير صوت الإحساس والإلهام في داخلك، إذا حاولت أن تتبع أحداً لن يكون لك طريقك الخاص أبداً.

** تحمل تجربتك خصوصية في الرؤية واللغة خاصة في ديوان جنة ما أبرز المرتكزات التي تشتغل عليها لتحقيق ذلك؟
** أكتب كما أعيش، لديّ شطحات في الخيال، دون ذلك أشعر أنني طائر مهاجر فقد جناحيه، اللغة التي تكتب بها عليك أن لا تنفصل عنها، هي بالنسبة لي جزء من شخصيتي، لا أكتمك لم أعد قادراً على التحدث بلهجة أهل المدينة المنورة حيث ولدت ونشأت، لا لشيء سوى أنني رجل كثير الأسفار ولكل مكان ناطق بلغتي العربية الأم لغته الخاصة، لهجته، عاداته وتقاليده، طريقته في التفكير، وللمكان سلطة خرافية على النصوص التي أكتبها، إنني تاريخ غائر في الجغرافيا. اليوم أتحدث في حياتي اليومية بلغة وسٌطى يحار من يتحدث معي إلى أين ينسبني ولكنني منسجم جداً بين طريقتي في الحديث والكتابة والحياة. اللغة تتطور معك، مع الوقت والتجريب تتخلص من زخرفها، تصبح أبسط وأعمق، اللغة كائن حي قابل للتأثير والتأثر.

** تكتب قصيدة النثر لكن روح الإيقاع تشكل جزء من نصك؟
** أظن أن الكتابة بأشكال جاهزة سلفاً ضد الإبداع، هذا لا يعني أن من يكتبون القصيدة الكلاسيكية أو قصيدة التفعيلة غير مبدعين، إذا هضم الشاعر الشكل الموسيقي للقصيدة لدرجة لا يظهر تكلّفه به أثناء الكتابة فأنا أتلقاه واستمتع به كأي شكل آخر من أشكال الفنون. ليس لدي حساسية تتعلق بشكل القصيدة، ولكن معظم ما ينشر من القصائد مما هو موزون ومقفى لا علاقة له بالشعر، إنه نظم لا روح فيه. كذلك قصيدة النثر إذا تعمّدت أن تكتبها خالية من الإيقاع فإنك ستقع في ذات المأزق، القصدية في الشكل لمجرد إرضاء النمطية الشكلية تفسد تلقائية الشعر وتدفقه، من هذا المنطلق قد تجد روح الإيقاع مبثوثة في قصائدي النثرية.


** ما يمثل ديوان جنة بالنسبة لتجربتك؟
** ديوان " جنة " بالنسبة لتجربتي الشعرية ماسة لها سبع وخمسون وجهاً، كل نص يمثل وجهاً يعكس ضوء التجربة، أنا معجب بالعمل شكلاً ومضموناً، وإلا ما سعيت لإصداره، أرجو أن لا يٌفهم هذا على أنه غرور وتوهم بالكمال، لأن في ذلك نهاية الشعر، ولكنه عمل متماسك في رأيي، ومن حق غيري أن يرى فيه ما يرى موسى في الخمر، فعين الرضا عن كل عيب كليلة.

** قصيدة النثر السعودية تمثل إشكالية كبيرة في الساحة الشعرية السعودية هل لنا أن نتعرف علي رؤيتك لموقع هذه القصيدة؟ أيضا ما أبرز ملامحها؟ وهل هناك متابعة نقدية لها؟
** قصيدة النثر السعودية لم تعط حقها فنياً ونقدياً، الذائقة العامة تربّت على الشكل الكلاسيكي للشعر، فمن الطبيعي أن تجد غربة في تذوقها. إنها قصيدة مفتوحة لا حدود شكلية لها لتأطيرها، وهذا دفع كثير من الأدعياء لاقتحامها. قصيدة النثر إشكالية في العالم العربي وليس في السعودية فقط، إنها أشبه بطائر الفينيق الذي ينبعث من موته في كل مرة. يؤسفني أن رائداً لقصيدة النثر العربية كالشاعر الراحل محمد الماغوط تلقى دواوينه رواجاً لما يثار حول شخصيته الإشكالية أكثر مما يدفع القراء لشعريته،هذا العملاق الشعري لم يكرم إلاقبيل وفاته. قصيدة النثر بحاجة لذائقة لم تؤسس على الوجل من الثالوث المحرم في العالم العربي.إنها قصيدة منفتحة تماماً على الحياة، بكل ما تعنيه الحياة من كسر للقيود التي تعيق انطلاقها وتحررها.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف