ثقافات

انطولوجيات من النصوص القصيرة جداً

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أمال نوّار (لبنان /أميركا): "فلاش فيكشين" أو "التخيلات الوامضة" تسمية أطلقها جيمس توماس، القاص والأستاذ المحاضر في إحدى جامعات ولاية أوهايو، على مجموعة من القصص القصيرة جداً التي حررها وجمعها في كتاب حمل العنوان ذاته، وصدر عام 1992، بالتعاون مع دينيس توماس، وتوم هازوكا. والأخير روائي وقاص وأستاذ جامعي في ولاية كونيتيكت. ألحق توماس هذه المجموعة بأنطولوجيا قصصية أخرى صدرت عام 2006 تحت عنوان " فلاش فيكشين متقدّم"، شاركه في اختيار القصص وتحريرها القاص روبرت شابارد صاحب " الموتيل وقصص أخرى" 2005. خرج توماس بالمصطلح المذكور في مقابل مصطلح آخر هو "الصادن فيكشين" أو "التخيلات الصادمة" الذي كان هو وشابارد أطلقاه عام 1983 أيضاً، عنواناً لأنطولوجيا قصصية عملا معاً على جمعها، ثم أتبعاها لاحقاً بـِ "صادن فيكشين انترناشينال: 60 قصة قصيرة - قصيرة" 198، "صادن فيكشين (تابع): 60 قصة جديدة قصيرة - قصيرة" 1996، وآخرها "صادن فيكشين جديد: قصص قصيرة - قصيرة من أميركا وأبعد" 2007.
يطرح جيمس توماس في مقدمة كتاب "فلاش فيكشين" السؤال الآتي: إلى أي حدّ يمكن أن تقصر القصة، ولا تفقد مشروعية اعتبارها قصة؟ الإجابة تتّضح في النظر إلى طول القصص التي ضمّتها هذه الأنطولوجيا، حيث لم يتجاوز عدد كلمات الأطول بينها الـ 750 كلمة، ولم يقلّ الأقصر بينها عن 250 كلمة. وقد اُعتمِد هذا التحديد في حدّه الأقصى بناءً على طول القصة القصيرة جداً التي كتبها همنغواي والمكوّنة من نحو 750 كلمة، وفي حدّه الأدنى بناءً على عدد الكلمات الأدنى الذي اشترطه الراحل جيروم ستارن، الكاتب والأستاذ والإعلامي الأميركي الشهير، في مسابقته "أفضل قصة قصيرة - قصيرة في العالم". وفي مقارنة أجراها توماس بين "الفلاش فيكشين" (التخيلات الوامضة) و"الصادن فيكشين" (التخيلات الصادمة)، يشير إلى أن الفرق بين قصص النوعين ينحصر في الطول، حيث يقارب عدد كلمات القصة من النوع الثاني زهاء 1750 كلمة أي ما يفوق النوع الأول بألف كلمة أو يزيد. على أن توماس يؤكّد أن لا علاقة بين طول القصة وجودتها، فمقياس النجاح يقوم في الدرجة الأساس على مدى ما تنطوي عليه القصة من عمق، ووضوح في الرؤية، ومغزى إنساني، وعلى قدرتها على جذب القارئ إلى التفاعل معها على خلفية ما تحويه من قضايا ومواقف إنسانية جوهرية تعكس واقع الحياة الحقيقية. ويذهب توماس أبعد من ذلك ليعتبر أن الأقلّ أحياناً قد يكون الأكثر. فالنظرة الخاطفة ذات المغزى، وإن كانت أقلّ إفصاحاً أو ربما بسبب ذلك، أشدّ وقعاً وتأثيراً من النظرة المحدّقة.


تضمّ الأنطولوجيا

لوحة للرسامة الأميركية موريل نيومان

الأولى من الفلاش فيكشين 72 قصة، والثانية 80 قصة، هي جميعاً على رغم قصرها ليست نصوصاً مبتورة أو أحاجي، إنما حكايات ذات عوالم كاملة متكاملة، تثير الأحاسيس بدرجة عالية. هناك بينها ما قد يحرّك الأمزجة ويقلّبها، أو يحضّ على التفكير، أو يعرّفنا بأناس مثيرين للفضول، أو يستحضر ظواهر غريبة في هذا العالم إنما غير عصيّة على الفهم، أو يفعل هذه الأمور مجتمعة، والتي يفعلها عادةً كل أدب جيّد بأي طولٍ كان.

لطالما تقلّبت الذائقة العامة في أميركا إزاء مسألة الميل إلى الإيجاز، فمنذ خمسين عاماً، كانت القصص القصيرة جداً تظهر على صفحات كبريات المجلات الأدبية الأميركية مثل "الليبيرتي" مثلاً، ولكن لو عدنا خمسة عشر عاماً إلى الوراء، لما وقعنا إلا نادراً على قصة في المجلات الأدبية المحترمة يقلّ عدد صفحاتها عن الخمس. خلال السنوات القليلة الماضية، بدأ كتّاب من أمثال رايموند كارفر، وجويس كارول أوتس بكتابة هذا النوع من القصص (المقصود هنا الصادن فيكشين حيث عدد كلمات القصة يقارب الألفي كلمة)، وظهر بعضها على صفحات مجلات مهمة مثل " نورث أميركان ريفيو". ومع نهاية الثمانينات، بات لهذا النوع الأدبي كتّابه الكثر، علاوةً على المتحمّسين له والمنظّرين. لاحقاً في التسعينات وصولاً إلى الآن، أصبحت القصص التي لا يتجاوز عدد كلماتها الألف هي الأكثر ظهوراً على صفحات معظم المنابر الأدبية وفي الكثير من المواقع الثقافية الإلكترونية. من بين الأنطولوجيا القصصية الأولى نورد هنا خمس قصص أو فلاشات قمنا بترجمتها للإستضاءة بلمحات من هذا الأدب الوامض الذي يقول الأكثر بقوله الأقلّ.


الحـجــــار بقلم ريتشارد شيلتونRichard Shelton

يؤنسني الخروج في ليالي الصيف لمراقبة الحجار وهي تنمو. أظنّ أنها تنمو هنا في الصحراء، حيث الطقس الحارّ والجافّ، على نحو أفضل منه في أي مكان آخر. أو لعلّ الصغار من الحجار فقط هم الأكثر نشاطاً هنا، فهم ينزعون الى التقلقل بدرجة تفوق ما قد يعتبره كبارهم في السنّ مؤاتياً لهم. كذلك فإن لدى معظمهم رغبة سريّة، كانت رغبة آبائهم قبلهم، لكنها غابت عن ذاكرتهم منذ عهود سحيقة. ولأنّ هذه الرغبة تتصل بالماء، لا يُؤتى على ذكرها بتاتاً. فالمسنّون من الحجار يستنكرون كل ما له علاقة بالماء، ويعتبرون "أنّ الماء ذبابة لا تقيم البتة في مكان واحد المدة الكافية لتعلّم أيّ شيء كان". لكنّ الحجار الصغار يحاولون ببطء، ومن دون أن يسترعوا انتباه كبارهم، زعزعة أنفسهم إلى وضع غير مستقر، على أمل أنّ سيلاً مائياً كبيراً وعظيماً، أثناء عاصفة صيف، قد يستطيع جرفهم رغماً عن إرادتهم - كما هو مفترض - ودفعهم الى الأمام، فوق منحدر، أو إلى أسفل ساقية صغيرة. وعلى رغم ما يتضمنه هذا الفعل من مخاطرة، فإنهم يرغبون في الترحال ورؤية أماكن أخرى من العالم، ومن ثم الاستقرار في مكانٍ جديد ناءٍ عن موطنهم الأصل، حيث يمكنهم إقامة سلالاتهم الحاكمة بعيداً من هيمنة الآباء. ومع أن الروابط العائلية بين الحجار وثيقة جداً، الكثيرون من الصغار، الأكثر جرأة، نجحوا في مسعاهم وحملوا ندوباً تثبت لأبنائهم في ما بعد أنهم ذات مرة خاضوا غمار رحلة، شَذر مَذر، وعبر مياه مرتفعة، وقطعوا - ربما خمسة عشر قدماً- مسافة لا تصدّق. ولكن مع تقدمهم في السنّ، فإنهم يحجمون عن التباهي بمغامرات سريّة كهذه. أمرٌ صحيحٌ أنّ الكبار من الحجار يغدون جد محافظين، ويعتبرون كل التحركات، إما خطرة أو محض آثمة. وغالباً ما يسمنون. السُمنة حقيقةً علامة فارقة تميّزهم.

وفي ليالي الصيف وبعد أن يخلد صغارهم إلى النوم يتحوّل الحجار الكبار إلى موضوع جدّي ومهيب: القمر. وهو ما يُحكى عنه دائماً بالوشوشة. " أَترون كيف يشعّ وينطلق برشاقة عبر السماء، مغيّراً شكله على الدوام"، يقول أحدهم. ثم آخر، "انظروا كيف يجذب نفسه صوبنا بشدّة ويستحثّنا كي نتبعه". ثم ثالث يهمس، "هو حجر أصابه الجنون".


قصـائد حـبّ بقلم لون أوتوLon Otto

كان كتب لها قصيدة في عيد الحبّ، غاية في الجمال، تنمّ عن عاطفة صادقة ولهى، من النوع الذي لم يفطن يوماً أنه في مستطاعه، وحنانٍ لكأنه حنان رجل أحنّ منه. وفي الوقت عينه، فإن العنصر الخيالي فيها قوي وصافٍ كالألماس، والتراكيب معقّدة ومع ذلك غير نافرة. مرة بعد مرة ألقى القصيدة على نفسه بصوت عالٍ. أمر يصعب تصديقه؛ إنها في منتهى الروعة، أفضل قصيدة كتبها على الإطلاق.

سوف يرسلها إليها الليلة، موقّتة بذكاء، كيما تصلها في يوم عيد الحبّ. حين تفتحها، ستهوي أرضاً. ستطير فرحاً مأخوذة بجمالها ورقّتها. وسوف تصونها مع رسائله الأخرى، وتحبّه لأجلها مثلما أحبّته لأجل رسائله الأخرى. ولن تُطلع عليها أحداً، لكونها إنسانة شديدة التحفّظ والخصوصية، وهي إحدى الخصال التي يعشقها فيها.

بعد أن أرسلها إليها مكتوبة بخط يده المميّز، طبع نسخة لحفظها في ملفاته الخاصة. ثم قرّر أن يرسل أخرى إلى واحدة من كبريات المجلات الأدبية، التي لم يتسن له النشر فيها. لكنّه تردّد في شأن الإهداء، لما قد يسبب له من حرج مع جهات عدة، من بينها زوجته. في النهاية عمد إلى حذفه. وفي النهاية قرّر إعطاء زوجته نسخة منها أيضاً. إلاّ أنه قام أيضاً بإرسال نسخة إلى امرأة يعرفها في انكلترا، هي شاعرة تفهم أعماله بحقّ، وقد كتب لها نسخة مهداة إلى الحرف الأول من كل من إسمها وإسم عائلتها. سوف تصلها متأخّرة بضعة أيام بعد عيد الحبّ، وسوف تفكّر فيه تفكيره فيها بضعة أيام قبله.


بونديروزا بقلم كانت ثومبسون Kent Thompson

طلب والد جيمي من إبنه المرور بالكنيسة، إذ لا بدّ لهما من الكلام. الكلّ يعلم ما يعنيه هذا. ولكن ما قاله الوالد، هو أنه كان ذهب يوم السبت الماضي إلى مطعم بونديروزا، فالتقى بزملاء جيمي جميعهم من جامعة الإنجيل برفقة زوجاتهم وأولادهم، وقد بدوا كلهم سعداء، فلماذا هو ليس كذلك؟ وأراد من جيمي أن يركع تواً ويصلّي، وهو ما رفضه الأخير، فاتهمه والده بخيانة زوجته ليندا، والتسكّع برفقة امرأة أخرى- أصحيحة هذه الإشاعات، أم لا؟ ليست صحيحة، أجاب جيمي. فأردف الوالد: ألديكَ شكوك؟ فردّ جيمي بأن نعم لديه، ومن ثم وافق على أن يصلّي مع والده. وفي قرارة نفسه، عزم على أن يأوي إلى الكنيسة في مونت هيبرون، ويتخلّى عن تلك المرأة الأخرى- التي كذب في شأنها على والده.

ولكن في الأسبوع التالي تماماً، جاءت ليندا إلى الوالد لتشكو من قساوة جيمي معها، وإهماله لها، ومن أنه أسمعها كلاماً جارحاً، وهزأ منها - أبهذه الطريقة يجوز أن تُعامل زوجة مسيحية؟ بيأس، رفع والد جيمي يديه. أََمتوقع منه معالجة كل شيء؟ ألا تكفيه مشاكل الرعيّة في كنيسته؟

انطلق لرؤية جيمي وفي يده مسدس، قال إنه بمثابة رمز لغضب الله المحتمل، ولم يكن في نيته استعماله، لا، لكنه أُطلق عن غير قصد، مطيحاً بنصف فكّ جيمي. فقط، بفضل رحمة الخالق وعنايته لم يمت جيمي، ليصبح في ما بعد رجلاً مسكوناً بروح الربّ. هو ووالده الآن على الطريق ومعهما خيمة نقّالة، عاملَين معاً كفريق من أجل إعلاء كلمة الخالق. والده يقصّ الحكاية، فيما هو الذي لم يعد يستطيع النطق، يترنّم بذاك الصوت الحِدادي الشجي الذي يأتي بالآثمين من الصفوف الخلفية إلى الأمام من أجل خلاصهم. فليتمجّد الربّ!

الرؤية بطرف العين بقلم لويزا فالنزولاLuisa Valenzuela

هذا صحيح، لقد وضع يده على مؤخّرتي، وكنت على وشك الصياح فاضحةً أمره عندما مرّ الباص بكنيسة ورأيته يرسم إشارة الصليب على صدره. هو ليس من النوع الرديء في النهاية، قلت لنفسي. لعلّه لم يفعل ذلك عمداً، أو لعلّ يده اليمنى لم تكن تعرف ما تفعله يده اليسرى! حاولت التراجع أكثر إلى الخلف - البحث عن تفسيرات، شيء، وأن تدع نفسك عرضة للتحرّشات شيء آخر - ولكن مزيداً من الركّاب صعدوا إلى الباص، مما حال دون ذلك. تمايلي فيما أحاول منعه من بلوغي لم يُفضِ إلاّ إلى تمكّينه مني أكثر وذهابه إلى حدّ ملاطفتي! كنتُ شديدة التوتر، ولكني في النهاية تقدّمت قليلاً إلى الأمام، فتقدّم هو أيضاً. مررنا بكنيسة أخرى، ولكنه لم يلحظها، فهو حين رفع يده إلى وجهه، كان من أجل أن يمسح عرق جبينه. راقبته بطرف عيني، متظاهرةً بأنّ لا شيء يحدث، أو على أية حال، دونما أن أجعله يفكّر في أني مستمتعة! كان من المستحيل التقدّم خطوة واحدة إلى الأمام وقد بدأ يرجرجني. حينها، قررت أن أعامله بالمثل وأضع يدي على مؤخّرته. ولكن بعد بضع محطات، لاحقاً، انفصلتُ عنه. من ثم وجدتني أنجرف بقوة إلى الأمام بفعل الركّاب المتدافعين للخروج من الباص. والآن ها أنا أتأسف لفقدانه على هذا النحو المباغت، لأنه لم يكن في محفظته سوى 7400 بيزو، وكنتُ لأحظى منه أكثر بكثير فيما لو كنا وحدنا. لقد بدى لي أنه عاطفي، وسخيّ جداً.

إطعـام الجائـع بقلم رولاند توبورRoland Topor

لا بدّ من أنك ستظنّ بأني كاذب: ولكن لم يسبق لي أن شعرت بالجوع قط. لا أعرف ماذا يعني الجوع ولا ماذا يشبه، حتى وإن عدت بذاكرتي إلى الوراء، إلى أقصى ما أستطيع، لا أجدني عرفته يوماً. أنا آكل بالطبع، ولكن من دون شهيّة. لا أشعر بشيء البتة، ولا حتى بكرهٍ للطعام. أنا آكل فقط. غالباً ما يسألني الناس، "كيف تستطيع أن تُقبل على الأكل إذاً؟" عليّ الإعتراف بأني لا أعرف. ما يحصل عادةً: أجدني جالساً إلى طاولة، وأمامي صحن مملوء بالطعام، وبما أني غالباً ما أكون شارد الذهن، فأنا سرعان ما أنسى أمره، وعندما يخطر في بالي مجدداً، يكون فارغاً! هذا ما يحصل. هل هذا يعني أني آكل تحت تأثير تنويم مغنطيسي أو نوع من الحال الإنفصالية؟ مؤكداً لا. قلت إنّ هذا ما يحصل غالباً، لكن ليس دائماً، فأنا أحياناً أتذكّر صحن الطعام أمامي، ولكن هذا لا يمنعني من الإتيان عليه سواء بسواء.

من الطبيعي أنني حاولت الصوم عن الطعام، لكنّ هذا لم ينفع. فقد غدوت نحيلاً فأنحل، إلى أن أقلعتُ عنه في الوقت المناسب تماماً. قليلاً من الوقت بعد وكنتُ أموت جوعاً دون أن أدري. هذه التجربة نشرت فيّ الذعر إلى درجة أني الآن آكل طوال الوقت. هكذا، لا أعود أقلق. أنا طويل القامة وضخم، وعليّ أن أبقي الماكينة شغّالة. الجوع، يمنح الآخرين إنذاراً، أما في حالتي أنا المحروم منه، فعليّ مضاعفة الحذر. وكما أسلفت، أنا شخص كثير السهو، والنسيان بالنسبة إليّ سيكون قاتلاً، لذا أجدني أفضّل أن آكل طوال الوقت: هذا أسلم. علاوة على ذلك، فقد لاحظت أني حين انقطع عن الطعام، أغدو عصبياً ونزقاً، ولا أعرف ماذا أفعل حيال ذلك. وبدلاً من الأكل، أروح أدخّن كثيراً وأشرب كثيراً، وهذا أمر سيئ.
في الشارع، يدنو مني مراراً رجال هزيلون بأسمال رثّة، يحدّقون فيّ بعيون متوهجة بانفعالها، وهم يتمتمون، " إننا جائعون!"، فأرمقهم بحقد. لا يتناولون سوى كسرة من خبز يابس مرّة في الشهر، إن حصل، لكنهم يتلذذون بها. "جائعون أنتم إذاًَ!" أقول لهم بفظاظة. "إنكم محظوظون". نشيجٌ يحشرج في حناجرهم، ارتعاشات ألم تهزّ كيانهم، وفي آخر المطاف يبتعدون بخطوات حائرة بطيئة. أما بالنسبة إليّ، فأتوجه تواً إلى أول مطعم أصادفه. هل ستحلّ المعجزة؟ قلبي ينبض بسرعة فيما أبتلع اللقمة الأولى. ثم يأس فظيع يسيطر عليّ. لا شيء. لا شيء البتة. ما من شهيّة. أنتقم لنفسي بأن أقبل على الأكل بنهم وجنون، مثل شخص يفرغ أحزانه مُسرفاً في الشرب.

مثقلاً بالطعام والبغض، أغادر المطعم، وأنا أشعر بتحوّلي إلى شخص مرير وقاسٍ. لقد بدأت أكره الآخرين؛ الناس الجياع. أمقتهم. هكذا، هم جائعون إذاً، أليسوا كذلك؟ آمل أن يموتوا جوعاً! لن أتأسف عليهم. في النهاية، التفكير بأولئك الجُوّع أثناء تناولي الطعام، هو المتعة الوحيدة التي تبقّت لي.



amalnawwar@yahoo.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف