ثقافات

بنى التأسيس بين هاجس العرض المسرحي والمتلقي

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

حين نتوجه إلى صالة المسرح فما الغاية التي ننشدها كمتفرجين وما الأمر الذي نفكر فيه عند جلوسنا داخل القاعة وما هي النتائج المتوقعة قبل بدء العرض المسرحي..ترى هل ننتظر مشاهدة شي من الوهم والخيال عبر دلالات العرض ليكون انعكاسا على ذواتنا وتجسيدا لملامحنا الواقعية. آم أننا حضرنا من اجل أن نشفق على أنين التعساء ونبكي على المظلومين ونندب حظهم الخرب ليعكسوا شقاءهم كممثلين للشخصيات المضطهدة إلينا ليبرمج فيما بعد كسياق لمتعتنا بالتلذذ بآلامهم ومواساتهم على ما حالفهم من حظ نكد وويلات عضال.
إن الجزء الزمني القصير جدا المحصور بين الفرجة على شي وبين ماهية الشي نفسه يحتمل متناقضات عدة. فحين نتخذ قرارا باقتطاع جزء من يومنا مكرس إلى مشاهدة احتفالية ما أو عرض مسرحي ندرك قصته مسبقا كالروائع ذائعات الصيت والمعروفة الحكايات ونهاية أبطالها وليس لنا أية دراية بما سيقدم.
نلقي في بادئ الأمر بمشاغلنا ويومياتنا الخاصة خارج حدود الجزء الزمني المقتطع وندخل منزوعي الارتباط وكأننا ندخل مكانا للعبادة يتحتم علينا خلع أحذيتنا من اجل أن ندخل ونحن حفاة لا يفصلنا عن واقع الارتباط بما هو مقدس شي ,أي أننا نلتصق بالحقيقة اكثر ونغسل أرواحنا من ادرانها ونشذب أنفسنا من عوالق معتركات الحياة اليومية.إنها لحظة وجدان وتلاقي الروح بالروح والجسد بالنقاء.إنها لحظة خشوع وعبادة لأننا جئنا لكي نسمع ونشاهد من اجل رمي أحزاننا عبر ذلك الممثل الذي ينتحل شخصياتنا ويتحرك على خشبة المسرح.
ولأننا غريزيا نرمي إلى المتعة فقد تكون متعة عبر الكوميديا بالإضحاك على الآخرين وعلى الأغبياء ممن يعيشون معنا يوميا. أو عبر الدمع الساقط على المصير الذي قرر نهاية أبطال المأساة.
إنه متعة تصيبنا في كلا الحالتين ونحن ننتظر ذلك.
إن فكرة الدقات على خشبة المسرح قبل بدء العرض وعزف السلام الوطني في بعض البلدان والذي تحول فيما بعد إلى استخدام الموسيقى والتنوع في عرض المناظر وتداخل ألوانها لهي تلعب دورا مهما في جلب انتباه المتفرج ودفعه بالتفكير والتأمل بما سيقدم إليه والى أي عالم سينتقل هو ومن معه..حيث أن المتفرج تنسلخ ذاته قبل بدء العرض المسرحي وتتداخل مع ذوات الآخرين الذين يشاركون اللحظة ذاتها بالتصور واحياء الوقت الميت وزوايا النظر ومتابعة ما يحدث.
أي أن المتفرجين يكونون في الغالب ذاتا منصهرة في لحظة ما. كل هذا ونحن مازلنا نتصور إن الستارة لم ترفع بعد بل سمعنا دقات البدء فقط إذ أن الستارة أو الجدار الرابع أو الجدار الوهمي ما هو إلا الحد الفاصل بين ذواتنا وعلاقتها بما هو خارج القاعة وما هو داخل القاعة ثم التحول إلى ما يدور على خشبة المسرح عند ذلك تختلف المواقع ومن يلعب دور من.. ذلك يحدده نوع الاندماج أو التغريب كما هو في مسرح بريخت.
طالما للإنسان نوازع وغرائز عدة والمسرح يخاطب هذه الغرائز فهو بصري. سعي. حركي. فكري. أي انه يخاطب النواحي الجمالية البصرية والهارموني السمعي بالنسبة لتناغم الأصوات والتنسيق الجمالي يتناسب مع " معالجة " التوزيع الكتلي والمعرفة الفكرية المتداخلة بين منطقة التساؤل وبين البحث عن الحلول الجاهزة ذلك إن الدافع شي منشط اسمه رغبة البحث والمشاهدة.
إن الممثل الذي يؤدي شخصية مغايرة لشخصيته هو متفرج أيضا لان المتفرج ما أن يبدأ العرض المسرحي ينسلخ من شخصيته ويؤدي شخصية أخرى وهنا المقصود بتبادل المواقع.. ففي اغلب الأحيان يتابع الممثل انفعالات المتفرجين وهنا يكون هو متفرجا أيضا ويتابع المتفرجون انفعالات الممثل بذوات مختلفة ونا يكون المتفرج ممثلا.. السر إذا في لعبة المشاهدة. لماذا لا نتمتع بمشاهدة المسرحية إذا كانت مسجلة على شريط تلفازي بقدر ما نشاهدها عارية على خشبة المسرح.
إن الإنسان بحاجة دائمة إلى من يدعم وجهة نظره فهو يقيم نواحي كثيرة من خلال رؤياه الواعية. ولكن مستوى القرار يتوقف على اشتراك الآخرين معه في نوعية القرار ودرجات التذوق ,حتى الضحك فهو أي التفرج لا يتذوق الضحك إذا كان وحده كما يقول " برجسون " في كتاب الضحك " يخيل إلي أن الضحك في حاجة إلى صدى..أنصت إليه جيدا. انه نغمة واضحة متميزة منفردة بل شي يبدأ بفرقعة ويستمر في هزيم كهزيم الرعد.. إن ضحكنا هو على الدوام ضحك جماعة ما " تبقى هي اللحظة المهمة التي يتجسد فيها العطاء المسرحي منذ أن تجمهر أبناء الإغريق أمام خشبة المسرح وحتى دخولهم الكنائس في القرون الوسطى وتجوالهم في الشوارع والطرقات. كانت الغاية المشاهدة أي المشاهدة الواعية واللاواعية في ردم بنى وتأسيس مدارات آخر عبر المزاوجة في الطروحات والرؤى بين ما هو مشاهد والمشاهد نفسه.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف