ثقافات

حرق الكتب عندنا وعندهم

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

"تدمير الآثار جريمة في حقّ ذاكرة الإنسانية".
زهنغ كسينشنغ - رئيس منظمة اليونيسكو
في مقال نشره احتجاجا على تدمير الطالبان لتماثيل بوذا

ناصر بن رجب من تونس: يُعتبر حرق الكتب والمكتبات في عصرنا وكل العصور جريمة لا تُغتفر في حق ذاكرة الإنسانية وتراثها الثقافي. وهل الثقافة شيء آخر غير التراكم الثقافي جيلا بعد جيل. ثار لغط كبير لم ينته بعد حول اتّهام عمر بن الخطاب بحرق مكتبة الإسكندرية. وقال الذين برؤوه ما كان لعمر أن يرتكب مثل هذه الجريمة الفظيعة. ولنفترض جدلا أن عمر بريء فعلا ممّا سمّاه الإسلاميون "جريمةَ" حرق مكتبة الإسكندرية فإن المسلم الذي مازال قادرا على إلقاء نظرة غير تبجيلية، بل تاريخية ونقدية على تراثه، فإنه لا يستبعد مطلقا أن يكون عمر قد حرق مكتبة الإسكندرية. لأن حرق الكتب والمكتبات سنّة غير حميدة سار عليها إثنان من الخلفاء الراشدين. فقد أحرق عمر بن الخطاب صُحُفا جُمعت فيها أحاديث الرسول على ما ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى، إذ أورد : "... إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها، أمر بتحريقها ثم قال مثناة كمثناة أهل الكتاب" (ج 5، ص 102، نسخة على الانترنيت). وبعده أحرق عثمان المصاحف الستّة الأخرى فيما يروي المفسرون والإخباريون وبينها مصحف أبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعليّ بن أبي طالب... إلخ. وهذا بالرغم من الحديث الشريف الذي يؤكّد عصمة القرآن من النار : " حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا أبو سعيد حدثنا ابن لهيعة حدثنا مشرح قال سمعت عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ يقول: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَوْ أَنَّ الْقُرْآنَ جُعِلَ فِي إِهَابٍ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ مَا احْتَرَقَ" (مسند أحمد بن حنبل، المجلد الرابع، ص 221). لكن "ذو النورين" ألقاها في النار واحترقت. والفرق بين هذه المصاحف ومصحف عثمان الذي بين أيدينا ملحوظ بل قد يكون أحيانا هائلا إلى درجة أن ابن مسعود فيما ينقل عنه الألوسي صاحب تفسير روح المعاني قال : "لو كنت أنا الخليفة لأحرقت مصحفه وأبقيت مصحفي" (باب حرق المصاحف). وقال السيوطي : "أخرج أحمد والبزار والطبراني وابن مردويه من طرق صحيحة عن ابن عباس وابن مسعود أنّه كان يحكّ المعوذتين من المصحف ويقول : لا تخلطوا القرآن بما ليس منه، إنهما ليستا من كتاب الله، وإنما أُمر النبي صلى الله عليه وآله أن يتعوّذ بهما، وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما". (الدر المنثور 8/683، مجمع الزوائد 7/149، قال الهيثمي : رواه البزار والطبراني ورجالهما ثقات). ولم يشفع لإبن مسعود ماضيه كواحد من الصحابة الذين تلقوا القرآن مباشرة من النبي واعتُبروا من كبار الحفّاظ والقرّاء، إذ لم يكتف الخليفة الراشد بتعذيبه وحبسه بل أحرق مصحفه. وأكمل خليفة ثالث "غير راشد" مذبحة حرق المصاحف وهو مروان بن الحكم بحرقه آخر وثيقة لو وصلت إلينا كما أرادت أم المؤمنين حفصة، لساعدتنا على قرءة تاريخية نقدية لقرآننا الكريم، هو مصحف حفصة التي أصرّت على عدم تسليمه لعثمان ليذهب طعما للنيران. لكن أخاها عبد الله بن عمر المتواطئ مع الأمويين قدمه لمروان فشقّه وأحرقه : "فلما كان مروان أمير المدينة أرسل إلى حفصة يسألها عن الصحف ليحرقها وخشي أن يخالف بعض الكتاب بعضًا فمنعته إيّاه. قال ابن شهاب فحدثني سالم بن عبد الله قال فلما توفيت حفصة أرسل إلى عبد الله بعزيمة ليرسلنّ بها، فساعة رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها عبد الله بن عمر إلى مروان ففشاها [وفي رواية أخرى : فشُقِّقت] وحرقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك اختلاف لما نسخ عثمان رحمة الله عليه" (كتاب المصاحف ص 21). وهكذا فحرق مصاحف القرآن، الذي سيمتد لاحقا إلى حرق الكتب والمكتبات، ثقافة راسخة في ذاكرتنا الجمعية. ألم يحرق البرلمان المصري في سبعينات القرن الماضي ألف ليلة وليلة؟ ألم يحرق آية الله أحمد جنتي مئات الكتب التي سمحت رقابة الدولة الدينية الإيرانية الصارمة بنشرها وأحرق دور النشر التي أصدرتها؟ ألم يحرق فقهاء "الجنة الضائعة" مكتبة ابن رشد، ومن قبله مكتبة ابن حزم الأندلسي الذي أضحت مكتبته في ذلك العصر من بين أضخم المكتبات الخاصة في الأندلس؟ كما امتدّت ألسنة نار حرق الكتب إلى : "أضخم مكتبة عرفها التاريخ الإسلامي. [التي أسّسها] الخليفة العزيز بالله الفاطمي في قصره، ثم بنى ابنه الحاكم بأمر الله مبنىً خاصاً للمكتبة في عام 395 هـ بجوار القصر (...) وقد بهرت المكتبة جربرت فون أورياك الذي ارتقى كرسي البابوية في روما سنة 999م باسم البابا سلفستروس الثاني وقال متحسراً: (انه لمن المعلوم تماماً أنه ليس ثمة أحد في روما له من المعرفة ما يؤهله لأن يعمل بواباً لتلك المكتبة. وأنّى لنا أن نـعّلم الناس ونحن فـي حاجة لمـن يعلمنا، إن فاقـد الشيء لا يعطيه). وقدّر شوشتري في كتابه (مختصر الثقافة الإسلامية) عدد مقتنيات المكتبة بثلاثة ملايين مجـلد، وإنـها كانـت أضـخم مكتـبة عرفهـا التـاريخ فـي ذلك العـصر (...)، وقد تعرضت هي الأخرى للخراب والدمار، وضاعت مئات الآلاف من الكتب حين وقع الخلاف بين الجنود السودانيين والأتراك في عام 1068م وهو العام الذي شهدت فيه مصر مجاعة كبيرة ولم يستطع الخليفة آنذاك دفع رواتب الجند، مما دعاهم للهجوم على المكتبة والعبث بمحتوياتها، فأتلفوا كتبها. وعمد العبيد إلى الكتب المجلدة تجليداً فاخراً فنزعوا أوراقها واتخذوا من جلودها نعالاً وأحذية لهم. وعندما تولى صلاح الدين الأيوبي حُكم مصر قضى على البقية الباقية من المكتبة وذلك إما بتوزيعها على رجاله وإما بعرضها للبيع بأي ثمن كان. وأشار القلقشندي إلى نهاية هذه المكتبة بقوله: (وكانت من أعظم الخزائن، وأكثرها جمعاً للكتب النفيسة من جميع العلوم... ولم تزل على ذلك إلى أن انقرضت دولتهم (أي دولة الخلفاء الفاطميين)". (من محاضرة ألقاها د. منصور سرحان مدير إدارة المكتبات العامة ببيت القرآن).
لنقارن ما قام به ذو النورين (رضي الله عنه وأرضاه) بالمصاحف خاصة، والحكّام العرب بعده بالكتب والمكتبات عامة، بما فعله قبله بحوالي أربعة قرون آباء الكنيسة الذين احتفظوا بأربعة أناجيل الأقلّ مبالغة في نسبة الخوارق والمعجزات ليسوع، لكنهم لم يحرقوا باقي الأناجيل المنحولة التي تنسب له هذه الخوارق والمعجزات كمعجزة خلق الطير من الطين التي ذكرها القرآن نفسه أيضا (آل عمران، 49؛ المائدة، 110)، بل احتفظوا بها في مخابئ أمينة حتى وصلتنا الآن ونشرتها دار غاليمار كاملة فقدمت لعلماء تاريخ الأديان المقارن مصدرا ثمينا لمزيد فهم المسيحية التاريخية. كما أنه قام جدال كبير بين آباء الكنيسة بخصوص الكتب الوثنية، فطالب المتعصّبون بحرقها لأنها تخالف "هدى الله"، لكن عقلاء آباء الكنيسة رفضوا اقتراف هذه الجريمة البشعة ضدّ ذاكرة الإنسانية وتراثها الثقافي فأصدروا فتوى ذكية تقول بأن هؤلاء الفلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو...إلخ، "كانوا مسيحيين قبل ظهور المسيحيةCes philosophes eacute;taient chreacute;tiens avant la lettre" ". وهكذا ساهموا بجميلهم هذا في دفع الحضارة الإنسانية قرونا إلى الأمام. وأكثر من ذلك، فقد اعتمدوا كتب أرسطو كمرجع ثانٍ بعد الكتاب المقدس في العلوم الدنيوية، فيما كفّر الغزالي ثم الحنابلة وعلى رأسهم ابن تيمية الفلاسفة المسلمين مُمَثَّلين بابن سيناء فأقصوهم بذلك من حظيرة الوعي الجمعي الإسلامي فسوغوا القراءة الحرفية للقرآن بدلا من القراءة العقلانية التأويلية التي نجد بعض آثارها حتى لدى الطبري وخاصة آية الله الزمخشري والفخر الرازي في تفاسيرهم، ناهيك عن المعتزلة.

أما عمر بن الخطاب فقد أمر بحرق مكتبة فارس، أي مكتبة ملوك الفرس التي كانت ولا شك تحتوي على ملايين الكتب! لنقارن بداوة عمر رضي الله عنه بتحضّر الإسكندر المقدوني أو الإسكندر "ذو القرنين"، كما سمّاه القرآن الكريم، الذي، بشهادة العلامة ابن خلدون، لم يحرق كتب فارس عندما انتصر على الملك الكبير داريوش الثالث في معركة غرانيتا، وإنّما أخذها واستفاد بها الإغريق ومن بعدهم الإنسانية قاطبة. وعندما أعاد الملوك الكاثوليك فتح الأندلس فإنهم لم يحرقوا مكتبة الملوك العرب وإنما أرسلوها إلى مكتبة الفاتيكان حيث هي الآن تعبث بها العثّة وأيدي القرّاء. وفيها، كما اكتشف الشيخ زكي اليماني وزير النفط السعودي سابقا، آيات من المصحف الكريم مختلفة، كما قال، عن سور وآيات المصحف العثماني. (أنظر المدينة، 29 أبريل 2005 وانظر موقع الشفّاف) لكن يبدو أن الفاتيكان ينكر الآن وجود مثل هذا المصحف. وتقول شائعات تتردد في الأوساط الثقافية الإسلامية أن بعض الدول الإسلامية تدخّلت لدى بابا الفاتكان وساومته على إخفاء هذه القطع من المصحف فقبل هذه المساومة الإجرامية. بل أن البعض يقول أن الفاتيكان سلّمها هذه القطع التي ذهبت طُعما للنيران!!! وإذا صحّ ذلك تكون حاضرة الفاتيكان قد خانت آباء الكنيسة العقلاء وانساقت، خوفا أو طمعا، وراء سفهاء الأعراب المعاصرين المعادين للعقل والعلم والحضارة! وهكذا حرقنا المصاحف والمكتبات منذ أربعة عشر قرنا ومازلنا نحرق. وإليكم شهادة مؤرخ الإسلام الأكبر عبد الرحمن بن خلدون عن أمر عمر لسعد بن أبي وقاص بحرق مكتبة الفرس : "وأما الفرس فكان شأن هذه العلوم العقلية عندهم عظيما ونطاقها متسعا (...) ولقد يقال أن هذه العلوم إنما وصلت إلى يونان منهم حين قَتل الاسكندر دارا وغلب على مملكة الكينية فاستولى على كتبهم وعلومهم ما لا يأخذه الحصر. ولما فتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتبا كثيرة كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذنه في شأنها وتلقينها للمسلمين. فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء. فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه وإن يكن ضلالا فقد كفانا الله. فطرحوها في الماء أو في النار وذهبت علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا". (المقدمة، فصل العلوم العقلية وأصنافها). لاحظوا المقارنة التي يجريها ابن خلدون بين عمر والاسكندر ذو القرنين، الذي نقل "علوم الفرس العقلية" إلى اليونان، ولاحظوا الاحتجاج الأنيق والمغلّف بالمرارة على حرق مكتبة فارس بدلا من الاستفادة من علومها "العقلية" كما فعل الاسكندر ذو القرنين...
يُنقذون الكتب ونحرقها، يستفيدون منها ونستخفّ بها، ذلك هو الفرق كل الفرق بين تحضّرهم وتوحّشنا بالتعبير الخلدوني.

وكلّ حرق مكتبة ونحن بخير

مترجم وباحث تونسي

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
مجافاة الحقيقة
مهند -

مقال يجافي الحقيقة.