ثقافات

كلمة مشروع لاحياء الترجمة في العالم العربي

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد مسعاد من فرانكفورت: شكلت الترجمة وعبر العصور قنطرة بين الثاقافات والشعوب، وهكذا نجد أن الثقافة العربية الاسلامية استفادت كثيرا من الثقافات السابقة عنها عن طريق ترجمة آدابها وعلومها وفنونها، وكان العصر العباسي بحق عصر انتشار وازهار الترجمة التي وجدت في خلفائها كل الدعم، حيث أحتلت الترجمة والمترجمون مكانة محترمة، توجت بتأسيس ببيت الحكمة الذي كان يشرف عليه حنين بن اسحاق، ففي عهده نقلت أمهات الكتب بكل أصنافها. وفي السياق نفسه صارت الحضارة الأوروبية عندما عملت على ترجمة كتب أبن رشد والخوارزمي وغيرهم من علماء الثقافة العربية الاسلامية. ولكون أن الترجمة تعتبر مفتاحا للتطور والازدهار، يحاول العرب و منذ عصر النهضة العربية إعادت الاعتبار إلى الترجمة سواء من خلال مدرسة الترجمة التي تأسست 1826، أو ما تقوم به الآن الجامعة العربية أو مجهودات الباحث والناقد جابر عصفور أو الدراسات والأبحاث حول التعريب بالمغرب، إضافة إلى بعض الأعمال التي تقوم بها السعودية أو الكويت.
وفي هذا الاطار جاءت مبادرة إمارة أبو ظبي والتي تحمل اسم "كلمة". إذ تم الاعلان خلال المعرض الدولي للكتاب بفرانكفورت المنعقد ما بين 10 و14 من أكتوبر/تشرين الأول، على مشروع طموح للترجمة. و تهدف من خلاله هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث وتحت إشراف مباشر من سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي، احياء حركة الترجمة في العالم العربي، إيمانا منها على حد قول السيد جمعة عبد الله الكبيسي مدير المشروع:"بايصال الكتاب الجيد للقارئ العربي، ولا تنحصر الفكرة في إيصال أفكار ومعلومات جديدة ولكن ببناء جسور تعارف وتقارب بين عدد من الثقافات، مراعاة لحقوق المؤلف و الناشر و المترجم، ودعم بعثات دراسية للمترجمين، وخصوصا من اللغات الأخرى التي تكاد تنعدم أو تقل فيها الترجمات بشكل مباشر كالألمانية واليابانية والصينية".
إن مشروع كلمة كما وضح السيد كريم ناجي المدير المسؤول عن هذا البرناج هو أنه "مشروع غير ربحي لترجمة ونشر وتوزيع الكتب المترجمة في العالم العربي، عن طريق عقد شراكات مع الناشرين العرب من مختلف الدول العربية، بداية من لبنان ومصر والمغرب. يقوم المشروع على اختيار العناوين المقترحة وتمويل ترجمتها ونشرها وتوزيعها عبر أرجاء الوطن العربي". كما أن هذا المشروع لا يقتصر على لغة معينة دون أخرى، غير أن الأمر يظيف السيد ناجي" يرتبط بشكل أساسي بوجود أولا مترجمين وثانيا بجودة أعمال هؤلاء المترجمين". وإن كان التركيز في الأول على أربع لغات، وهي الأنجليزية و الألمانية والفرنسية والاسبانية.فإن المشروع يتوخى أكثر من عشر لغات.
واضح جدا أن المشروع تشرف عليه هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث على مشروع كلمة، بدعم ومتابعة مباشرة من الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي. ولقد خصصت له ميزانية مهمة. وحتى وإن كانت إمارة أبو ظبي هي منطلق والمركز الرئيسي الذي سيشرف على هذا المشروع، فإن أصحابه أعلنوا في الندوة الصحفية التي عقدوها لهذا الغرض في معرض فرانكفورت للكتاب، أن هناك ثلاث محاور عربية هي: بيروت و القاهرة والرباط. فاختيار لبنان ومصر ضمن هذا المشروع حسب تصريح السيد المدير المسؤول: "ناتج أساسا عن كونهما أحد أهم مراكز النشر في العالم العربي". أما المغرب يظيف السيد ناجي: "مهم للغاية لعدة أسباب، منها وجود عدد من المترجمين الجيدين من الفرنسية والاسبانية إلى العربية، بالاضافة إلى وجود جامعات رائعة وجيدة، وأيضا حتى يكون هذا المشروع قريب من المغرب العربي بمعناه الواسع". أما خارج العالم العربي فسيكون التواصل عن طريق الزيارات المتكررة والمؤتمرات ومعارض الكتب للاتصال المباشر بالناشر الغربي وكل الفاعلين والمهتمين بمجال الترجمة.
بكل تأكيد فإن مشروعا طموحا بهذا الشكل يجب أن تتوفر له الشروط العلمية والاجرائية حتى يضمن له النجاح، بحيث وضعت الهيئة معايير دقيقية لطريقة إختيار العناوين، أخذا بعين الاعتبار التوازن من جهة بين الكتب الكلاسيكية والحديثة والمعاصرة، ومن جهة أخرى التوازن بين التصنيفات المختلفة للكتب، سواء كانت أدبا أو علوما أو انسانيات أو تاريخ، وفي هذا السياق أعلن السيد كريم ناجي على أن الهيئة اعتمدت على التصنيفات الثمانية للكتاب كما أقرتها منظمة اليونسكو. أما التوازن الثالث الذي راعته الهيئة فيتمثل في أخذ القارئ بالدرجة الأولى في الحسبان، بحيث أنه سيتم التركيز على الفجوات الموجودة في المكتبات العربية وعلى تحديد الأولويات في اختيار العناوين والكتب في المرحلة الأولى. أما فيما يخص ترشيح واختيار العناوين فهو من اختصاص لجنة علمية متخصصة حسب تصنيفات الكتاب التي ذكرت في السابق، بحيث أنه سيتم الاعلان عنها مع بداية كل سنة وطبعا مع مراعاة الكتب والعناوين الجيدة التي تصدر خلال السنة.
وردا على سؤال إن كان المشروع سيقتصر على الترجمة فقط إلى العربية أم أيضا أن العكس وارد، فجاء رد المسؤول التنفيذي للمشروع على الشكل التالي: "إن الفكرة من حيث المبدأ واردة، فالترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى لا تقل أهمية عن الترجمة إلى العربية. غير أننا فضلنا في الأول اعتماد هذه الأخيرة. وفي مرحلة قادمة بعدما نكون قد كسبنا ثقة الناشر الأجنبي وبنينا علاقات ثقة مع الناشر العربي، وأيضا بعدما نكون قد ربحنا رهان قرار التأثير في نشر وتوزيع وصناعة الكتاب المترجم إلى العربية في العالم العربي، سنطمح بكل تأكيد أن يكون لنا أيضا دور في نقل الكتب من العربية إلى لغات أخرى".
من دون شك أن عددا من المشاريع في هذا المضمار لم يكتب لها الاستمرارية، نظرا لكونها ارتبط بالأشخاص أكثر من المؤسسات، سرعان ما تموت هذه المشاريع بتخلي أصحابها عليها، غير أنه في مشروع كلمة يرى السيد كريم ناجي تم اعتماد أسلوب في إدارة المشروع وتمويله حتى يضمن له الاستمرارية، والهدف المتوخى هو البرمجة لفترة طويلة الأمد. إداريا فالمشروع هو تحت مسؤولية هيئة أبو ظبي للثقافة والثرات، وإذا ما تمكنا يقول السيد ناجي "في المستقبل من تحويله إلى هيئة مستقلة سيتم بالتأكيد التفكير في خلق مجلس أمناء من لغات ودول مختلفة".
تجدر الاشارة في الأخير إلى أن الاعلان الرسمي على المشروع سيكون هو يوم 21 نوفمبر/ تشرين الثاني بأبو ظبي، أو من خلال الموقع الالكتروني الخاص بالمشروع والذي سيتم اطلاقة في نفس التاريخ، والذي سيكون أيضا جاهزا للاعلان على جميع التفاصيل، حيث سيجد المهتمون كل المعلومات الخاصة بالأمور المالية المتعلقة بتمويل مشروعات الترجمة وأيضا بالأهداف الكبرى لمشروع كلمة.
لقد خلف اعلان هذا المشروع ارتياحا كبيرا في صفوف الحاضرين من دور نشر عربية وألمانية وكذا عدد من المترجمين الذين تابعوا الندوة الصحفية، حيث اعتبروه مشروعا طموحا جاء في وقته ليكون صلة وصل بين الثقافات والشعوب، ولكي يساهم في إعادة الاعتبار للترجمة وصناعة الكتاب في العالم العربي.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف