ثقافات

رحل عبر دموعنا

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

عن وفاة الشاعر سركون بولص
رحل عبر دموعنا
إخواني الشعراء في كل العالم، هل أدلكم على مظهر آخر من مظاهر اللاعدل في هذه الحياة؟ لقد مات الشاعر العراقي سركون بولص في برلين. مات مريضا، فتعالوا نسترجعه.
يا أرض ألمانيا هل تعلمين من مات بين أحضانك؟ لقد مات من كان يربي الرغبات اللطيفة.سركون الذي كتب القصيدة بمحبة ليست عندنا جميعا.
صباح الاثنين 22 أكتوبر 2007 علمت أن سركون بولص، صديقي وأخي الكبير، توفي متأثرا بجراح بليغة، ظاهرة وخفية، سببتها له الحياة. التقيته آخر مرة في مهرجان لوديف 2007، كانت عيناه الغائرتان تحكيان كل القصة. وجسده الذي نحل بشكل مفاجئ كان يأكل من عشب الحياة بنهم كأنه يودعها. كان يتكلم بصوت خافت كأنه ينبئ عن وشوك حدوث الكارثة.لم أسمع من قبل بأن سركون مريض، مصاب في ألمع وأكفئ عضلة في الجسم: القلب.
في 2001 بالدار البيضاء زرته في غرفة الفندق، أخبرني أنه كان يتقيأ في المرحاض. وهي نفس الحالة التي انتابت الشاعر العراقي المريض هو الآخر في قلبه:هاشم شفيق .كان هو الآخر في الغرفة المجاورة يتقيأ.هذا هو حال الأجسام حين ترهقها الروح. لكن سركون في لوديف كان متعبا، يكاد يجر رجليه وبصعوبة ينطق . ما هذا المرض العنيف الذي قلص جسما متماسكا، قويا . وقلبا كان يستمع دوما بغرابة إلى رفيف الحياة. والآن، ولكثرة المذابح وأشكال الموت المتشابهة في العراق وفلسطين وبلدان أخرى، أصبح الموت منتظرا . لكن أن يموت سركون وبهذا الجسد المنهك، وهذه الروح التي سئمت لا محالة فذلك مخالف لكل قانون وسنة.
أيها الموت أأنت من خبأ سركون في هذا الوقت الصعب؟ أأنت من أمر بحدوث كل شيء، وأمام أعيننا: كل شيء ينتفخ وسركون ينحف؟ وتضيع منه قطعه واحدة واحدة، ولا قطع غيار تعوضها.لأن سركون هو سركون، وحيد وواحد في الشعر والحياة. كثرة من الأحلام تتسكع وتعيش ولا تبالي.
سألته ذات ليلة بالرباط عن اسمه: سركون. فأجابني وكأنه يجهش:" سماني والدي سركون على اسم القائد الآشوري العظيم " سرجون" فخيبت ظنه وطلعت شاعرا" ثم ضحكنا. كان ذلك الجواب الذي بقي يرن في ذاكرتي مؤشرا على المأزق الذاتي الذي وضع فيه سركون. ثم جاءت أزمته وطالت لمدد.لا وطن. لا وظيفة. لا أسرة.لا زوجة أو حبيبة جميلة وصادقة تقامر من أجل هذه المباراة الحاسمة: صراع الشاعر مع الحياة التي تبدو أمامه مبتدئة.
في لوديف حكى لي سركون عن المطابخ الضيقة التي طها وأكل فيها.عن "وولت ويتمان" الذي يعيد ترجمة قصيدته " أغنية نفسي". كان ذلك الصباح مبتسما رغم شحوبه. ينهي جمله بضحكة لها صوت الزفرة. وجدته هادئا في ذلك اليوم الذي سقط فيه المطر طويلا على نفايات المدينة.لكن الحزن الغائم كان في كلماته.كنت أجد فيها موسيقى تشبه موسيقى وطنه القديمة.خصوصا عندما حدثنا كيف علمه والده صيد السمك في كركوك.هذه المدينة التي يظهرها التلفزيون اليوم وناسها يودعونها بأيديهم اللاتحصى. ما قتل سركون هو حنينه البعيد لوطنه. سألته مرة: لماذا أنت هناك؟ قال: إلى أين تريدني أن أذهب؟ قلت: ولو زيارة قصيرة إلى العراق، إلى كركوك. قال: لو رحت يقتلونني في الدقيقة الأولى من وصولي. يا ربي كان سركون يخاف الموت خوفا نفسيا رهيبا. وهاهو الموت يغيبه بعد ثلاثة أشهر .
لا أجد من الصواب القول إن سركون يمتلك كلمات غريبة أو إنه يعيش ويفكر ويكتب وفق كلمات بفضلها حقق ما حققه، لأن سركون هو نفسه كلمات ولغة. لنأخذ بعض الأمثلة. لماذا بدأ في الفترة الأخيرة يترجم " أغنية نفسي" لويتمان، تلك القصيدة الرائعة والمدهشة التي كان عنوانها الأصلي " قصيدة وولت ويتمان، الأمريكي"، بما في هذا العنوان من شجن وذاتية جريحة وجريئة؟ لماذا تحدث ذات ليلة بلوديف عن قصيدة " الأرض الخراب" ل. ت.س.إليوت، و" زمن القلق" ل. أودن؟ الجواب هو أن سركون نابت في تربته بكل العروق الممكنة. فقصيدة "أغنية نفسي" شقيقة سيميائية لشقائه، هو العراقي الذي يشهد زوال بلده كل يوم. أما " الأرض الخراب" و "زمن القلق" فقصيدتان عن الخراب الذي يفترسنا كل يوم. وهما قصيدتان لا يمكن للمرء إلا أن يسترشد بهما في زمن الحروب المشتعلة في أوطاننا الحبيبة.
رغم ضعف الجسد واقتراب الحتف كان سركون ضاحكا وساخرا ومناقشا. ترى ما السبب؟ إننا أمام شاعر لا يفكر في دلالة الموت الماورائية. فهو ربما كان يعتبر الموت حالة إيجابية. فالحياة فقدت شكلها. والبلدان تطارد المصلحة الاقتصادية (إلا بلداننا طبعا)، والبلدان العربية يحدث لها ما يحدث ومع ذلك تتحدث عن الأمجاد والبقاء السرمدي (لنتذكر أن الشعار الوطني ليوغوسلافيا كان يشكك في بقاء هذا البلد:" إذا بقي بلدنا موجودا لمائة عام سنبني ووووو"، أمام كل ذلك لا يجد شاعر له حساسية سركون غير الموت ملاذا مستمرا.
في لقاء جمهه بسعدي يوسف والشاعر الفرنسي ......... قرأ سركون قصيدة تراجيدية عن صديقه القديم الذي لم يعد هو هو . وصفت القصيدة مشيته ووجهه ولونه وكلماته. خاطبته كيف تغير الى هدا الحد لتنقلب الأدوار ويسأل الصديق القديم سركون بولص الذي هو أيضا صديق قديم له كيف تغير ولم يعد هو هو، كل شيء تغير من المشية إلى الوجه. القصيدة تصف الكلمات بالكلمات. في خلف الحديقة التي أقيم فيها اللقاء كانت نساء فرنسيات تبكين متأثرات بالقصيدة وبسركون الذي يجسد بصوته وكلماته وحركاته المأساة الإنسانية. بقصيدة واحدة تدور حول التحولات الروحية والجسدية لشخص عراقي، صديقه القديم. وهو تغير يطال كل الأشخاص في كل بلد وزمن.خصوصا تغير الإنسان الذي يقف أمام طرق مسدودة.لم يكن سركون يلقي قصيدة بل كان يهمسها، يوشوشها كأن عدوا يسمع ويتربص.
كان مثالا لاحترام الآخر، للوقوف إلى جانب السابق واللاحق. لنلاحظ كيف أهدى مجموعته الشعرية "إذا كنت راكبا في مركب نوح" إلى " يوسف الخال " الأب" فيذكراه الدائمة وإلى أدونيس سيد الهجرة في أقاليم الليل والنهار". في وقت كان الكل يحسد أو يتحامل على أدونيس وينسى يوسف الخال.
كنا نحيط به في فرنسا. كان يندهش من كلامنا، ربما هي دهشة من تفاجئه لغته الأم في بلد أجنبي. من يدري ربما كان سركون بولص سعيدا في حياته.لكن لنعترف أننا عندما نسمعه يتكلم ندرك أن ذلك الصوت جاء من بعيد. من أقصى الدروب. من أقصى العواصم.كلامه أخف من أي همس، أقوى من أي صرخة. لقد جاء سركون من بعيد جدا وذهب إلى بعيد جدا.عاش كأنه كان يرى طيوفا. وهنا أحيل على قصيدة من الشعر اليباني الحديث عنوانها " الرائي طيوفا" كأنها تتحدث عن سركون بولص . تقول في منتصفها:" جاء عبر دمعة واحدة/أفقر من جميع الفقراء/ و أعز من جميع الأعزاء". فعلا، عبر دمعة جاء الشاعر سركون بولص. هذا الصوت الصافي. وعبر دموعنا ذهب.



التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف