ثقافات

تنقيب عن الجنس في الأسطورة والتاريخ والفن

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
الكتاب: الجنس والفزع
المؤلف: باسكال كينيار
المترجم: روز مخلوف
الناشر: ورد للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق سوريا/ الطبعة الأولى2007.

يتألف الكتاب من ستة عشر فصلا, إضافة إلى المقدمة. يتناول فيه المؤلف تاريخ انتقال الإيروسية الإغريقية إلى روما الإمبراطورية. فيكتب في المقدمة: " أحاول فهم مسألة غامضة: مسألة انتقال ا لإيروسية الإغريقية إلى روما الإمبراطورية. فلسبب لا أفهمه, إنَما لخشية أتصورها, لم يفكر أحد حتى الآن بهذا الانتقال"ص8.
بارازيوس وتايبيريوس. نتعرف الى الأول رساما يونانيا, نشأ في أثينا حوالي عام410. قال القدماء بأنه اخترع البورنو غرافيا, وهي تعني رسم المومسات, وأحب المومس تيودوتيه ورسمها عارية. أما تايبيريوس الإمبراطور الروماني كان من عشَاق لوحات بارازيوس, وضع في غرفة نومه لوحة تمثِل البطلة الأسطورية أتلانت, وهي تلاطف شخصية أسطورية لأخرى ملاطفة مشينة.
ويمضي المؤلف في الفصل الأول من الكتاب, في مقارنة بين القيم الأخلاقية المتعلقة بالجنس, لدى كل من الإغريق والرومان. الفصل الثاني جاء حول فن الرسم الروماني" دخل سقراط يوما إلى مرسم بارازيوس, سأله:
" قل لي يا بارازيوس, أليس الرسم صورة للأشياء التي نراها؟ بالتالي فإنَك بالألوان تقلِد الأجوف والناتئ, المضيء والمعتم, الصلب والرخو, الخشن والأملس, نضارة الجسد, وشيخوخة الجسد".ص30. الحوار بين سقراط وبارازيوس يعبِر عن المثل الأعلى بالفن, حسب المؤلف, باسكال كينيار. لماذا قسَمت الطبيعة منذ ملياري سنة, الأنواع إلى اثنين؟ هذا السؤال سوف يشكل مدخلاً, للذكورة والأنوثة, كما عبَرت عنها الأسطورة اليونانية, والفلسفة الرومانية. في الفصل الثالث تحليل وافٍ عن هذا الموضوع, وشيِِق أيضا. "طبيعة الأشياء مثل طبيعة الإنسان, هي الفيض نفسه. ذلك الدفع الذي يحدث لجميع الكائنات الأرضية والسماوية" ص66.
الأسطورة اليونانية تبقى المصدر الأغنى لمادة الكتاب. في الفصل الرابع, هناك المزيد من الشروحات التي تتوغل أكثر فأكثر, في موضوع الجنس, لدى اليونان والرومان. ويأتي الفصل الخامس مخصصاً للإيروسية عند الرومان" قرن الرومان بين النظرة السلبية(الوميض المرتعش للهياج الذي هو وميض الشهوة) وبين نظرة المحتضرين, نظرة الموتى. في مؤلفات اوفيد إكثار من وصف هذه العيون المرتعشة" ص88.
بترونيوس وأوزون, عنوان الفصل السادس. فيه نقرأ المزيد من أدب الأسطورة الرومانية. والموضوع هو ذاته, الجنس والمتعة , الموت والحياة" المتعة تنتزع منَا الرغبة. ونحن منذورون للتخيُلات الخادعة كما هي الأسماك منذورة للبحر" ص100.
أدَى تدريب الذاكرة لدى الشعوب القديمة, إلى عدد من التقنيات " التي لم نعد نستخدمها لتقوية الذاكرة, كان سينيكا الأب أحد اكبر ذاكرات عصره, كان بمقدوره لأن يستظهر, في زمن لأغسطس, تراجيديا سمعها في زمن ديكتاتورية قيصر, من "أوَل بيت فيها حتى آخر بيت. كانت الجداريات نفسها والحدائق والبيوت تستخدم ككتب ذاكرة" ص106. هنا حيث الفصل السابع من الكتاب, مقاربات مبنية على الصلة بين الفن والأسطورة, كما بين الفكر الاجتماعي والسياسي" عندما التفت فلاسفة اليونان الأوائل نحو المجتمع المدني وتفكَروا في القلق اليومي الذي يغرق فيه عنف الرغبة, زعم كلٌ من الفيثاغورثيين والكلبيين والأبيقوريين والرواقيين وفلاسفة الشك ولأتباع الديانات الحديثة, انفصالهم عن هذا القلق كما عن تلك الرغبة. بشروا بفكرة أنَهم جميعا ًغرباء عن ذلك العنف الخارجي وعن ذلك القلق الداخلي وعند ما جاءت الديكتاتوريات اعتبروا أنهم غرباء فوق أرض الاستبداد وأنَ عليهم الانفصال عن طغاتها والانعزال في الأرياف وعندما جاءت الإمبراطورية استنبطوا فكرة الوطن" ص107.
ميديا هو عنوان الفصل الثامن للكتاب. وهي صورة للهوى الجنوني" توجد مسرحيتان تراجيديتان عن ميديا: المسرحية الإغريقية التي كتبها يوروبيدس, والرومانية التي كتبها سينيكا." في ميديا يوريبيدس فإن تفكك الصلة الحضارية انطلاقا من شغف المرأة بالرجل يصبح الحب كرها وتتحول الرغبة العنيفة بالعشيق إلى ضراوة قاتلة تجاه العائلة"ص126. يمضي الفصل إلى مقارنة فنية وفكرية بين ميديا امرأة الأسطورتين.
الحياة الحيوانية, هي التي ولد الإنسان عليها , وهو لا يتحرر منها. أعادت روما اليونان إلى حيوانية النوع, إلى" حالة أولى من النوع البشري... صوَر الرومان النزعة الحيوانية عندما أحيوا الأساطير وأعادوا إليها الأشكال الحيوانية بعد أن كان الإغريق قد فرضوا إبعادها عنها" ص135. ذلك ما يتناوله الفصل التاسع من الكتاب.
ولقد جاء عنوانه: باسيفه وأبوليوس.
في الفصل العاشر والحادي عشر, يستمر البحث في الرموز الأسطورية, عن الإنسان في عالم وجوده واستمراره, ومن خلال معاينة للجداريات , وتحليل نصوص الروايات الأسطورية, والفكر الفلسفي المجرَد, يلامس باسكال كينيار حقائق إنسانية لا تزال, في جوانب متعددة تواكب بعض حاجات التطور , في العلوم الإنسانية, وفي الآداب والفنون.
الكتابة تنسُك, الكتابة انقطاع. تلك هي أهم استخلاصات الكاتب في الفصل الثاني عشر من كتابه. " تجذبنا القراءة إلى العالم الآخر. تنقلنا الكتابة على نحو مماثل إلى روح الآخر الذي نسعى لإقناعه. الكتابة هي استبطان هذياني في روح الآخر. منع الإمبراطور كاتون النساء من ممارسته. الكتابة انقطاع عن العالم المعروف, وقت يقضيه الإنسان في مكان آخر. الكتابة تنسُكٌ"ص168.
يستغرب الكاتب ما هو شائع في الثقافات, حول أسطورة نرسيس, التي تحيل فكرة موته إلى حبِه لنفسه" عشق الذات" فيقول: " هذا التأويل لأسطورة نرسيس يفترض وجود إحساس بالذات, عداءٍ للبيت الشخصي الذي يقيم فيه الجسد, كما يفترض تعميق التنسُك نحو الداخل... لماذا لم يُصوَر نرسيس أبداً منحنيا فوق انعكاسه في الجداريات الرومانية؟
لحظة الإنحناء هي اللحظة القصوى, اللحظة السابقة للموت, فإذا انحنى ابتلع حال افتتانه بوساطة نظرته,ص178. يتوسع في تبيان ما ذهب إليه, فيستعرض أهم الروايات التي ورد فيها نظرات لنرسيس, في الأدب الأسطوري القديم(بوزانياس, أوفيد) ويصل إلى مقاربته الخاصة, فيقول: "تحكي قصة نرسيس عن استحالة رؤية الإنسان لنفسه كأنَما في مرآة, واستحالة معرفة الإنسان لنفسه, والنظر من خلفه إلى الماضي" ص178-179.
في الفصول الثلاثة الأخيرة يواصل الكاتب استعراض الفكر الأسطوري, محللاً ومستخلصاً, من منظوره الخاص, آراء جديدة تتصل بموضوع الجنس والفزع, ويرِف الأخير بأنه" سمة الهلوسة. ليست كلمات الفزع والخوف والغم مترادفة...
الفزع يدلُ على الحالة التي تطرأ عندما نقع في موقف خطير لم ينبئ به شيء. الفزع مرتبط بالمباغتة... وعندما يضاف الافتتان إلى الفزع يظهر السر.... الفزع الديني أو الفزع الرهيب, جمع بين شعور المرء الذي طفح به الكيل, وشعوره بأنه مهيمَن عليه"ص204.
لقد استخدم المؤلف, مقتطفات هامة ومعبرة من أدب الأسطورتين, الإغريقية والرومانية, وأحياناً باعتماد النهج المقارن.


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف