شجرة الميلاد السماوية
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
قصة: فيدور دستويفسكي
ترجمة: زعيم الطائي
المؤلف: واحد من أعظم الكتاب على مر العصور، ولد
أنا روائي، ويفترض أنني قمت بتأليف هذه القصة، أكتب (يفترض) لأنني أعلم في الحقيقة بأنني أصطنعتها،رغم تصوري أنها قد حدثت في وقت ما من أوقات الأنجماد الفظيعة في أحدى كبريات المدن.
أتخيل صبياً،صغيراً،في عمر السادسة أو السابعة، أو أصغر قليلاً، ينهض من نومه في القبو البارد الرطب،كان يرتدي ثوباً قصيراً، وقد أخذ يرتجف من شدة البرد،وأنفاسه تشكل غيمة بخار بيضاء. يجلس على صندوق في الزاوية،مطلقاً من فمه البخار، مندهشاً من نفسه في بلادة حين يراقبه يتطاير مبتعداً، وقد أستبد به جوع شديد. ذلك الصباح تفقد أمه المريضة لعدة مرات، وهي مستلقية على فراشها فوق السرير الخشبي، ضعيفة مثل كيكة رقيقة، وحزمة ملفوفة تحت رأسها كوسادة.
كيف جيىء بها الى هذا المكان؟ أغلب الظن أنها أتت مع أبنها من مدينة أخرى ثم سقطت صريعة المرض فجأة، بقي يومان أمام مالكة القبو المحتكرة تأجير الزوايا، قبل التوجه لدائرة البوليس، فقد غادر النزلاء كلهم لأقتراب العطلة،وآخر من بقي منهم سكير قضى الأربع والعشرين ساعة الماضية في نوم متواصل، غير آبه بالأعياد، وشغلت الزاوية الأخرى من الغرفة أمرأة بائسة في الثمانين. كانت ممرضة أطفال سابقاً،لكنها تركت الآن لتموت دون أصدقاء، تقضي الوقت بالأنين والتوجع من آلام الروماتزم،والدمدمة المتذمرة، مما جعل الصبي في خشية دائمة من الأقتراب عند زاويتها.
ذهب ليشرب قليلاً من الماء في الغرفة الخارجية،لكنه لم يجد قطعة خبز يتبلغ بها في أي مكان،وبمحاولته الثانية لأيقاظ والدته، تملكه الرعب وهو يتخبط في العتمة،فقد كان الليل في بدايته، ولاشمعة تنير المكان،تلمس وجه أمه،فوجئ بتوقف الحركة في جسدها الذي أمسى بارداً مثل جدار، فكر(أنها شديدة البرودة هنا)، تجمد في مكانه للحظات،وبلا أنتباه ترك يديه تستلقيان على كتفي المرأة التي فارقت الحياة، بعد ذلك بدأ ينفخ بأصابعه لكي يبعث فيها الدفء،ثم راح يتحسس باحثاً عن قبعته في الفراش بهدوء، كي يغادر السرداب، كان متأهباً للمغادرة منذ وقت طويل، لكن منعه خوفه من الكلب الضخم الذي يزمجر طوال النهار عند باب المجاورين العليا، الآن لم يكن الكلب موجوداً، توجه بسرعة وأطلق ساقيه للريح عبر الشارع.
(سعيدة علينا) يالها من مدينة، لم يكن قد رأى لها مثيلاً من قبل،ففي المدينة التي قدم منها، كانت المناطق متشحة بالظلام دائماً خلال الليل، وكل شارع فيها تنيره لمبة واحدة، البيوت الخشبية الصغيرة المنحدرة، تغلق أبوابها ونوافذها تظلل مباشرة بعد الغروب، فلا يعد أحد يلمح عابراً في طرقاتها، والكل منغلقون خلف الأبواب،لايتبقى في شوارعها سوى زمر الكلاب، المئات منها والآلاف، عاوية نابحة معظم الليل. لكنها تبقى دافئة هناك، والكثيرون يقدمون له الطعام،بينما هنا - أوه، ياعزيزي،لو أنه وجد شيئاً يسد به رمقه، ياللجلبة والضجيج الذي هنا! يالكثرة الأضوية والناس،العربات والخيول، وأيضاً هذا الزمهرير،حتى البخار المتجمد أخذ يشكل غيوماً فوق الخيل، حول أفواهها الدافئة وهي تلتقط أنفاسها،وحوافرها تئز فوق الأحجار تركل الثلج المتطاير، الكل مندفع، و- أوه، ياعزيزي،كم هو مشتاق الى بعض اللقيمات من الطعام، وكم يشعره ذلك بالتعاسة المفاجئة! تمشى الشرطي الى جواره، ثم أشاح بوجهه عنه متحاشياً النظر نحوه.
هنالك شوارع أخرى - أوه،ياله من شارع كبير،بالتأكيد هنا يرغب في الأنطلاق،الكل يصرخون، يتسابقون وهم يقودون العربات عبر الطريق،والأنوار، الأنوار، و.. ماهذا؟ شباك كبير من الزجاج، داخله هذه الشجرة التي تنوش السقف، شجرة تنوب كبيرة،زينت بأضوية عديدة،أوراق ذهبية،تفاحات، أحصنة ولعب،هناك أطفال نظيفون يتراكضون في الصالة وقد أرتدوا أفضل مايملكون، يتضاحكون ويلعبون، يأكلون ويشربون بعض الأشياء، بعد ذاك أخذت فتاة صغيرة ترقص مع أحدهم، يالها من فتاة صغيرة وجميلة! بأستطاعته الأستماع الى الموسيقى من خلال الشباك،نظر الصبي متعجباً وهو يضحك،رغم أن أصابع قدميه بدأت تتنمل من شدة البرد، وأياديه تحمر وتتجمد، لذا صار يؤذيه تحريكهما، في نفس الوقت الذي تذكر فيه ألم أصابعه شرع بالبكاء،وأستمر في العدو، بعدها من خلال لوح زجاجي آخر لاحت له شجرة ميلاد أخرى،ومنضدة وضعت عليها أنواع مختلفة من الكيك - كيك باللوز، كيك أحمر وأصفر،وثلاث شابات كبيرات جلسن هناك، يناولن الكيك لكل من يمر بهن، والباب يفتح بأستمرار، نساء ورجال كثر يسيرون في الشارع،تسلل الصبي،فتح فجأة الباب وهم ّ بالدخول،
أوه،صرخوا كلهم به مشيرين له بالخروج! توجهت أمرأة نحوه مسرعة وزلقت(كوبك) في يده، وبيدها الأخرى فتحت له الباب كي يعود للشارع! كم كان خائفاً،مما جعل الكوبك يتزحلق من يده وهو يرن فوق الدرجات، لم يتمكن من الأمساك به لتصلب أصابعه،ففر هارباً نحوالطريق،الذي لايعرفه،كان متأهباً للبكاء ثانية ومنعه الخوف،راح يعدو نافخاً في أصابعه، وقد راوده شعور بالرهبة لأنه تعيس ووحيد، في تلك الأثناء (السعادة للجميع!) مالذي يجري؟ من جديد تجمع الناس منذهلين، خلف الشباك الزجاجي،وضعت ثلاث لعب صغيرة، ألبسن الأحمر والأخضر،بالضبط، بالضبط، كما لو كن أحياءً، أحداهن رجل عجوز صغير يعزف على كمان كبير،وبجانبه أثنان يعزفان على كمانين صغيرين،وهما يتمايلان طيلة الوقت،ينظران أحدهما الى الآخر،
وشفتاهما تتحركان، كانا يتكلمان، يتبادلان الكلام فعلاً، لكن لاأحد يستطيع سماعهما من خلف الزجاج،في البداية تصور الصبي أنهم أحياء،بعدها حينما فهم أنها مجرد دمى،أخذ يضحك من نفسه،فهو لم يشاهد دمية من قبل،ولم تكن لديه أدنى فكرة عن أنها ألعاب،لذا رغب بالبكاء، لكنه ظل سادراً في دهشته،متعجباً من الدمى، في الوقت ذاته توهم شخصاً نفث الدخان من خلفه، فتى كبير شرير توقف الى جانبه، فجأة وجه اليه ضربة على رأسه، ثم أختطف قبعته ودفعه بقوة،دفعة أسقطته على الأرض،صرخ بعدها، مرتعباً وقد فقد الحس في أطرافه،لكنه أستطاع القفز والهرب بعيداً،أستمر في الجري،لايدري أين وجهته،وصل عند بوابة أحد البيوت، جلس قرب كومة من الأخشاب عند باحته،(لن يعثروا علي في هذا المكان، أضافة الى الظلام هنا!) حشر نفسه، كاتماً أنفاسه من الخوف،في تلك اللحظة تماماً،لازمه فجأة شعور بالأغتباط، توقفت يداه وأرجله عن أيلامه وقد أحس فيهما بدفء مباغت، كما لو كان يجلس الى فرن، بعدها راح جسده كله يرتجف،فأخذ وقفة، لماذا؟ يتوجب عليه أن يأخذ غفوة، كم جميل النوم هنا،" سأجلس هنا قليلاً،ثم أذهب للنظر الى العرائس ثانية " قال في نفسه،وقد علت محياه أبتسامة حينما أتته تلك الذكرى،"كما لو كانت فيهما الحياة! "...فجأة سمع من حوله صوت أمه وهي تغني،(أنا، نائم ياأماه! كم جميل النوم هنا).
-:" تعال الى شجرة الكرسماس أيها الصغير ". همس صوت ناعم فوق رأسه فجأة.
تصور أن أمه مازالت تكلمه،ولكن لا،لم يكن صوتها من ناداه؟ أنحنى أحدهم فوقه محتضناً أياه في الظلام،فمد يديه له،بعدها...في نفس اللحظة - أوه، يا للنور الباهر! يالها من شجرة كريسماس! لكنها ليست من أغصان التنوب،فلم يرمثيلاً لها من قبل! أين هو الآن؟ كل شيء بدا ساطعاً ومنيراً، وقد أحيط بالدمى من كل جانب،لكن لا، لم تكن هذه دمى، أنهم بنات وأولاد صغار يلمعون في الضوء، طائرين جميعاً من حوله،
كلهم يقبلونه، مصطحبينه معهم وهم يحملونه، طائراً معهم، حينذاك لمح والدته تنظر اليه وهي تضحك مبتهجة،(ماما، ماما،أوه، شيء لطيف، أنها هنا،ماما!) راح يقبل الأطفال هو الآخر، وأراد أن يحكي لهم عن العرائس التي شاهدها في واجهة الشباك.
(من تكونون أيها الأولاد؟ من أنتن يابنات؟) أخذ يتساءل،ضحكوا لسؤاله متعجبين(هذه شجرة عيد ميلاد المسيح) أجابوه،(للمسيح شجرة عيد ميلاد دائماً في هذا اليوم، لكل الأطفال الذين لايملكون) رأى كل الصغار الموجودين أولاداً وبناتاً في مثل سنه،بعضهم تجمدوا كما لو أنهم مازالوا متروكين في سلالهم حينما كانوا أطفالاً رضعاًعلى عتبات بيوت المحسنين من أهالي بطرسبورج،بعضهم عاشوا لقطاء ربتهم الفنلنديات وآخرين وجدوا مخنوقين، ومنهم من قضوا نحبهم جائعين على صدور الأمهات (في مجاعة ساميرا) وفيهم من أنتهوا في هواء عربات الدرجة الثالثة الفاسد في القطارات، والآن هاهم هنا جميعاً،كملائكة حول المسيح، يتوسطهم ويحيطهم بذراعيه مباركاً لهم ولأمهاتهم الخاطئات... بينما الأمهات أتخذن جانباً منتحبات،كل واحدة منهن قد تعرفت بأبنها أو أبنتها،والأبناء طاروا نحوهن يقبلوهن وهم يمسحون دموعهن بأكفهم الصغيرة،يرجونهن التوقف عن البكاء لأنهم يشعرون بالسعادة.
عند الصباح عثر البواب قرب ألواح الخشب على جسد صغير متجمد فارقته الحياة، وعندما بحثوا عن أمه وجدوها قد ماتت قبله، لقد أجتمعوا معاً هناك أمام الرب في السماوات.
لماذا قمت بتلفيق هذه القصة، بعيدا عن أستمرارية الحدث اليومي العادي؟ المهم مايكتبه المؤلف، وقد قدمت فوق كل هذا قصتين بأحداث واقعية، لكن هذا ماحصل، ففي أعتقادي أن كل ماتعاملت به كان حقيقياً - أقصد ماأتخذته في كتابتي عن القبو وماحدث قرب كومة الأخشاب فقط،أما بشأن شجرة عيد ميلاد المسيح،فلاأستطيع أن أخبركم أن كانت قد حدثت حقاً،أم لا.
التعليقات
قصة رائعة
جمال جاف -انها قصة رائعة بحق ...شكرى وامتنانى للاستاذ الطائى لترجمتة الرائعة...عجبى وكلل العجب اين هى رسائل التعليق على الموضوع الرائع.. شكرا لايلاف
ديستوفيكى كا تب خالد
كه يلان /العراق -انا قرات هذه القصة المترجمة احى الاستاذالطائى لاختياره المميز من يقرا دسوفيسكى يفهم جيدا ان عدد الاشخا ص الذين يعشون تحت خط الفقر يفوق بكثير على الذين يعشون فى قصور فارهة
اجمل شجرة
لينا -جميل جداواعجبني تفسير الكاتب لما كتبه