المسرح الهولندي المعاصر: الاورستيا نموذجاً
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
شيء عن النص
أحمد شرجي خاص بايلاف: الأورستيا نص مسرحي على شكل ثلاثيات شعرية وتشمل: اجاممنون، حاملات القرابين والمحسنات. كتبها الشاعر والمسرحي اليوناني اسخيليوس-525 ق. م - نظم أسخيليوس ما يزيد على التسعين مسرحية ولم يصل إلينا منها إلا تسع مسرحيات ولعل من محاسن القدر أن يكون ثالوث الأورستيا الكامل من بين ما وصل إلينا. وقبل ان نبدا بقراءة العرض المسرحي، علينا اولا ان نعرج على الاحداث التي كتب عنها اسخيلوس اورستيته أي قصة الاخوين (أتريوس و ثستس ) ابناء (بيلويس )، وقد ارتكب ثستس فعلا شنيعا عندما قام بغواية زوجة اخيه أتريوس، ولقد انتقم اتريوس انتقاما فريدا من نوعه ولا يمكن ان يتصوره عقلا بشريا بعد أن تظاهر بالصفح عن اخيه ، وعمل على دعوته لوليمة زاخرة وفاخرة على شرفه داخل قصره، وهنا كانت الصدمة وسر الوليمة حين قدم له لحوم ابنائه بالاطباق كي ياكلها الاب الغاوي ، ونتيجة لذلك حلة اللعنة على (ال اتريوس ). وكان اجاممنون ابن اتريوس قد تزوج من كليتمنسترا، وحينما كان زوجها غائبا في طروادة اغواها (أيحيستوس-ابن ثستس ) وكانا العاشقان يقيمان معا بقصر اجاممنون في انتظار عودة صاحب الدار، في هذه الفترة وبعد رحيل أجاممنون الى طروادة بعشر سنين طوال يبدأ الثالوث.
تبدا المسرحية بمشهد امام القصر لحارس وضعته كليتمنسترا ليعلن عن النبأ ، والنبا هو حين تظهر على مرتفع بعيد اضواء اللهب فان هذا يكون ايذانا بسقوط طروادة، بينما تبدا الجوقة بالغناء باخبار ( آل اتريوس ) وبغياب سيد الدار عشرة اعوام طوال ، ويتغنون بحادث واحد من حملة طروادة حين تعسرة السفن اليونانية من التقدم نتيجة الريح غير المواتية ، فقدم اجاممنون قائد السفن ابنته افجينيا قربانا للالهه من اجل مساعدته بتسير السفن.(1)
شيء عن اسخيلوس
مسرحي اغريقي ولد525/24-456/55 ق.م كان ابنا لاحد نبلاء اثينا اسمه (يوفوريون) عاش جزا من طفولته في (اليوسيس ) وهي البلدة الاغريقية التي كانت مركزا للاوهام والتخيلات الغامضة، لم يُعترف بموهبت
لقد كان لاسخيلوس شأن خطير ، وتأثير عظيم على وفي تجديد التقاليد المسرحية حتى انه وصف كمبتكر التراجيديا اليونانية وبالتالي رائد الدراما الاوربية ولعل المواهب الكثيرة التي يتمتع بها هي ما أهلته لهذه الريادة كما ما يذكره الناقد الهولندي B-Hunningher بقوله ( اسخيلوس،المؤلف،البطل المسرحي،المخرج ،غورغراف ومصمم المناظر،كل هذه الوظائف اضافة الى موهبته العالية هي التي اعطته قوة بالمقارنة مع سوفوكلس الذي كان ممثل ضعيف وكذلك يوربيدس )(3). ووما يذكر أن اسخيليوسكان محاربا جريئا أيضا ضد الفرس ، وكانت مسرحيته الفرس هي نتاج مشاركته كمحارب ضد الفرس في المارثون 490 ق.م.
شيء عن المخرج
ولد المخرج المسرحي المعروف(Johan Simons) يوهان سيمونس عام 1946،درس الرقص والتمثيل في كل من اكاديمية روتردام للرقص واكاديمية المسرح في ماسترخت.وفي عام 1976 عمل كمخرج وممثل في فرقة Haagsche Comedie ، بعدها تفرغ للإخراج وفي عام 1982 أسس فرقته الخاصة لكن كانت أحلامه أكبر من هذه الفرقة الصغيرة ، فأسس عام 1985 فرقة Theatergroep Holandia فكان مخرجها الأول بالاضافة إلى إدارته الفنية لها بمشاركة زميله المخرج Paul Koek. وبجهودهم المشتركة كبرت وتوسعت الفرقة حتى اصبحت واحدة من إهم الفرق المسرحية الهولندية نتيجة الاعمال المسرحية المهمة التي تنتجها الفرقة، وكذلك الرؤية الحدثواية لأعمالها والتي كانت تقدم أعمالا متطورة فنيا عكس ما هو سائد بالحركة المسرحية الهولندية آنذاك. اهتمت الفرقة بالجانب الحركي بالعرض المسرحي وتميزت به، وكذلك الاهتمام بتطوير الممثل حركيا وتفجير موهبته على الخشبة، اخذت الفرقة على عاتقها تقديم الاتراجيديات الاغريقية المهمة برؤية وقراءة جديدة ، والتي قدمته كواحد من اهم المخرجيين الطلعيين في هولندا ومن هذه العروض:Prometheus,Perzen,Bacchanten وبعد رحلة ناجحة في دول اوربية منها (المانيا وانكلتر ) قدمت الأعمال باللغة الانكلزية مما شكل حضورا مهما بالحركة المسرحية في عموم اوربا نتيجة رؤيته الحديثة بتقديم العرض المسرحي. جهوده تلك جلبت إليه أهم جائزة مسرحية بأوربا وهي جائزة أوربا المسرحية (Europese (prijs voor de Theatervernieuwing في عام 2000 ، وهي تمنح للمخرجيين الذي يساهمون بتطوير المسرح في اوربا.
بعد تلك الجائزة بدأ الاهتمام به كواحد من المخرجيين الطليعيين حيث بدأت المهرجانات الألمانية والناطقة بالالمانية بدعوته لحضور تظاهراتهم المسرحية وكذلك بدات الفرق الناطقة بالالمانية باستضافته لإخراج أعمال لها منها: فرقة Zurich- Tragbar عام 2001 وكذلك في عام 2002 لفرقة مدينة شتوتغارت Hannibal ، وغي عام 2006 اخرج اوبرا ( سيمون بوكنجاري- (Simon Boccanegera في دار اوبرا Bastille في باريس.
رحلته الرائعة مع الخشبة امتدت ليعمل كمدير فني ومخرد لفرقة كنت المسرحية Theatergroep Gent واخرج لها مسرحية (اللاجيء Asielzoeker ) والتي افتتحت بها موسمها المسرحي لهذا العام 2006.
العرض
كنت اسأل نفسي قبل الدخول لمسرح stadsschouwburg في مدينة Utrecht لمشاهدة عرض مسرحية(الاورستيا Oresteia ) الذي قدمته فرقة أمسترادم بالاشتراك مع فرقة كنت البلجيكية،ترى كيف سيقدم المخرج(Johan Simons ) رائعة اسخيلوس التي كتبها في عام 458 ق.م في قاعة انيقة ومترفة؟؟
لما يوحيه النص من تعدد بالاماكن الذي يشير اليه المتن السردي للنص، كون القاعة هي مسرح علبة ايطالي و شاهدت فيه عروض مسرحية كثيرة ، وكنت اتسائل كثيرا ما الذي سيضيفه سيمونس لهذا النص ، ام انه سيقدمه عرضا سرديا على لسان ممثليه حاله حال الكثير من العروض المسرحية الهولندية التي تعطي أولوية كبيرة للنص الادبي وكأن المتفرج يستمع الى نص إذاعي على حساب الخطاب البصري الجمالي للعرض.
لكن المفآجاة كانت حين الدخول للقاعة ، ونشاهد صدمة المخرج الأولى لنا كمتفرجين عندما قام بنقل خشبة المسرح الى الوسط (وسط القاعة) ، بحيث قام ببناء خشبة جديدة تمتد لتأخذ اول خمسة صفوف من مقاعد المتفرجين ، وكأن المقاعد تحتظن منطقة لعب الممثلين ، وبنى مدرجات للمشاهدين على خلفية الخشبة وتحت هذه المدرجات ممر لدخول و خروج الممثلين اشبه بمدخل العربات في المسرح الاغريقي، ويقابله ايضا مدرج مشابه يؤدي نفس وظيفة الاول، بحيث تكون منطقة لعب الممثلين وسط المتفرجين، وكأننا في حلبة مصارعة إغريقية، ونحن متفرجون هذه المصارعة (الصراع ) وبالتالي سنشهد على بقاء الأقوى بتلك الحلبة.كنت اتمنى لو قدم سيمونس عرضه هذا في فضاء مفتوح مع استخدام مجاميع كبيرة وعربات بما يلائم متطلبات النص، لكن في الوقت ذاته احببت جدا فكرته هذه بتحويل المكان بتوظيفه للمكان واخضاعه لرؤيته الاخراجية ومن خلفه مصمم السينغرافيا(Jens Killian) والدراماتورج(Paul Slangen)، وهذا تحد حقيقي لحيادية المكان ( كلما ازداد المكان حيادا في ملامحه ازداد غموضا وايحاء بهذه الطاقة التي نعنى بها المرونة الدلالية وقدرة المكان على التحول المجازي بسهولة ويسر الى مكان مختلف او امكنة متعددة )( 4 )،كون هذه الطريقة هي احدى خصائص المخرج المبدع الذي يكسر المألوف والمتوقع عند المتفرج، واخضاع المكان لسلطته الجمالية ، وبالتالي اقناعنا كمتفرجين بواقعية الحدث ،او احالتنا الى روحية المكان ولقد تحقق له ما اراد وبإبهار كبير، لانها كانت الصدمة الجمالية الأولى.لقد امسك بنا بكل قوة لمشاهدة كل تفاصيل عرضه، كان بامكانه ان يقدم عمله بمكان اخر في قلعة مثلا وما اكثرها في هولندا ، لكنه اراد ان يخلق من رفاهية القاعة واناقتها اشبه بخليفة لقصر اجاممنون، ليرينا ماذا يجري داخل تلك القصور المرفهة من جرائم قتل وانتهاك المحرمات.
يدخل الجمهور على وقع موسيقى لأصوات غريبة وكأننا ندخل متاهة حقيقية وتستفزنا تلك الأصوات نقيق الضفادع، نعيق البوم، فحيح الأفاعي وصفير يخترق سكون الليل لينذر بفضاعة احداث ستقع.وتبقى تلك الأصوات مصاحبة لنا طيلة الساعات الأربع للعرض لكن دون ان تسرقنا من متابعة الإدهاش البصري على الخشبة.
لقد احاط المخرج الخشبة بزجاج شفاف وجعله أشبه بقفص كبير له مداخل من الجانبين وهي عكس مداخل المدرجات التي بناها على المسرح ونرى بداخل القفص أجاممنون، اورستيس،افجينيا ،ايجستيوس وكليتمنسترا نائمون جميعا على الأرض وكأنهم جثث! كليتمنسترا تتوسد صحن زجاجي فارغ وهي علامة رائعة فيها إحالة ذكية للوليمة التي عملها اتريو
أراد المخرج من جلوس كل هؤلاء داخل القفص الزجاجي إحالتنا رمزيا وإعلامنا بأن كل هؤلاء قتلة وضحايا هذا القصر: اجاممنون الذي قدم ابنته الجميلة افجينيا قربانا للآلهه كي تسير له سفنه وكذلك خيانته لكليتمنسترا ام ابنائه مع خليلته كاسندرا ، وهي الموهوبه للمعبد ككاهنه وهي ابنة بريام ، والتي حُرم لمسها ، لكنه انتهك هذه القدسية واتخذها خليلة ووطنها بفراشه.
اورستيس ابن اجاممنون وكليتمنسترا ، الذي قتل امه وعشيقها ايجستيوس.كليتمنسترا الزوجة الخائنة والقاتلة لزوجها وخليلته كاسندرا، ايجستيوس ابن العم الخائن الذي اغوى زوجة ابن عمه (كليتمنسترا) مستغلا غيابه ليتخذها عشيقة ، وهنا يظهر لنا سحر اسخيلوس وبراعته بربط الأحداث ، وكان الأقدار تعود وتتحكم بمصير هذه العائلة ويفعل ايجستيوس ما فعله ابوه سابقا بإغوائه زوجة أخيه آتريوس.
تبقى الكترا ابنة اجاممنون (كاسندرا) و( اثينا ) و الاله( ابولو) خارج هذا الققفص الزجاجي باعتبارهم غير مشتركين بهذه الجرائم وبقوا كشهود على العهد الدموي لهذه العائلة. اسقط المخرج دور الجوقة وهذا تمرد على قدسية النص الكلاسيكي والذي يعتمد إعتمادأ كبيرا على الجوقة كونها هي المحرك والمعلق على الأحداث،لكنه كثف من وجود اثينا والاله ابولو باعتبار الأولى صوت الشعب والثاني السلطة الالهيه وهما معا اللذان يقرران معاقبة المجرم وإنصاف الضحية. تدور الأحداث ويبدأ عتاب اجاممنون لكيتمنسترا لخيانته له بغيابه، وهي ايضا تحاججه بكل جرائمه ، ولقد كانت موهبة المخرج العالية وحساسيته البصرية بالتشكيل الحركي لهذا المشهد من خلال وقوف كل من اجاممنون وكليتمنسترا كل في مدخل من مداخل القفص وفي الوسط يقف الأبن آورستيس بمنديله الذي وضعه في المنتصف كخط يفصل بينهما وليس مسموح للاخر من التقرب من منطقة خصمه، والمنطقة هنا هي حياة كل شخص منهما التي اختارها بغيابهما عن بعض. لقد كان هذا المشهد واحدا من المشاهد المؤثرة جدا وبعد كل العتاب والمكاشفة يجتمع الأثنان بالمنتصف عند المنديل ، اجاممنون مستلقيا على الأرض وتجيء كليتمنسترا وتضع صحنها الفارغ وسادة لرأسه وتجلس على رأسه بعملية عكسية وتزحف على جسده بحركة غاية في الدقة مع تغير لون الضوء وكأننا امام مضاجعة وحشية أخيرة لهما وليس عملية قتل ، حتى تتم عملية قتل اجاممنون وهذا ما تنبات به كاسندرا عندما دخلت القصر لاول مرة ، وهي الكاهنة المتنبئة ، وكذلك لمعرفتها بقصة سفك الدماء بعائلة ال آتريوس:
إلهي إنه منظر جديد! شبكة بل فخ، من جهنم نصبته بيديها ، وهي ذاتها فخ أشد هولاً! ويحي. امرأة متزوجة ، تذبح زوجها تعاونها يد رجل اخر(5)
بينما تتخذ افجينيا احدى زوايا القفص فراشا لها وكلما احتدم الصراع بين ابويها تنهض مفزوعة بعدم قدرتها على النوم وتطلب الراحة لأن عيونها تضررت من البكاء وليس عندها دموع بعد ولكن البكاء على ماذا؟؟ أعلى الأحداث المآسوية التي تجري على عائلتها ام على مصيرها الذي فُرض عليها لتكون قربانا؟؟؟؟ تنهض كليتمنسترا لتاخذ صحنها لملئه برأس آخر معلنة عن إنتهاء الجزأ الاول من المسرحية.
لعل من الأشياء الجميلة في هذا العرض هو توظيف المخرج لعمال الديكور ليس بأعتبارهم عمالا وفقط وإنما كممثلين أيضا ، وبما انها ثلاثية اذا هناك تغير بالمكان وإعطاء كل جزأ من الثلاثية أجوائه الخاصة. ادخل المخرج عمال الديكور قبل انتهاء المشهد الأخير من كل جزأ من أجل تغير المنظر والأعلان عن انتهاء جزأ من الثلاثية كيما يعود المتفرج بعد الأستراحة وهو مهئ للدخول بالجزأ الثاني. إنه حقا هدف جمالي وفكري رائع ، لم يتُعب عين المشاهد من خلال ثبات السنغرافيا وايقوناتها على الخشبة بل سعى الى تغيير كامل بالمنظر المسرحي وكذلك الألوان وإعطاء كل جزأ الوانه الخاصه وكتله الضوئية بما يتلائم مع الحدث وكذلك يهدف من ذلك الى صنع حدود وهمية لتطور الحدث والتي تربطها آصرة واحدة هي الجريمة والرغبة الدائمة لسفك الدماء رغم تعدد الاماكن واختلاف لزمن.
ينتهي الجزأ الأول من الثلاثية بمقتل اجاممنون ويبدأ الجزأ الثاني وهو نص (حاملات القرابين ) والبطل فيها اورستيس ابن اجاممنون.
تغير الشكل على الخشبة وهُدم القفص الزجاجي، ليبقَ منه طرف واحد ليشكل بوابة فقط من جهة اليسار، وما تبقى من الخشبة غطى بالوحل-ارض موحلة- يتوسطها قبر اجاممنون، وأستعان المخرج بالممثل ليكون هو القبر بعد ان شيده بالطين وهو جالس مسلطا عليه بقع ضوئية صفراء اعطته هيبة جميلة حولته الى نصب نحتي وليس قبرا!ولقد سعى المخرج لأنطاق هذا القبر حين إعطائه روحا وليس فقط كتلة على الخشبة من خلال الشغل الإخراجي والتمثيلي لاورستيس والكترا. وذلك من خلال عملهم خوذة المحارب على رأس اجاممنون من الطين الذي يحيط بالقبر وهي رمزية رائعة فيها إشارة لهوية اجاممنون كمحارب شرس.
تبقى افجينيا ممدة بثوبها الأصفر كذبيحة في زاويتها لاتستطيع البكاء بعد ان جفت دموعها ،وعيونها تضررت من الألم. البطل الرئيسي في حاملات القرابين هو الوحل الذي غطى كل الخشبة ، كيف لا والكل موغل بوحل العار في هذا القصر حيث سفك الدم والرغبة للقتل هي ميزة تلك العائلة. تدخل كليمنسترا ولكن هذه المرة بدون صحنها بعد ان ملئته برأس زوجها وخليلته وعمد المخرج بقصدية واضحة بعدم دخول ابولو واثينا القفص الزجاجي بالجزأ الاول ، بقوا كشهود يقودون الاحداث من خارج قفص الجريمة ، ابولو الذي يمثل السلطة الالهية ، واثينا التي تمثل صوت الشعب، كأن المخرج يريد ان يخبرنا بان الجرائم بهذا القصر (العائلة ) هي بجنايتهم وايديهم وبنزوة القتل والتوق الى اللون الاحمر المترسخة بسلوكهم ولا دخل للقدر والآلهة بترتيب هذه الأحداث وابقى المخرج أيضا ابولو واثينا بحاملات القرابين خارج بركة الوحل وجعل من حركتهم دائرية حول البركة.
الوحل هو العار الذي التصق بتاريخ عائلة ال اتريوس وان تعاقبت الاجيال ، يبقى تحمله الاجيال معها وكل جيل له فنونه بالقتل والخيانة ، الشغل المسرحي كله داخل هذه البركة(الوحل ) والمداخل التي وضعت أمام وخلف منطقة التمثيل تحولت الى منطقة لعب ابولو واثينا ،الطين تحول ايضا آداة للقتل ، حين حوله المخرج إلى شخصية فاعلة داخل العرض ، به قتل اورستيس امه كليمنسترا وعشيقها من خلال مشهد جمالي بصري لعب فيه الطين والكتل اللونية وحركة الممثل دورا مهما بتجسيده حين اخذ اورستيس بقتل امه بالطين وكأنها عملية اعدام متجزأ لكل اجزاء الجسد، وعمد الى موت تدريجي لجسد الام والعشيق حتى يصل الى الراس الذي خطط لقتل ابيه ويغطيه كاملا بالطين وتبقى ارجل الام تتقافز بالهواء لعلها تتشبث بشيء ما ويعيدها الى الحياة، يتهدم المشهد بصرخة افجينيا بعد ان صمت اذانها بعتاب اورستيس لامه ، وكانها لاتريد ان تسمع شيء.
يدخل عمال الديكور لتغير المنظر والتهيا للجزا الثالث وهو مسرحية (المحسنات) ، معلنين عن الاستراحة الثانية بالعمل.
يدخلنا المخرج بالجزأ الثالث من الاورستيا وهو مسرحية المحسنات، وتغير المنظر ايذانا ببدأ هذا الجزأ من خلال رفعه لما تبقى من القفص الزجاجي ،وهذه المرة كثف من وجود الطين على الخشبة بعد اغراقها بكميات كبيرة بحيث لانرى أي شيء تدل على انها خشبة مسرح وانما هي حلبة صراع اغريقية والتي يكون فيها البقاء للاقوى، نشاهد ابولو الذي لجأ اليه اورستيس لانصافه لاخذه ثار ابيه من قاتليه وهم (كليمنسترا وايجستيوس) كشاهد في هذه القضية،وتقرر اثينا بان القضية لابد ان توضع امام المحكمة، وهنا اذا انتصر القاتل فمعناه انتهاك لكل القوانيين القديمة وعندها يصحو شبح كليمنسترا فيوقظ الهات السخط،لعلها تجد من يسعفها فتأخذ ثأرها من ابنها قاتلها وقاتل عشيقها.
جعل المخرج شبحها وافجينيا التي مثلت في هذا الجزأ الهة السخط موغلات بالوحل ممددتان وحركتهن حركة ارضية اشبه بالافاعي وهي تترقب الانقضاض على فريستها (اورستيس ،الكترا )، تحاول كليمنسترا والهة السخط ، تدنيس اورستيس والكترا بالطين محاولة منها باشراكهم بوحل العار، بل حاولوا ايضا تنديس الاله ابولو واثينا بهذا الوحل ، وهي اشارة بانها ليست الوحيدة بهذا العار ،عار الخيانة وسفك الدم ، وكذلك كرد فعل منها عليهم لانهم لم ينصفوها بقضيتها اثناء المحاكمة ووقفوا بجانب ابنها القاتل واخته الكترا ، ويستمررقص الافاعي بالوحل ، حتى يتم لهم مرادهم بتدنيس الجميع بالوحل ، وكأنها تقول باننا كلنا مسئولون عن هذا العار ، اهل القصر عائلة( ال اتريوس)،الالهة(ابولو)، الشعب(اثينا+الكورس).
لقد اهتم المخرج بالوضع الجسدي لمعظم ممثليه على الخشبة من خلال نومهم المتكرر على الخشبة ، يهدف من هذا احالتنا الى مصير كل من في هذا القصر هو الموت كذبيحة، قرابين مهياة تنتظر مصيرها الذي رسمته له الالهة ، انها شفرة دلالية واعية تحسب للمخرج الذي استطاع التحكم بكل جزئيات عرضه، الادهاش الذي متعنا به المخرج المبدع يوهان سيمونس بهذا العمل، يدل عن دراية كاملة ووعي خطير لكل ما يدور على الخشبة ، كان سيمونس نحات حقيقي لعرض تشكيلي انيق داخل جسد العرض، لقد عمل على تكامل نصه (العرض) من خلال العمل على تفجير المشهد البصري وفق منظومة علاماتية جمالية اخاذة، احدى ادواتها جسد الممثل وتوهجه الادائي ومعرفته لجوانيات الشخصية التي يمثلها ، واخرى خطابه البصري الذي تألق بايصاله لنا دون عناء مستعينا بمصمم سينغرافي رائع هو(Jens Killian) وكذلك الدراماتورج (Paul Slangen) الذين استطاعوا ان يفجروا العرض بصريا، الذين استحقوا عليه مع فريق عملهم التصفيق وقوفا لوقت طويل بعد نهاية العرض.
التمثيل
لقد كانوا مجموعة مجانيين سحرونا بانتقالاتهم الواعية من مشهد الى اخر وكذلك من جزأ الى جزأ من الثلاثية،.
مثل شخصية اجاممنون الممثل المبدع (Pierre bokma ) وبوكما هو واحد من اهم الممثلين الهولنديين وحاصل على جوائز عديدة ولعل اهمها جائزة Louis Bouwmeesterلويس بويا مستر عام 1994 عن دوره رتشارد الثالث، وهي اهم جائزة بالمسرح الهولندي وتعطى سنويا لافضل ممثل مسرحي بالموسم المسرحي، كان بوكما ممثلا باحثا واعيا ومخلصا لكل تقلبات اجاممنون، هذه الشخصية الثرية بازدواجيتها ونزعتها الالهية ، الذي يريد عندما يمشي تنحني له كل الرؤوس ، وتنحني النجوم لتحيته ، كان بسيطا في ادائه دون تكلف ، تلقائية مرنة تشدك اليها بسحرها على الخشبة ، ممثلا متسلحا بخبرة كبيرة تعطي الثقة لاي ممثل يقف امامه، كان اقتصاديا في ادائه، ترى جبروته من خلال بريق عينيه ، كأنه صقر يريد الاقتناص على فريسته حين تحين لحظتها، وحين تحول في حاملات القرابين الى نصب نحتي (كقبر ) من الطين ، كان بارعا بهدوئه وصمته زارعا بدواخلنا الكثير من الاسئلة ، انه تحدي من نوع اخر للمثل، هذه هي قوة الساحر (الممثل ).
الاكتشاف الحقيقي بالنسبةلي هو ذلك الممثل البلجيكي الشاب الذي مثل شخصية اورستيس (Aus greidanus jr) لما يحمله من موهبة عالية جدا اهلته لدخول صراع حقيقي مع بوكما على الخشبة ، موهبة سيكون لها حتما مستقبل كبير لما يتمتع به من مؤهلات عالية قوة ادائية جميلة ، حضور على الخشبة ، مرونة جسدية ،كان سلسا في ادائه بدون تكلف مصطنع، ليس انشائيا ، بل واعيا لحالات الشخصية، ولعل قمة ادائه كان في مشهد قتله لامه، هذا المشهد كان يتطلب جهدا نفسيا عاليا ، كون هناك صراع داخلي بين اخذه لثار ابيه، ولكن من من؟ من امه، وكذلك اقناع نفسه بان امه خائنة وتنام مع عشيقها بسرير ابيه ، كل هذه المعطيات كفيلة بخلق بركان داخلي، وكذلك قدومه على جريمة ليست ككل الجرائم ، لان هذه المرة ستكون فيها الضحية امه، لجا الممثل الى الصمت ولكن وصلنا بركانه الداخلي من خلال انفاسه، بل بدانا نحسب له الشهيق والزفير الذي بدا يخرج كاهات تكسر الجليد.
الام كليمنسترا مثلتها الممثلةMarieka Heebink لم تتوهج الا في الجزأ الثاني والثالث من العرض ، وافضل ما قدمته في الجزا الاول هو مشهد القتل والذي كان فيه توافق جسدي وعضلي ونفسي ، ولكن في الجزايين الاخرين كانت اكثر بريقا وخاصة في الجزأ الثالث والذي ادته كاملا في بركة من الوحل والذي تطلب منها تركيز ذهني عالي جدا بسبب الارضية الطينية، مما جعلنا نلمس خبرتها وقدرتها على السيطرة على مناطق تركيزها بهارمونية جميلة.
اما الممثل Hans Kesting الذي مثل شخصية ايجستوس ، كان شغله في اغلب الاحيان خارجي، بمعنى انه يشخص ، انشائي مما جعله خارج السباق الادائي مع بقية الممثلين، وهذا الكلام ينطبق ايضا على الممثل Han Kerckhoffs الذي مثل ابولو ، رغم هناك استثناء في بعض المشاهد التي اداها مع اورستيوس ، رغم انه كان مقبولا ضمن السياق العام بالعرض ، لكنه لم يترك انطباعا مهما على الخشبة،لم يكن ذو حضور.
كاسندرا التي ادتها الممثلةBetty Schuurman أشعرتنا بعفة الكاهنة وفطنتها وحكمتها ، هدوئها الجميل على الخشبة، كنا نراها كأحدى ضحايا اجاممنون وقد نجحت بذلك كثيرا.
اثينا الممثلة البلجيكية Chris Nietvelt استفزتنا جميعا باسترخائها وقدرتها على التحكم بالمشهد المسرحي ، بطولها الفارع الجميل ، لم تكن صوتا للشعب وانما ايضا حكيمة بقوة حضورها على الخشبة ، لقد كانت فعلا الموازنة الحقيقية للحدث.
لم نلمس بوضوح اداء كل من الكترا وافجينيا وكذلك بيلادس بسبب قلة حضورهما بالعرض وهذا ما تتطلبته رؤية المخرج لهذه الثلاثية، ولهذا كانت شخصياتهم بدون فعل مؤثر.
هوامش1
1- ينظر المسرحية العالمية-الجزأ الاول-الاردايس نيكول ص 40-ترجمة عثمان نويَه- وزارة الثقافة والارشاد القومي- مصر.
2-اوديت اصلان-الجزا الاول ص164-ترجمة د. سامية احمد اسعد -مكتبة الانجلو المصرية-القاهرة 1970.
3-B.hunningher-De opkomst van moderen theater- van traditie tot experiment -P2-International theater Bookshop.
4-جوليان هلتون- نظرية العرض المسرحي ص40-ترجمة د. نهاد صليحة-مركز الشارقة للابداع الفكري-مكتبة المسرح العدد 21.
5- الاردايس نيكول-سبق ذكره ص40.