جماليات التصوير العربي عند الواسطي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
أفضل ما أنتجته المدرسة البغدادية
أحمد عبدالكريم: اتسم الفن الإسلامي في معظم منجزاته بالابتعاد عن التجسيد والتجسيم، لذلك يمكن القول انه فن تجريدي بامتياز، بمعني أن الواقع ليس مرجعه بأي حال من الأحوال، ولعل ذلك يرجع إلي نفور المسلمين من محاكاة الخالق وتمثيل الطبيعة والكائنات. وقد اقتصر اهتمام الفن الإسلامي علي فنون الزخرفة، التي شكلت المجـال الخصب للإبداع، وفيها تتجلي عبقريته الاستثنائية.
قلما نجد لدي الفنانين المسلمين اهتماما بالرسوم الآدمية والحيوانية، ودأبا علي العناية بالنسب وقوة التعبير في الملامح والوجوه الدالة عن المشاعر المختلفة. بل إن المنمنمات الإسلامية الفارسية تبــدو مملة في تشابهها وعدم اهتمامها بقيم الظل والضوء، ورسم الأشخاص في أوضاع معينة يفقد أكثرها شيئا من الروح والحركـة ودقة التعبير.
إن هذه المآخذ لا تلغي جماليات التصوير الإسلامي، الذي يؤسس علي مفاهيم خاصة، كالرسم بعين الطائـر التي يشرحها نوري الراوي في دراسته ملامح مدرسة بغداد لتصوير الكتاب بقوله: إن هذه النظرة التي يطلق عليها العلماء نظرة عين الطائر هي إحدي التقاليد المدارس الإسلامية التي جاوزت حدا أصبحت معه لا تقنع بتسجيل زاوية النظروحسب، بل تطمح إلي إراءة حيز المكان بشكل جامع ،وهي في حالة تلتقي برسوم الأطفال وترتبط بها حسب المقاييس الفنية بأكثر من وشيجة . وومبدأ السقوف المخلوعة ، واعتماد الفنان المسلم علي الحقيقة الظنية للأشياء، متجاوزا الحقيقية العينية والصرية الماثلة أمامه، إلي ما لا يراه الرائي، فهو حين يرسم النهر مثلا، يتجاوز ذلك إلي رسم أنواع الأسماك الموجودة فيه.
ومما يعد من إضافات الواسطي ـ يقول بلند الحيدري ـ ما يسميه الإختصاصيون إسم إجتماع الديدان، ذلك أنه رسم أمواج المياه علي شكل مجموعة ديدان تتحرك في ذبذبان متجانسة مما يعطيها تجسيدا إيقاعيا رائعا .
ومن جانب آخر يتوسل الفن الإسلامي مبررات روحية تستند إلي العقيدة الدينية والمعطيات الحضارية، وفي ذلك يقـــول بلندالحيدري عبر كل ما أعطي الفن الإسلامي، ثمة سمة له ستظل تمد بتاريخه وبتأثيره واستمرار استلهام معطياته، وذلك أنه فن استطاع أن يجمع بين المتعة والمنفعة، وبين القيم الروحية والقيم المادية ضمن رؤية جمالية وفلسفية ذات أبعاد شمولية مستعدة لكل جديد يضاف لها، وتتشاكل معها في مرمي إبداعي يناسب العصر .
علي العكس من التصوير المسيحي، الذي استغل استغلالا كبيرا في خدمة العقيدة الدينية، وله حضوره القوي في الكنائس المزينة بتصاوير وأيقونات عن حياة المسيح والقديسين، لم تكن للتصوير الإسلامي صلة بالدين الإسلامي إذ تخلو المساجد من الصور، بل إن الفقهاء لا يثمنون عمل المصورين ولا يقدرون مواهبهم الفنية.
وقد كان نتيجة لذلك أن حظي الخطاطون والمذهبون بالمكانة والحظوة لاحتفائهم بنسخ القران الكريم، حيث عرف الفن الإسلامي نفائس المخطوطات الموقعة بأسماء خطاطين مرموقين مثل: ابن مقلة وابن البواب وياقوت المستعصمــي ....
عندما نعرض لموضوع الفن الإسلامي، يجب أن نفرق بين المنمنمات الإسلامية كما عرفت عند الإيرانيين خاصة وبين التصوير العربي متمثلا في (مدرسة بغداد) التي يمكن اعتبارها النواة الأولي للتشكيل العربي، دون إغفال للسمات المشتركة التي تجمع الاثنين، كونهما يصدران عن المفهوم الإسلامي للحياة والعالم، بما يعكسان من رؤيـة جمالية تأملية مزجت بين الممارسة الفنيـة والروحية ...
لقد بدأ التصوير العربي فعليا، مع ازدهار حركة التأليف والترجمة، حين اتجه أغلب المصورين إلي تزيين الكتب بالرسوم التغيرية، وبذلك تظافر التصوير والخط العربي في إنجاز روائع المخطوطات العربية، بداية من حكم السلاجقة لبغداد عام 1055 م، وبدأت التأثيرات الخارجية تعرف طريقها إلي الفن العربي، كما يمكن ملاحظة ذلك في مخطوط كتاب (الترياق) المؤرخ عام 1099 م، والمحفوظ في المكتبة الأهلية بباريس، إذ يضم رسوما تصغيرية في غاية الأناقة التشكيلية، تحمل رمزية سحرية دخيلة علي التصوير العربي، كما شهدت هذه الفترة ظهور الرســم التشبيهي بفعل التأثير المغولي.
أما المنمنمات الإسلامية، فهي فن فارسي خالص، ويمكن اعتبارها التصوير الإسلامي الأكثر نضجا من الناحية الجمالية، وقد كان أوج ازدهارها في ظل الحكم المغولي لبلاد فارس (1256)، إذ يبدو تأثير التصويـر الصيني فيها واضحا، في جمعها بين الكتابة والرسم، وفي احتفائها برسم المناظر والأشخاص وسط أجواء شعرية .
عبر مراحل تطورها المتعاقبة، عرفت المنمنمات الإسلامية أساليب متمايزة منها الأسلوب المغولي (1256 ـ 1356م) والأسلوب التيموري (1387 ـ 1502م) الذي يعد أبهي عصورها، ففي بلاط السلطان بيقرا ظهر الأستاذ (بهزاد)، الذي يعد الرائد الأول للمنمنمات الإسلامية، وقد تعدت شهرته الآفاق، بعدما درس أصول التصويــر والنقش علي يد كل من (سيد أحمد التبريزي وعلي ميرك النقاش) وقد ترك (بهزاد) الكثير من الآثار الفنية، منها مخطوط يوجد بدار الكتاب بالقاهرة، مؤرخ بـ 1488 م، هو (بستان سعدي) قام هذا الفنان بتزيينه وتصويره، ويمتاز بهزاد بقدرة فائقة علي التصوير ومزج الألوان. أما الأسلوب الصفوي، الذي أسس له (بهزاد )، فقد كان العصر الذهبي لفن المنمنمات، بفضل الملك والمصور (شاه تامشاه 1524 ـ 1576م) الذي رعي الفن وجمع الفنانين في قصره ،حيث يقومون بالرسم وتحضير أصباغهم، وقد اشتهر من بينهم (رضا عباسي والشيخ محمد وسياه قلم).
في العهد الصفوي نفسه بدأت مرحلة أفول المنمنمات، إذ انحرفت عن مسارها، لتقع في أسر التقليد للفن الأوربي .والملاحظ هو أن المنمنمات تتقاطع مع التصوير العربي في كونهما ينتميان إلي فن الكتاب، وفي كونهما ينزعان إلي التعبير عن تجربة روحية في مجملها، تستدعي قراءة تأملية مثالية بعيدا عن أسر الواقع وأشيائه، لا قراءة بصرية تقف عند السطح دون التغلغل في الجوهر.
أسئلة الفن العربي
يبدو المشهد التشكيلي اليوم ملتبسا بشيء من الاستلاب والإنخطاف أمام الجماليات الغربية الدخيلة علي إنيتنا الحضارية، نتيجة عدم وعي صانعيه بإرثهم الحضاري وتجلياته التشكيلية خاصة، ولذلك فإن التنقيب عن الجذور العميقة للتشكيل العربي وإرهاصاته الأولي يبدو مطلبا ملحا لكي لا يظل حاضرنا الفني مؤسسا علي فراغ، يعاني من أزمة الانتماء والهوية.
ولكن ثمة سؤال هو هل من الجائز أن نتكلــم عن تصوير عربي بمعزل عن فضائه الإسلامي العام، دون أن نقع في فخ النظرة الإثنية الضيقة ؟! بالنظر إلي مابينهما من تداخـل وتقاطع كبير بين المشارب الفنية الإسلامية المختلفة في تنوعهـا.
إن مسعانا في الاشتغال علي موضوع الفن العربي، يبدو أمر مشروعا تمليه الروح الموضوعية والنظرة المنهجيـة الإجرائية، إذ تدل القرائن المتوفرة لدينا، علي وجود فن عربي أسس لقطيعة واضحة مع الأنماط السائدة آنذاك يجب النظر إليه، في أسوأ الأحوال، بوصفه الرافد الأقوي للفن الإسلامي، الذي أنبني علي جدلية التأثر والتأثيـر.
إن الشواهد الفنية العربية التي تنتمي إلي الفن التجريدي خاصة، خير رد علي القائلين بأن الإنسان العربي شفوي بطبعه، تعوزه المخيلة الخصبة والحس البصري، مقارنة بسحر اللغة الذي ملك عليه كل كيانه وحواسه وشغله عن كل ملكة سواها، وهو حكم غير مؤسس يشوبه الكثير من التعميم والمغالطة، إذ كيف يعقل أن يكـون الأمر علي هذا النحو، وقد وصل الفن العربي إلي التجريد الذي هو أقصي ما تستطيعه المخيلة البشريـــة .
لم تكن لدي عرب ما قبل الإسلام تقاليد فنية ناضجة' حتي أن أصنامهم وآلهتهم كانوا يجلبونها من خارج البلاد العربية ولم يعرف الفن العربي بعد الإسلام زخمه الحقيقي إلا بعد اتصال العرب الفاتحين بشعوب آسيا الوسطـي كالفرس والهنود لكن الأكيد أنه نشأ في الوسط العربي فرغم هذا ورغم أن الصورة لم تكن شكلا من أشكـال التعبير لدي العربّي لان الرّغبة في التعبير عنده كانت تعبر عن نفسها باللغة بنسقها الصوتي الرائع وطرائق تعبيرها اللاّ محدودة إلا أنه يمكننا القول بأن الإنسان العربي هو إنسان التّأمل بامتياز وذلك ما تشهد عليه العيّنات التاريخيـة وهنا تقفز إلي العين شواهد مشكلة من الارابسك والخط العربي والتصوير تدل علي حساسية تشكيلية راقية' تعـزز ما نذهب إليه.
جماليات التصوير العربي عند الواسطي :
نشأ التصوير العربي في أول عهده متأثرا بفنون الحضارات السابقة له، فقد بدا تأثير الفن الهيليني البيزنطي واضحا في الشام، أما في العراق فقد كان تأثير الفن الساساني جليا. ويمكننا الإشارة إلي أن بعض المصورين قد رسموا صورا لبعض الحوادث في السيرة كميلاد النبّي ومقابلته للراهب بحيرا في الشام ووضع الحجر الأسود في الكعبة بيد النبّي، والهجرة والإسراء والمعراج وتكسير النبّي للأصنام ولكن هذه الصور نادرة وليست بذات قيمة فنية أو دينية .
كما وصلت إلينا بعض الصور والتزاويق من العصر العباسي، وجدت علي بعض الجدران في أطلال مدينة (سامرا) وأكثر هذه الصور أهمية رسم لراقصتين يشهد بما كان للأساليب الفنية الفارسية من تأثير علي التصوير العربي الذي عرف أبعادا أخري، وطرق آفاقا جديدة بعد توسع الفتوحات الإسلامية، نتيجة تلاقحه وتمازجه بالثقافات الإسلامية المختلفة التي لم تكن عربية الأصل، والتي كانت تمتلك تراثا وتقاليد فنية لم تكن لدي العرب المسلمين، وقد كان لها دورها في إثرائه بأساليب وعناصر جديدة .
وكان نتيجة لذلك ظهور المدرسة العربية، التي انطبعت بأسلوبها المميّز لها عمّا سواها من مدارس الفن الإسلامي، كالمدرسة الإيرانية، المغولية، والهندية .
تعتبر المدرسة العربية أقدم مدارس الفن الإسلامي علي الإطلاق، وقد كان انتشارها منحصرا في البلاد العربية وازدهرت مراكزها خاصة في بغداد والشام ومصر والأندلس .
يذكر التاريخ من مصوري المدرسة العربية في بغداد عبد الله بن الفضل الذي كتـب وأنجز تزيينا بالرسوم لكتاب خواص العقاقير ضم ثلاثين صورة موزعة بين متاحف العالم .
كما اشتهر من مصوريها يحي بن محمود الواسطي ' الذي زيّن عام (1237 م - 634 هـ) كتاب مقامات الحريري المحفوظ بالمكتبة الأهلية بباريس. ويبدو أن الواسطي أنجز تزيينا لكتاب كليلة ودمنة الحكايــات المعروفة كما ينسب إليه تزيين كتابين آخرين هما: الترياق و الأغاني .
لقد كانت تجربة الواسطي التصويرية مثار اهتمام الكثير من والمهتمين والمشتغلين بتاريخ الفن والنقد التشكيلي، وبؤرة تحليل للكثير من العرب والأجانب علي السواء، فقد قال عنها المستشرق الفرنسي المعروف لويس ماسنيون بأنها من أروع الأعمال الفنية الموجودة اليوم . أما المستشرق بلوشيه. فقد قال بأن الواسطي إستطاع أن يأتي بأروع ما أنتجته المدرسة البغدادية، وهذا يعطي الانطباع أن هذا الإنتاج الفني هو أحسن ما يمكن أن يشار إليه بالنسبة لذلك العصر .
كما تعرض الروائي والناقد جبرا إبراهيم جبرا لنفس التجربة. مؤكدا علي أهميتها وأصالتها. ويشير الروائي رشيد بوجدرة في روايته الإنبهار إلي منمنمة ثمينة جدا رسمها الواسطي عام 334للهجرة، وتمثل القائد طارق بن زياد مع مجموعة من الجنود أمام صخرة مضيق جبل طارق. الذي إستولي عليه عام 711ه. ولا نحسب ذلك إلا حقيقة موضوعية قائمة.
والواقع أن تجربة الواسطي مع التصوير تجربة تأسيسية رائدة ومبكّرة في مسار التشكيل العربي خاصة والإسلامي عامة، وقد تنبّه جواد سليم بوصفه أحد أهم التشكيليين إلي أهمية الواسطي من خلال التنويه بقيمتها، ومن خلال استعادتها وتمثلها تشكيليا، في تجربة جماعة بغداد التي كان أحد مؤسسيها والفاعلين فيها، قائلا عن صورته (الجارية والجمال العشرة) في إحدي رسائله في أوائل الأربعينيات:
إنها صورة مجموعة من الجمال، وجمال العراق تعرفها جيدا، لا يتعدي لونها لون التراب، ولقد صورها هذا العبقري العظيم كل جمل بلون يتناسب مع اللون الذي بجانبه، فكان الانطباعي الأول .
كما استعادت جماعة البعد الواحد في العراق، وعلي رأسها شاكر حسن السعيد، الذي خصه بدراسة مهمة تناولت الخصائص الفنية والاجتماعية لرسوم الواسطي تناول فيها مفهوم البعد الثالث في لوحات الواسطي بالقول : .. أجل سبق لمحاولات من هذا القبيل أن أنجزت إلا أن الأمر يختلف لدي الواسطي هنا في كونه - البعد الثالث - يسقط من حسابه عامل البروز في النحت التسطيحي كبعد (عمق) مستبدلا إياه بعاملي اللون والإضاءة، وهما وسيلتان من وسائل التسطيح التصويري. بمعني آخر إن اللون والضوء والعتمة ستتولي في السطح المرسوم الدور الذي يتولاه البعد الثالث وهو العمق في فن التسطيح من إبراز في المنظور والتجسيد في نفس الوقت مع انصياعهما للعالم الذي يتجسدان فيه . ومن شهاداته علي أهمية منجز الواسطي قوله: إن أهمية الواسطي الفنية هي أنه استطاع بطريقة تعبيره إقناعنا بأن ثمة عالما ممكنا باستطاعته أن يستند علي عالم عياني في استشفاف الحقيقة ودون أن ينقله .
من جهة أخري يعتبر بلند الحيدري أحد النقاد الذين قدموا رؤية نقدية ملفتة عن تجربة الواسطي، قائلا عنه : لقد كان الواسطي فنانا كبيرا، وكان إنسانا كبيرا وبهما استطاع أن يؤكد أصالته الرائعة . مؤكد في دراسته الواسطي رسم مقامات الحريري فاختصر الفنون الإسلامية علي جملة من الخصائص الفنية في رسومات الواسطي منها:
- .قدرته علي الاستلاف من كل المعطيات الفنية التي سبقته من فنون فارسية وبيزنطية ومسيحية وساسانية بل حتي الآشورية .
- مدي فهمه لجزئيات صوره.
- قدرته العجيبة علي رصد الحياة الاجتماعية، والتعبير عن تفاصيل الحياة حينذاك، في رسم الأشخاص بملابسهم وحركاتهم وطريقة جلوسهم. بطريقة تجاوزت مقامات الحريري في التعبير عن جوانب المجتمع .
- اعتماده علي نفسه في تحضير أصباغة التي كان يحضرها بنفسه، مستخلصا إياها من المداد الأسود وبقايا حرق ألياف الكافور ومزجها بزيت الخردل.
- كان له قدرة أخاذة في استخدام القيم اللونية الزاهية بدقة ورفع مستوياتها التعبيرية، عبر ما يقيم من علاقات بينها وبين خطوطه المنسابة.
هذه الخصائص وغيرها أهلته لكي يتبوأ مكانة عالية في تاريخ الفن العالمي، ويكون الممثل الرئيسي للفن الإسلامي الذي يمكننا أن نختصر به أهم مميزات هذا الفن عبر جانبيه التشكيلي والاجتماعي.
محمد خدة يستعيد تجربة الواسطي
كما أن الفنان الجزائري المرموق محمد خدّة المعروف بتجريديته الغنائية التي تستثمر الحرف العربي كعنصر تشكيلي قد أفرد بعض مباحثه الفنية النظرية لهذا المصور، ولا أشك في أن الكثير من لوحات خدّة ومنها لوحة تكريم الواسطي كانت تجسيدا لهذا المسعي .
ففي إحدي دراساته المنشورة بمجلة أوروبا عام 1975 م يقترح علينا محمد خدة مقاربة للواسطي عرض فيها بنظرة تحليلية ثاقبة لأهم سماتها وعلاماتها. حاول فيها كسر جدار التعتيم المبيّت علي هذا الفنان المعدود، ولفت أنظار المهتمين إلي تجربته الجريئة المؤسسة من خلال مقارنتها بالمقولات الجمالية الحديثة.
نعرض فيما سيلي، لأهم ما جاء فيها وليس لنا إلا جهد الترجمة والتصرف .
إ ن فن الواسطي، يقول محمد خدة، فن فريد كل التفرد لأكثر من سبب فهو يشير إلي ظهور أسلوب عربي متميز، أحدث قطيعة مع الكلاسيكية البيزنطية والإيرانية، كما أحدث قطيعة مع التقاليد القديمة حين كشف عن اسمه، ولذلك فإن الواسطي في حدود معلوماتنا هو أقدم فنان تصلنا آثاره التصويرية.
إن لوحاته التي تزين مقامات الحريري شواهد نفيسة بإحالتها الدقيقة علي المناظر الأزياء والمعمار السائد في تلك الفترة، وتكشف عن ملكة وحس فني وملاحظة دقيقة تتجلي في شغف الواسطي بإبراز الأوضاع والتعابير وحركات الشخوص وفي هذا الصدد يقول خدة، ..يجيء فن مصور بغداد في أوانه لكي يدحض ما يروج له بعض مؤرخي الغرب القائلين بعدم وجود تجسيد للوجه الإنساني في الفن الإسلامي لأن ذلك محرم لكن التاريخ يشهد علي وجود الفن التشبيهي قبل الإسلام. وبعد أن هدم الرسول صلي الله عليه وسلم الأصنام المحيطة بالكعبة ' تعبيرا عن التوحيد المطلق ....
هناك سمة أخري ملفتة للنظر في فن الواسطي - يضيف خدة - وهي أنه فنان مولع بإبراز المظاهر الشعبية، والحياة العادية والانشغالات اليومية لمعاصريه، وهو الموضوع ذاته الذي تعرض له الحريري في مقاماته من خلال بطلها أبي زيد السروجي. لكن صور الواسطي تتجاوز الحدود الضيّقة للكتاب، وتمنحها فضاءات أخري للتعبير المغاير..
ثم يوضح ذلك الخلط الذي وقع فيه الكثير من المؤرخين بين مدرسة بغداد ومصوّرها الأساسي، إذ وصفت أعماله بالواقعية بل بالتشبيهية وذلك - في نظر خدة - خطأ كبير إذ لا يكمن حصـره في هذه الميزة البسيطة، رغم أنه سارد ذكي يبدع في رسم حركات معاصريه، لأن لوحاته فضاءات مفتوحة تحتمل أكثر من قراءة...
إن يحي الواسطي - والكلام لمحمّد خدة - مصور بكل ما للكلمة من معني، فهو مبتكر، انشغل دوما بإعادة تنظيم فضاء ظل يعاني من الاختناق والانحسار، انه يمنح الهواء، يوزع الفراغات، مما يعطي لتركيباته تبويبا جيدا، وتوازنات رائعة .
ولقد قاده بحثه - أي الواسطي - من أجل فضاء تصويري جديد إلي إعادة النظر في قوانين المنمنمات وكسر إطارها العام، لكننا لحد الآن لم نول الأهمية اللائقة إلي هذه الثورة التي شكلت قطيعة حقيقية مع جمود ظل سبعة قرون يحكم فن المنمنمات ...
بخلخلة الفضاء، كان الواسطي يهدف إلي معالجة مسألة الثبات والجمود الذي وسم معظم الأعمال الخطية لعصره، ونعطي هنا مثالا عن المقامة الثانية والثلاثين وهي قطيع الجمال علي مشارف المدينة التي تبرز بوضوح انشغال المصوّر بالحركة والخط، فنحن بصدد موجة رائعة من الجمال المتحركة، تزيد من حركتها وضعية سائقها بيديه التي تحدوها، وكأنه قائد اوركسترا الجمال ...
إن هذه اللوحة، بغضّ النظر عما تمثله، تبدو مثل الجملة المكتوبة التي تملأ كل الصفحة، مما يدل علي إفادة الواسطي من أسلوب الخط العربي، إذ لا يجب أن يغيب عن أذهاننا أنه كان واحدا من أمهر الخطاطين في وقته.
هذه الحركة المتآلفة والإيقاع الكامل تؤدي بنا إلي الافتراض بأن الواسطي في مساره الفني بدأ بالفن التشبيهي مرورا بالبحث في الإيقاع والحيّز والخط ليفضي إلي التنميط ثم التجريد، هذا التسلسل الذي يختزله الواسطي في رسمه لوضعية الجمل علي شكل زهرة مذهبّة مكوّنـة من ستة بتلات، وفي هذا ما يختصر قرونا من مسيرة الفن التشكيلي العربي.
هوامـش:
- الفن الإسلامي. تيتوس بوركا ردت .بالفرنسية.
- أوراق متناثرة( محمد خدّة بالفرنسية)
- مجلة العربـي مقال بلنـد الحيدري)
مجلة نزوي (مقال بلند الحيدري)