ثقافات

أربع قصائد نثر لهيلغا نوفاك

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ترجمة صالح كاظم

تقديم عبدالقادر الجنابي: هيلغا نوفاك التي تركتها أمها بعد 14 يوما من ولادتها (1935)، فتبنتها عائلة تركتها هيلغا بعد 15 عاما، تعتبر واحدة منأفضل الشعراء الذين أنتجهم قطبا المأساة الألمانية: النازية والستالينية. درست الصحافة والفلسفة في لايبزج؛ المدينة التي بقيت منفية منها حتى اليوم. مارست عدة أشغال حتى كبائعة كتب من أجل لقمة العيش. تزوجت عام 1961 وانتقلت إلى آيسلند حيث طبعت ديوانها الأول "الألماني الشرقي" فأعيد نشره عام 1965 في ألمانيا الغربية آنذاك تحت عنوان "أنشودة أنّا المترحلة". عادت الى لايبزج وما إن بدأت دراسة الأدب حتى جاءها رفض إعطائها جنسية كمواطنة ألمانية. فعادت الى آيسلند لتستقر كمواطنة آيسلندية. من هنا رفضت أن تعتبر ككاتبة من ألمانيا الشرقية، وأيضا ابتعدت عن ثنائية الوضع الألماني آنذاك، فما كان الجدار سوى حاجب لحيطان داخلية أكثر قهرا. بقيت هيلغا طوال حياتها مستقلة استقلالية جملها وأبياتها ونثرها السيروي، رافضةً كلّ توفيقية مع أي نظام، أب، منهج أو جنس أدبي معين (فأنها تفضل أن تطلق تسمية "نثر" على "قصائد نثر" خوفا من السقوط في التراثية والتقليد، رغم أن مجموعتيها "جلسة سمر" (1968) و"الاستيلاء على توريبيلا" (1976) تلبّيان كل مطاليب قصيدة النثر الحديثة من بودلير إلى اليوم،)... هناك سوداوية ليست انعزالية، وإنما سوداوية بيضاء مساهمة في نظرتها إلى العالم ومحتوياته... شعور سوداوي متزن تحدده مسافة نقدية بين الذات والموضوع.. وفي نظرها، إن "من ليس له في أعماقه حصة من هذه السوداوية، فإنه لا يعرف سوى نصف الشيء"!
تتميز كتاباتها خصوصا قصائدها النثرية، بالاختصار والكثافة والانزياح من القصدية الاجتماعية المتواجدة كخلفية، إلى لا قصدية شعرية محضة. إذ تعلمت الكتابة وهي في مصح عقلي.. كانت إدارة المصح تنتظر منها حياكة الثياب، لكن هيلغا أخذت تحوك نصوصا متقطعة، قصيرة الجمل بسبب حالات الصداع التي كانت تنتابها فتمنعها من سرد مطول ومن كتابة عبارات إنشائية.
قصائدها النثرية كتل من الحقيقة المُغيّبة في أدراج اللا غرضية.. أبجديات استلاب يعيشها الكائن البشري وكأن كاميرا تراقبه، فهيلغا نفسها تقول أنها جاءت من بلد كانت الحقيقة فيه موضوعة تحت رقابة دائمة. لذا نشعر عند قراءة قصائدها النثرية ببرودة الانفصال وكأننا في ملجأ أيتام تعيش فيه الحقيقة كموضوع مُتخيل، يحوكه الضباب المترسب بين الكلمات. هنا أربع قصائد ترجمها عن الألمانية القاص صالح كاظم:

قطف الزيتون

حقا، شجرةُ الزيتون لابريقَ لها، فهي مغطاة بالقِرْفة وتبدو كسيحةً. ثمارُها باهتة، شديدةُ الزرقة. لا يزيد حجمُها عن حجمِ نواتها، ولا يُمكن إستذواقها نيئة. بعضُها ما زال أخضرَ، أبرشَ لم ينضج بعد. بعضها الآخر منضمرٌ وجافٌ مثل الزبيب.
منذ أمس الأول تسقط أشجار الزيتون تحت ثقلِ قاطفي الثمار. في قمتها التي لا يزيدُ محيطها عن ثلاثةِ أمتار ونصف يجلس خمسةٌ أو ستةٌ منهم. تحت الشجرة غطيت الأرض بأكياس من الكِتـّان والبلاستك والشبك.
أنا أجلسُ فوق أحدِ فروعها وأمسحُ بيدي على الأوراق. أمِسّ أغصانا ما زالت طرية. أهزّ وأضربُ وأقطعُ بعض الغصون تاركة عليها أحيانا بعض الثمار وضميري يؤنبني.
عمال آخرون يقفون تحت الشجرة، يحملون عصىً طويلة، يضربون بها الثمار المعلقة في الأغصان الخارجية. يحركون عُصيهم من جهة الى أخرى. يدفعون بها الى قمة الشجرة، ومن الصعب الحفاظ على توازنها فترة طويلة في موقع مرتفع.
الثمراتُ المبتلةُ بالمطر تلمعُ مثل عيون الخيل. لم يسبقَ لي أن دققت النظر في شجرة الزيتون، كما فعلتُ في توربيلا. لا يمكن أن تكتشف فيها سوى عمرها المتقدم: شجرة متواضعة، تنمو كما تشاء.


ذكريات

أفتحُ الشبابيكَ المـُغـْلقة على مصراعيها. ظلامٌ في الساعة السادسة. الأشياءُ ما زالت مُتَخشّبة بفعل رطوبةِ الليل. بحذر أتّجه نحو المطبخ. فراغٌ مريح. نعليّ الخشبي يحدث ضجيجا، حال إرتطامِه بالأرض.
عَرِفتُ الكثيرَ من هذه البيوت، فأنا من بلد، قام بتأميم الفيلات والمزارع والقصور قبل ثلاثين عاما. شبابيكُ الحمّام تطّل على الشرق. أفقٌ أخضر، وأرضٌ متموجة، عشبٌ أصفر، تستقبل ضوء الفجر. يُمكنُ سماع صوت الأجراس المُعَلـّقة على رقاب المواعز. على مسافة قصيرة من المطبخ يجلسُ زوجٌ من الطيور الوحشية.
عَرِفتُ العديد من هذه البيوت. أقسامٌ داخلية، دوراتٌ سياسية، مدارسُ حزبية وأقسامٌ داخلية، تم إقامتها في الفيلات والمزارع والقصور.
في الساعة الثامنة والنصف تَصِلُ الى المطبخ كيسان ممتلئان بالخبز الحار. شطائر كبيرة تذوب فيها الزبدة وشرائح اللحم المجمدة، تقطعها شيليستينا بماكنة الخبز وهي تتأفف.
رأيت بيوتا عديدة مثل هذا البيت، لكني لم أتمكن أن أعمل في أي منها بلا أنظمة وبلا رقابة، بلا طقوس وبلا سلطة، مثلما أفعل هنا. أكتب في الفجر، قبل حلول النهار. ولكي لا أوقظ هورست، أكتب بخط اليد. شمس الصباح تـُلقي ضوءا فيه قليلٌ من الحمرةِ على الجدران البيضاء.
عَرِفت الكثير من هذه البيوت، ولم أتمكن في أي منها أن أشعر، ولو لفترة قصيرة بالراحة، وأخلد للسلام كما أفعل الآن.

حقائبُ سفر

لا نـَمْتلك نقودا، وإنما حقائب سفر. كل ما لدينا نـَضعه في حقائب وأكياس نحملها أينما حللنا. هي خمسُ حقائب ترافقنا. ها نحن في قرية فيها دائرة للبلدية وكنيسة وفندق ومطعم ملحق به، لاتبعد عن بعضها كثيرا. نسأل عن فـُرص العمل، فيجيبنا صاحب الفندق بأن هناك عطالة عن العمل في القرية،
بشكل خاص بين الرجال.
نقضي الليل في الفندق. الغرفة رخيصة الثمن، أرضيتها باردة، لونـُها شبيهٌ بزرقة البحر وعليها نقوشٌ حمراءَ طحلبية، شرفتها تطل على السوق.
في السوق يتـَبَجح الباعة ُ بجودة بضائعهم، يساومون الزبائن، وسط الشتائم والمدائح، كـُلّ شيء يُلـْمَس باليد ويـُشَمّ بالأنف. أمام الباعةِ أهرامٌ من الفواكه الخضراء والصفراء والحمراء. رائِحة ُ القهوة تعبق في كل مكان.
مقلاة ُ القهوة تـَدور. حِملانٌ خـُلِعَتْ جلودها تـُنـْقـََل على حَمـّالات من الخشب. غيردا وأنا نَحزمُ الحقائبَ. نَنـْقلها الى الحوش. أذهب لجلب حقيبة ثقيلة، تاركة الحقائب الأخري ف+ي رعاية غيردا. عند عودتي حاملة تلك الحقيبة الثقيلة، ألاحظ أن غيردا قد غادرت مكانها. أناديها وأبحث عنها. أجد نفسي وسط حشد من البشر في السوق عاجزة عن الحركة، فأصرخ وأدور حول نفسي، أعود الى الحوش، فأجد حقيبتين فقط.
أنادي، أبكي، أجهش في البكاء. غيردا تعود ضاحكة ً.
أقول لها، أين كـُنـْتِ.
تقول، كـُنـْـتُ
في المطبخ أ ُعـّد الفاصولياء للطبخ.
أقول في هذه الأثناء سَرقوا آخرَ ما نـَمْلك.
تقول، لا مع الأسف.
أقول، أكبرُ حقائِبـُنا سُرقتْ.
تقول، كان لدينا الكثير منها.
أقول، لم نعد نمتلك شيئا.
تقول، لقد رَبَحـْنا الكثير.
أقول، كنتُ أ ُحبُ هذه الحقائب.
تقول، أما أن تنتمي الى مكان ما أو تمتلك حقائبا.
مرت سنوات عديدة بعد أن تزوجت غيردا صاحب الفندق
وتـَبـَنـْياني. أنا أسكن الغرفة ذات الأرضية الزرقاء المُنـَقـّشة بالأحمر،
والشرفة المطلة على السوق.

شعاراتٌ تضيعُ في الريح

نرمي أغصانا جافة ً في النار. الزمن يمضي بطيئا، يتوقف. "بيله"
يأتي كلّ صباح يُردد شِعارا حفظه بالألمانية
عن ظهر قلب.
البرتغال يجب ألا تصبح شي-لي أو-رو-با!
ذات يوم أصابَنا حماسُه بالعدوى ورحنا نُعَلمه شعاراتَ جديدة، ساعة بعد أخرى.
نوضحها له بالفرنسية والأسبانية والبرتغالية وغيرها،
فيكرر بصعوبة كبيرة وبلسان متعثر بالألمانية أكثر أقتراحاتنا صعوبة.
لن نسمحَ بأن تصبح لشبونة واشنطن الجناح الجنوبي الشرقي!
لن نسمحَ بأن تصبح البرتغال صين غرب أوروبا!
لن نسمحَ بأن تصبح لشبونة موسكو جنوب أوروبا!
لن نسمحَ بأن تصبح البرتغال فيتنام شبه الجزيرة الأيبيرية!
وراء كل حزمة من الحطب تنشأ شعارات جديدة، والوقت يمضي مثل الدخان.
لن نسمحَ لكونيال أن يصبح ستالين الجمهورية الأيبيرية المتحدة!
لن نسمحَ لسواريش بأن يصبح نيكسون البرتغال!
لن نسمحَ لسبينولا بأن يصبح فرانكو الجديد المسلط على شعب لوسيتانيا.نتوزع في مجاميع صغيرة
تردد شعاراتها عبر الأرض البائرة. لن نسمح بأن تصبح البرتغال تايوان شرق المحيط الأطلسي! نعود
بعد أن بحت أصواتنا ونترك شعاراتنا القصيرة العمر للدخان.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف