العيسى: أسطورة بقلم الكسندر كوبرين
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
قصة: الكسندر كوبرين
ترجمة: ولاتو عمر
قبل بضعة قرون من ميلاد المسيح وفي قلب هندستان عاش قوم شديد الشكيمة بالرغم من قلة عدده. محا التاريخ كل أثر له ولم تذكره ولو بسطر واحد أناشيد الفيدا المقدسة ذائعة الصيت. الا ان سحر الهنود الغيورين على التراث الشعبي يقولون بأن أجداد هذا القوم كانوا اناسًا قساة وشجعان قدموا من أقاصي الغرب وأخضعوا في وقت قصير هندستان كلها لسلتطهم. وكان الامراء والراجوات يدفعون لهم الفدية وعمل العبيد الاسرى على حراثة أراضيهم. لم يكن يعرفون البذخ والخوف من الموت مما جعل منهم شعبًا لا يقهر. كان هذا الشعب المقدام يقدس كائنًا حيًا-هو أمرأة سميت بآلهة الموت. لم ير أحد قط آلهة الموت بإستثناء إثنين من كبار الكهنة وبدورهما يختارونها سرًا من بين كافة الفتيات الحسناوات اللواتي لم يبلغن بعد الرابعة عشرة من العمر. فهما يقومان بتربيتها وتمكنا بطريقة سحرية من الوصول بجمالها الى حد الكمال الخارق. وعندما تفارق آلهة الموت الحياة يقومان فورًا بتهيئة أخرى دون أن يعلم احد غيرهما بذلك، وإعتقد الشعب بأن آلهة الموت أبدية وأن جمالها مستديم.
مرة واحدة كل عام تغادر ليلاً معبدها مستقلة عربة مغلقة من كافة الجوانب تجرها عشرة فيلة بيضاء. كان الشعب يحيها بأناشيد مقدسة حاملين المشاعل بأيديهم. كان فرحهم يبلغ حد السعار. كانوا يقطعون روؤس مئات العبيد ومئات منهم يجلدون أجسادهم بالسياط أو الخناجر المعقوفة وفي قمة النشوة الروحية يلقون بانفسهم تحت عربة الالهة لكي تسحقهم الفيلة والعجلات...
كان العيسى ابن احد الراجوات النبلاء.تفوق في سن الخامسة عشرة على كافة اقرانه بشجاعته وقوته ووسامته. وكانت انبل واعز جميلات الهند يعتبرن الزواج منه سعادة ما بعدها سعادة. لكن العيسى كرس نفسه لالهة الموت.
كان عليه التخلي عن العائلة. لقد اعتبر مجرد لمس امراة جريمة بالنسبة له. لم يتجرأ على الابتسام او الغناء طوال حياته. كانت الحرب والتمارين البدنية شاغله الوحيد.
صمد العيسى امام الامتحان القاسي. لم تؤثر فيه دموع شقيقاته ووالدته عندما كان يغادر قصره الفخم وعند مصادفته النساء كان يغض الطرف ويتفاداهن ويولي بعيدا عن اروع الجميلات... لم يشاهده احد قط ضاحكا او مستسلما لحديث فارغ...
سرعان ما اصبح اسمه، خلاف ذلك، يلقي الرعب في قلوب اكثر الاعداء شرا. كان يندفع، من دون درع وبثوب خفيف ابيض فحسب الى بؤرة جموع الاعداء. كانت الاجساد الممزقة من الكتف حتى الافخاذ والروؤس والايدي والارجل المبتورة تشير الى اثره. كان لقياه يعني الموت المحتم وكان الاعداء الاقوياء يولون هاربين منه كقطعان النعاج وهم يصرخون: "العيسى! العيسى!"...
وفي ايام السلم كان يقضي وقته في صيد الخنازير البرية والنمور. وكان غذاؤه الوحيد هو مياه ينابيع الغابات وقطعة خبز وسريره سرج الخيل.
واخيرا، بعد مرور خمسة عشر عامًا وفي احدى الايام التي تخرج فيها الهة الموت مستقلة عربتها، اعلن المنادي للشعب اسم العيسى.
جموع منقطعة النظير تدفقت من الصباح الى الساحة المسورة بالجدران امام المعبد حيث انتظر العيسى الامتحان الاخير. كان اسمه على كل لسان. كان يعلم الجميع ان الهة الموت ذاتها، التي لم يرها احد قط، تتطلع الان من كوة سرية في المعبد الى الساحة.
نصبوا على مسافة مئتي ذراع درعا غرزت فيه خمسة سهام واعطي للعيسى قوسا... وتمكن بسهامه الخمسة، ترافقه صيحات الاعجاب، في فلق خمسة سهام على الدرع.
ومن ثم سلح العيسى بخنجر بنغالي معقوف واطلقوا في الساحة نمرا بنغاليا هائجا وجائعا.
تمكن العيسى امام انظار الشعب كله، بعد ان نهشته المخالب الحادة وهو يتقطر دما من قطع رأس الوحش الضاري ووقف على جثته...
وانشق الحشد في النهاية وتباعد وسلم العيسى مهرًا وحشيًا بريًا اسود اللون ذو خياشم تلفظ نارا، لم ينؤ ابدا تحت ثقل مهين.لم يتمكن ستة ساسة من تهدئته. كان يجأر بشراسة ويقلب نظره بعينين ناريتين ويرتعش جسده الاملس.
اقترب العيسى بهدوء وقبض على زمامه. فر الساسة واسرع الجمهور مدبرا... وخلال لحظة كان العيسى قد امتطى ظهر الحصان.كان الحيوان المتكبر في البداية يرتجف من الحقد والمهانة.. وبعد دقيقة غاب الحصان والفارس عن الانظار.
مضت ساعة كاملة من الترقب المضني قبل ان يلوح اخيرا من بعيد العيسى ممتطيا المهر المرغي من التعب وهو طوع العيسى كالحمل الوديع.
انتهت اختبارات العيسى.
اقتادوه في منتصف الليل مرتديا ثيابا نفيسة،يفوح منه عبير العطور الشرقية الى المعبد وتركوه وحيدا. كان يسمع هدير الشعب الذي اقترب شيئا فشيئا من المعبد. كان هذا يعني ان الالهة تتجول في المدينة على عربتها التي تجرها الفيلة البيضاء.
ومن ثم دخل المعبد كاهنانذا المقام الرفيع، تتجاوز اعمارهم المائة عام، بشعريهما الابيضين كالثلج. ركع الكاهنان امام العيسى ولثما قدميه ومن ثم اخذا بيده وقاداه الى الركن المقدس. وهناك،حيث البذخ الشرقي الخيالي، تلألأ المضجع الذهبي... وفاحت المباخر بالعطور العربية والفارسية... ونشرت الفوانيس العجيبة انوارها السحرية..؛ وتمايلت في الاقفاص الذهبية الطيور الرقشاء المقدسة، وغطت الجدران اقمشة الحرير الفاخرة..
انصرف الكهنة بصمت مغطين وجوههم بأيديهم. كان النعيم ينتظر العيسى ومن ثم الموت الاليم بعد اثنتي عشرة ساعة.
في مكان ما بعيد، خلف الجدران، صدحت اصوات الجوقة النسائية بغناء رقيق وعذب. افتتحت الابواب العاجية الضخمة... ودخلت ببطء الهة الموت ذاتها مرتدية ثياب بيضاء ومتخفية وراء نقاب.
اندفع العيسى نحوها وابعد بيديه المرتعشتين القماش الخفيف الذي يغطي وجهها وتجمد من هول الصدمة والدهشة. ..
لقد وقف امام عجوز هرمة، تغطي التجاعيد وجهها وذات فم ادرد تغطي عيناها الدموع وذات نظرة ذابلة.
عام 1894