ثقافات

صعود المقال

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بقلم أنسي الحاج

إذا لم تَحْدث ظاهرة تعيد الاعتبار إلى الأنواع الأدبيّة وتُجدّدها مؤهّلة إيّاها للانبعاث، فستنتهي الأنواع الأدبيّة. ولن يبقى من القصّة إلّا ما يُباع، أي ما يندرج في السياق التسليعي، ولن يبقى من الشعر إلاّ فئتان: أولى لا يفهمها أحد، وثانية هي العجز عن التعبير، عجز معبّر عنه بالفشل سواء في مفهوم الشعر وفي الكتابة.
حاليّاً، أكثر ما يُقرأ في ما يُنْشر هو المقال. ومنذ عقود، على الأرجح. أعتقد أن ممّا نجحت فيه قصيدة النثر (العربيّة خصوصاً) هو بريشة غازي يونس

تخفيف صدمة الانتقال من الأوزان إلى النثر، تمهيداً، دون قصد منها، للانتقال من عهد القصيدة إلى عهد المقال.
المقال الجديد هو النوع الذي جَمَع العديد من الصفات التي كانت موزّعة بين القصّة والحكاية والقصيدة والخطاب. لذلك تقع عليه مسؤوليّة ضخمة.
الصحافة انتهت كوسائل إخباريّة أو فوتوغرافيّة ولم يعد يميّزها إلّا المقال. صحافي المقال يجب أن يدرك مسؤوليته كفيلسوف وأديب ومؤثّر وفاعل متعة، لا كمعلّق مُمازح أو مأجور.
ستبقى الدُور تطبع كتباً فيها قصص وقصائد، إلى أن تحصل تلك الظاهرة الإحيائيّة الجذريّة، أو تواصل القصص والقصائد مسيرة لَفْظ أنفاسها. مع استثناء للرواية الاستثنائية وتلك الشعبيّة، وهذه يكمن الخطر الأكبر عليها في السينما.
مَن سيرغب في "الأدب" عندما لا يعود يَهزّ شيئاً؟ الأفضل حينذاك أن نعود إلى الصفر ونترك الأبواب مفتوحة. حين تتجوَّف الأشكال لنَدَعْها تسقط. لا نَخَفْ أن نكون مرتكبين بحقّ التجديد، التجديد لا يكون مضجراً وخاوياً كما هو حاصل. ولا يجوز أن نترك التجديد يتحكّم فينا ويبتزّنا وينحرف بحدسنا.
لا "ندعو" إلى مبايعة المقال، بئس الصحافة، بل إلى معاينة ما أمسينا عليه من تراجع الحال الأدبيّة. لا تَسْمع إلّا كلمات إبداع ومبدعين وليس من إبداع ولا مبدعين إلّا بمقدار ما في الصحراء من سراب. إذا كان حقّاً ما ندّعيه هنا من أن المقال حَلَّ في المرتبة الأولى لأنه يُقرأ، فهذا منتهى الانكفاء. لم يحصل في التاريخ مثل هذا. وعليه، فإمّا أن نرفع شأن المقال حتّى يستجمع ما له وما لسواه فتكتمل عناصر الخَلْق الأدبي فيه ويأخذ مكانه، وإمّا أن ينقلب الواقع الأدبي ويحترق وينبعث من موته. ولا يقوم بهذه المهمّة غير روّاد جدد، أو النقد، ولعلّه أفضل الباقين على قيد الحياة بين سائر الأنواع الأدبيّة.
الذين يجب أن يعرفوا يعرفون ما هو الخَلْق. وهم لا شك يلاحظون اضمحلاله. لقد خضع النشر مثل غيره من المواد الاستهلاكية والأنشطة الاجتماعية لآفة المظاهر، واغتصب الإرهاب الإعلامي عالمَ التقييم. وعوض أن تكون الكتابة الإبداعيّة، أو حتّى مجرد الكتابة الجيّدة سبيلاً إلى الانعتاق من الضحالة اليوميّة وتعاسة العبء الوجودي الخانق، صارت بدورها كابوساً يُعمّق مشاعر العجز. وصار الضجر عنوانها وتدليل الذات غايتها. وبات المضطلعون بفن التعبير أقليّة على شفا الانقراض وأشبه بجماعة سريّة تختبئ من ضياعها في محيط تُوهمه التكنولوجيا بأنه كونيّ وليس هو غير اجترار الذات النرجسيّة لنفسها، بل لظاهر جِلْدِها، في انحطاطٍ تحتقره الطبيعة ويوغل الكونُ في الابتعاد عنه تاركاً هذا الكوكب الجميل يموت من نرجسيّته.

نقلا عن "الأخبار" اللبنانية

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
رُوحنا في خطر
عبداللّطيف -

لقد قالها الملْهَِم أنسي، قال إنّنا نعيشُ ردّةً جماليّة في أدبنا المعاصر، وذلك بسبب تراجع دور الأجناس الأدبية ووظيفتها الّتي خُلِقت لها وعبرها.بالفعل، سِرْنا نرى ـ بالمقابل ـ تهافُتاً من لدن أدبائنا على المؤتمرات والجوائز والمآدب والأسفار. لن أنسى هذه العبارة من أنسي:"وبات المضطلعون بفن التعبير أقليّة على شفا الانقراض وأشبه بجماعة سريّة تختبئ من ضياعها في محيط تُوهمه التكنولوجيا بأنه كونيّ وليس هو غير اجترار الذات النرجسيّة لنفسها".

ينتهي النوع الأدبي؟!
حسين -

تنتهي الانواع الأدبية؟!أخرجوا من هذه اللعبة، أنسي الحاج وأدونيس وآخرون لم يعد لديهم سوى التسويق لانتهاء الأدب وانتهاء اللغة العربية. ادرك أن العصر هو عصر انحطاط وهناك مثبطات لكن الأدب لن ينتهي والانواع لن تنتهي. هناك كتاب كثر وشعراء كثر والزمن سوف ينقح ويهدي للأجيال القادمة العصارة، المخلفات لها مكان يعرفه الجميع. يوجد نصوص شعرية كبيرة في هذا الوقت لكن الذي لا يوجد هو القراء والنقاد \ الذين لا يعرفون كيف يكشفونها. حيث أصحاب هذه النصوص بعيدون كل البعد عن الهرج الإعلامي والوساطات الأدبية.

تحية لانسي
ناظم -

الى الاستاذ حسين : اوافقك في نقطة ، واوافق الاستاذ الشاعر انسي الحاج في نقطة اخرى : نعم استاذ حسين هناك نصوص شعرية كبيرة لشعراء في طريقهم لان يصبحوا شعراء كبارا . اي انهم لم يتمكنوا ، للان ، من امتلاك صوت متميز وواضح ، لكنهم تمكنوا من كتابة نصوص جد باهرة . طبعا لو سلط عليهم الضوء لشجعناهم ربما على بلوغ تلك المرحلة التي لابد منها لكل شاعر كبير ، وهي : كتابة مجموعات شعرية كبيرة تؤسس لتجربة شعرية كبيرة ايضا ومليئة بالتحولات الروحية والفكرية ، اي ان بامكان الدارس رصد تحولاتها بشغف نقدي . اما ما هو حاصل لدينا ، اليوم ، فمجرد نصوص كبيرة لشعراء قد تكون البقية من نتاجهم مخيبة للامال .وتلك خسارة لا تعوض يشترك فيها الجميع . فهل نبريء الشعراء الكبار منهم ومن هم اقل قامة ؟ وفيهم من لا يحب احدا سوى نفسه . وفيهم من ليس لديه ادنى استعداد للاعتراف بك ، او حتى لتشجيعك بكلمات تقال بينك وبينه ، وهذا اضعف الايمان .قابلت شعراء موهوبين جدا ، لبعضهم اسماء مكرسة ، ولكن العماء والانانية نفراني منهم . والنتيجة كانت فشلي في ان اكون صديقا لاحد . وهذه نقطة حرجة ينبغي افراد الكتب عنها ، اي : انتفاء معنى الصداقة بين افراد الاجيال الجديدة . خذ الستينيين مثلا في الوطن العربي والعالم ؛ حبهم لبعض واحتفائهم ببعض وتسامحهم مع بعضهم البعض صنعت الاعاجيب . كانوا يرتبطون ببعضهم البعض باضواء احلامهم الشرسة الواقعية بتغيير واقع العالم والفن . والنتائج باهرة حقا . لم يغيروا العالم ، ولكنهم غيروا الفن ، واسسوا لما بعدهم تقنيات واساليب ولغة حرة وطليقة . اما نحن فقد افسدتنا الخيبات والديكتاتوريات . تصنع المحبةُ الواعيةُ المعجزات .من يأبه منا للمحبة اليوم ؟؟؟ انا خجل بنفسي وباصدقائي . وتلك عقدة اشار لها ناقد مصري مهم ، الا وهي ان ابناء الجيل الجديد يعانون من عقدة الشعور بذنب عن شيء لم يقترفوه ولكنهم افسد عليهم ايامهم .اما ما اوافق عليه الشاعر الكبير انسي الحاج ، فهو اشارته الخطيرة الى ما يمتلكه المقال اليوم من امكانيات هائلة ، والرجل يتكلم عن تجربة شخصية وطويلة في كبريات الصحف العربية . استطيع ان اجمع لك كتاب مختارات لمقالات شعراء وكتاب كل اسبوعين ، يضم بين دفتيه ما شئت من سحر حلال . خذ مثلا الياس خوري ، انا لا احب روايات الرجل ، ولكن مقالاته تفعل فعلها في ، وكذلك الامر مع رشاد ابو شاور وامجد ناصر وعباس بيضون

فردوس الشعر
رعد الحافظ -

لن تنتهي الانواع الأدبية بهذه السهولة, لكن الناس مشغولين بلقمة العيش وفساد مناخهم و محيطهم بسبب الافكار السلبية وانتشار ثقافة الكراهية بدل ثقافة التسامح والحب والجمال والرومانسية..كما أن لعصر الانترنت تأثيره الواضح , لذلك أصبح الوقت مناسبا للمقال أفضل من غيره , صحيح أن القراء قليلون فشباب اليوم تستهويهم التكنلوجياوالفضائيات والموبايل أكثر من الأدب والشعر والقراءة ,لكنها ضريبة التطور والتقدم في كل العصور..فلكل شيء وجهان ,ايجابي وسلبي ..لكن الشعر باق , وشاعرنا حازم التميمي يقول..أوليست الفردوس تغري طالب كيما يشم ببابها القداحا ؟أو ليست الأرض الطهور ولودة في عصر موت تبعث الارواحا ؟