شكوى العراق الثقافي من تحت الرماد
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
بهذه الكلمات التي جاءت على لسانه، والتي نسبها إلى الإلهة عشتار، أنهى الروائي العراقي علي بدر سيناريو الفيلم التسجيلي الذي كتبه وشارك في تصويره مع المخرج زياد تركي، وهي الكلمات نفسها التي انبثق عنوان الفيلم من بينها. " تحت الرماد " فيلم تسجيلي جاء من فكرة ذكية لشخص يحمل داخله هموم متلاطمة ينقصها الوضوح وتعج بها الأسئلة، هل صار للقتل ثقافة؟ هل يمكننا تعريف ثقافة القتل؟ هل هناك انقسامات طائفية في صفوف المثقفين العراقيين؟ ماذا على الثقافة أن تفعل إزاء القتل والتخريب والتدمير؟ هل المثقفون منقسمون أيضاً؟ هل الطائفية السياسية لها مستقبل في العراق؟
ما الذي على الثقافة أن تفعله إزاء القتل والتخريب والتدمير؟ تحت هذا السؤال المستفِز يفتتح الشاعر والفنان صادق الصائغ إجابته ليطرح سؤالاً أكثر مرارة: " ما الذي يمكن للفنان والشاعر، المبدع، أن يفعله بوجود هؤلاء؟ ( يثير الصائغ إلى جهة قريبة وكأنه يتحدث عن شخص يقف أمامه مراقباً ) ويضيف: كل المنافذ مغلقة بوجوهنا، هؤلاء سياسيون، عميان، أنا أعرف أنك تسأل أسألة فكرية يحتوي في داخلها منطق وفكر ومعرفة، ولكن هؤلاء عميان، يسحقون كل شيء يمكن أن يكون تحتهم، ونحن ضحايا هؤلاء." هي المرارة والشكوى إذاً، وهي كشف لحقيقة كارثية. السياسي الأعمى يتحكم بمصير ثقافة بلد شيد منذ آلاف السنين على أسس المعرفة والثقافة. هكذا يرى الصائغ، ولكن، هل هناك من تبنى بشكواه وجه النظر نفسها؟ الجواب جاء سريعاً على لسان الشاعر صلاح نيازي حين قال: " السياسيون هم الذين ( لا أقول يفرقون عن عمد ) ولكن من خلال السياسة يتفرق الناس. إذا كانت الثقافة بمعنى القيم الحضارية، عند هذا يكون لها قيمة كبيرة. ولكني لا أعتقد أن الثقافة العراقية قادرة على إيجاد رموز ثقافية من شأنها توحيد الموقف ضد الانقسامات، لأن هناك بُعد للموروثات المتخلفة في الثقافة العراقية، واحدة منها هي اليقينية في الشخصية. شخصية العراقي دائماً يقينية، وهذه اليقينية تجعل من المتبني لها أن يتخندق من أجل أفكاره، والأخر يقيني أيضاً، ولم تبق بعد ذلك خطوط رجعة، التي من شأنها أن تجعل الحوار جيداً بين الأطراف السياسية، ومن العيوب الأخرى هي هيمنة العقلية الشفاهية على العقلية التدوينية. فأنت لا تعرف مصيرك مع الحاكم، هل تكون وزيراً أم سجيناً.
" هل نحن منقسمون؟ سؤال أتلقاه في صميم الأسئلة، هل أنا مكره على القتل، أم موافق عليه؟ هل نحن طائفيون أيضاً؟ إن السؤال ينشأ من انعدام الأجوبة في وضع جائر." هكذا يترجم علي بدر حيرته وهو يتجول في شوارع أربيل، حينها لا مناص من اصطياد الأجوبة من شفاه المثقفين، علها تمنح الحيرة ما يسكّنها ولو لبضع وقت، فيلتقي الناقد سهيل نادر ليصب في مسامعه جام سؤاله: هل تعتقد أن المثقفين العراقيين منقسمون فيما بينهم طائفياً وأيديولوجياً؟ يجيب سهيل والابتسامة الخجلة مرسومة على محياه: " يبدو في الظاهر أنهم غير منقسمين، ولكنهم حين يعيدون إلى بيوتهم، تظهر هذه الانقسامات. فمن الصعب أن تكون طائفياً وتعلن ذلك بوضوح، الطائفية ثقافة متسللة، إلا أنها قوية وراسخة." بعد هذه الاعتراف الصريح بحجم الكارثة، يجد مخرج العمل أن المشاهدين بحاجة إلى من ينتشلهم من خيبتهم، فينتقل بهم إلى الموسيقى، حيث آلة العود بريشة الموسيقي العراقي أحمد مختار، كان العزف جميلاً ينقصه الهدوء تماماً كما هي إجابات المثقفين التي جاءت محملة بمرارة أكبر من تلك التي حملتها الأسئلة، وكأن مختار أراد أن يجيب من خلال موسيقاه على كل تلك الأسئلة المتلاطمة.
وهنا يدخل رأي فنان آخر، كان بصوت الفنانة التشكيلية الوحيدة المشاركة في هذا الفيلم " المستطلع للآراء " هي الفنانة عفيفة لعيبي التي قالت باسترخاء واضح وكأنها قد تمكنت من المصيبة أو تقف موقف المستفيق من الصدمة، فتقول: " في الظرف العراقي الحالي أعتقد أنه من الصعب أن تلعب الثقافة دوراً مؤثراً. يمكن لخبر عقد مؤتمر أو اجتماع ثقافي أن ينعش الأمل عند الناس ويشعرهم بسعادة نسبية، لكن أن يغير بشكل كبير ما يجري الآن في العراق، فهذه ليست مهمة الفن، هي في الحقيقة مهمة السياسيين، فالسلطة بيدهم، والسلطة هي التي تتحكم بمصير المثقفين وليس العكس، فإذا كان هناك قتل فاضح للمثقف المبدع والأستاذ الجامعي والأكاديمي، فلا يمكن للثقافة أو الفن أن تلعب دورها المطلوب.
وحين جاء دور المسرح، عرض الفيلم لقطات سريعة لتحضيرات مسرحية كان الفنان المسرحي حسن هادي يضع لمساته الأخيرة عليها، وحين أنتبه إلى الكاميرة ووصلت مسامعه صيغة السؤال قال بإصرار واضح: " لست ضليعاً تماماً في مهمة إيجاد الحلول لمثل هكذا أزمات - القصد هنا، الطائفية وانقساماتها بين صفوف المثقفين - أو مثل هكذا معضلة، مثل هكذا طاعون، يعيشه العراق الآن. لكنني أستطيع أن أسند إجابتي إلى الإجابة السابقة، بأن نترفع ونسمو إلى أن ننتمي إلى جهة معينة كي نعرض منتوجنا الثقافي، نترفع، نترفع .. لست سنياً لست شيعياً لست مسيحياً أو كردياً أو عربياً، أنا عراقي وهذا يكفي.
ومئذنة ودكان
يقف الرصافي في الميدان وحيداً
لم يعد يرجع لبيته بعد
وفي خاصرة المئذنة ثمة يمامة مذعورة
وهناك دكان واحد فقط يفتح أبوابه
وكتب على جبينه بخط كبير ومتين
بياع توابيت.
فاجعة القصيدة التي تصور لنا خواء بغداد وخلوها من حياتها المعتادة، تنقلنا بفضل كاميرة المخرج إلى مسرحية " حلم في بغداد " .. لم يختار المخرج منها سوى مقطع الموت. الحبيبة المفجوعة بحبيبها، تنوح جنب الضحية وتصرخ .. مات .. لقد مات .. لقد مات ..
ولكن، مازال للشعر والشعراء دوراً في هذا الاستطلاع، فنشاهد الشاعر فوزي كريم وهو يدلي برأيه حول قدرة المثقف على التأثير في حل الأزمات: " ممكن أن يكون الجواب بالنفي، هذا لا يؤثر كثيراً، فالمؤثر بشكل عميق حينما تستقر الحياة المدنية في ظل دولة تمنح حياة متطورة يأخذ الكاتب من خلالها دوره وموقعه الحقيقي، لكن الآن لا يستطيع أي مثقف أن يؤثر. المثقفون خدروا المناخ الإنساني بالفكرة، أو بالأفكار التي سرعان ما صارت عقائد مقدسة وشعارات، أنا مذعور من هذه الحالة، وأعتقد أي إقحام للمثقف سيضيف المزيد من العقائد. لا تتضايق من الكثير من عقائد المتطرفين المتدينين، هذه وليدة التاريخ قد تزول إذا اطمأنت الحياة العامة والاقتصادية في يوم من الأيام، لكن المثقف قادر على أن يطعّم هذه الحياة بالمزيد من الأفكار المقدسة، كون هذه الأهواء لا قيمة لها في ذهني إلى حينما ترتفع إلى المُثل، وأعتقد أن المثقف الذي تسأل عنه، أي المثقف الآتي، الذي يستطيع قراءة كل طائفة مسيحية أو صابئية وترى ظلال تلك الطوائف به. هو غير متوفر الآن.
وعلى صورة التفاؤل نفسها أجاب الروائي طه الشبيب قائلاً: " لغاية الآن الجواب لا، بالمناسبة هنالك بعض الحالات الفردية ولكنها لا تشكل ظاهرة. المجتمع العراقي ليس منقسماً طائفياً، هنالك مواجهات سياسية وليست اجتماعية. الاحتلال ليس الأسوأ، بل الأسوأ هو احتلام الظلمة للضوء، فلقد سُلم البلد من الدكتاتورية الليبرالية إلى دكتاتورية الدين، وهذه هي المصيبة الأعظم التي نعاني منها الآن، باختصار شديد، العراقيون في حيرة من أمرهم يحاولون أن يستغلوا أي فرصة، أي سانحة للتخلص من هذه الحيرة.
الكثير من الأصوات العراقية الثقافية والفنية شاركت في تكوين هذا الفيلم " الوثيقة ". وثيقة تعترف بانقسام طائفي داخل الوسط الثقافي، وهنا يحق لنا السؤال، هل يمكن تسمية المثقف مثقفاً إذا كان توجهه طائفياً؟ سؤال نضعه نصب أعين المشاركين عسى أن يجيبوا عليه في مؤتمر أو فيلم تسجيلي قادم. ولكن تبقى المصيبة قائمة، بل متزايدة حد الاختناق، على الرغم من نفي البعض لهذه الانقسامات وورود تلك الأفكار الطائفية المسمومة داخل الجو الثقافي العراقي، والذي حاول أن يكسر خيبة المشاهد ليتلمس بصيص أمل.
يبقى فيلم " تحت الرماد " وثيقة عراقية دامغة، تظهر حيرة المثقف العراقي ومرارته التي لا يعرف لها مكاناً ثابتاً بعد، تماماً كحال البلد الذي تتلاطمه الحيرة والدماء والنهب والمرارة والتي لم يعرف لها العراقي البسيط صانع الخبز والحياة، سبباً بعد.
halsagaaf@hotmail.com
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم الجازمة
نعيم شريف -لم نعدْ وليس لم نعود لأن لم تجزم الفعل المضارع بعدها وكذلك جملة لم يختار المخرج والاصح لم يخترْ المخرج وشكراً لكم
شكر للمخرج زياد تركي
عبدالله اديب الهيتي -السلام عليكم ورحمة الله وبركاته نشكر المخرج البارع (زياد تركي جزاع)على اخراجه وعمله في الافلام الوثائقية ليمثل هذا البلد وجرحه واتمنا له النجاح والموفقية في عمله القادم تحيات عبدالله اديب مجيد الهيتي