الفنانة اليابانية يوشيكو: لوحاتٌ ميتافيزقية تتعايش داخلها الأضداد
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
لوحاتٌ ميتافيزقية تتعايش داخلها الأضداد
ويشبه مسار يوشيكو حلماً جميلاً تحقّق على أرض الواقع، حلم مذيعة على تلفزيون NHK الياباني اشتهرت أولاً بفضل المقابلات التي أجرتها في الستينات مع شخصياتٍ مهمة مثل جون كينيدي وآندي وارهول، ثم انتقلت عند بداية السبعينات إلى ممارسة فن الرسم، بعد دراستها في "رابطة طلاب الفن" في نيويورك، فاستقرّت في باريس عام 1974 وولعت بالفن السرّيالي وبأعمال مرسيل دوشان وجورجيو دو كيريكو، وأثارت، منذ معرضها الأول عام 1977، اهتمام النقّاد الذين توقّفوا مليّاً عند عالمها الميتافيزيقي الخاص، الوسيطي (m?diumnique)، وفقاً لبعضهم، وعند تأمّلاتها العميقة حول الفراغ والزمن وعنصرَي الماء والضوء. ما وراء الواقع
وباعتمادها على الألغاز ضمن البساطة الشكلية، تنتمي يوشيكو أيضاً إلى تقليدٍ طويلٍ من المبدعين في بلدها تمكّنوا من سحرنا بواسطة أشكالٍ شعرية وفنية بسيطة. وفي هذا السياق، يمكننا وصف لوحاتها أيضاً بالشعرية. ففي زمنٍ يدّعي فيه كثيرٌ من الفنانين (والشعراء) الشعر بدون أن يطالوا جوهره، تتمكّن الفنانة من إمداد لوحاتها بانعكاساتٍ هي كناية عن أصداءٍ مستقاة من المرآة، وبصورٍ هي كناية عن استعاراتٍ تنخرط داخل مفهومٍ للزمن خاص بها، وبتوازناتٍ تتوجه إلى الذهن مثلما تتوجه إلى العين. وأفضل مثالٍ على ذلك، مقاربتها المتواترة داخل عددٍ كبيرٍ من لوحاتها بين الساعة الرملية التي تسمح لنا بقياس الزمن، والوردة التي، أكثر من جميع الزهور، تجسد الجمال الهش الذي يتوارى بفعل سير الزمن، مثل لحظة سعادة لن تلبث أن تسقط داخل العتمة. الأسود
وفي عددٍ من لوحاتها، ترسم الفنانة فيزياء الأمواج والأشعة في محاولة منها لإظهار قدرات البحر والضوء وطاقاتهما وتوازناتهما وحركاتهما. ويعكس هذا التوجّه شغفها بعلم السوائل المتحركة (L_hydraulique) الذي كان ليونار دو فينسي أحد مؤسسيه. كما تستحضر لوحاتها الأصوات البهيمة والدقيقة، القريبة أحياناً، والبعيدة أحياناً أخرى، التي تتلاقى داخلها أنفاس العالم وتختلط. وفي سياق بحثها الرسامي، تساعدنا يوشيكو على تقبّل ظهور مثلثٍ سائل، أو سطحٍ دائري لمحيطٍ غير مسمى، أو نجمة من ستة ضلوع مؤلّفة من أمواج، أو قطعة قماش من ماء، ملفوفة أو مبسوطة، كما تتخيّل لنا بحراً بدون شواطئ، أو صدعاً (أو ثلماً) مستحيلاً على سطح الماء، أو شلالاً في منتصف البحر، أو تتصور إمكانية اقتطاع جزءٍ هندسي من المحيط. وبذلك، تستسلم الفنانة لمنطقٍ متضاربِ، أو للامعقولٍ مضبوطٍ، أو لمنهجٍ صوفي يؤدي إلى فضاءاتٍ تتعايش داخلها الأضداد: السائل والجامد، اللامتناهي والمحدد، السرمدي والموضعي...
وفي لوحاتٍ أخرى، تقترح علينا رؤى مدهشة للشعاع الأخضر وانعكاساته على البحر، شعاعٌ افتُتن به الكاتب ريمون روسِّل والسينمائي إيريك رومِر ووصفه الروائي جول فِرن "بالشعاع الأخير والسريع الذي تطلقه الشمس أحياناً قبل تواريها داخل البحر"، والذي يمنح، وفقاً لأسطورته الاسكتلندية، القدرة لمَن يراه على الرؤية بوضوح داخل العواطف والقلوب، كما يُبدِّد ظهوره الموجز الأوهام والأكاذيب. وبرسمها الثابت لهذا الشعاع، تحاول يوشيكو بدون شك رسم خطِّ أملٍ فاعلٍ بقوة داخلها. لكن لهذا الهاجس علاقة أكيدة أيضاً بكونها حفيدة بعيدة لأيسو إيكو الذي أسس في القرن الخامس عشر مدرسة "الكِندو"، أو "طريق السيف". ويفترض "الكِندو" الحركة الدقيقة والانضباط والقرار المركز، ويرفض الاسترخاء أو التشنج، ويوفق بين اللحظة المختارة وإيقاع العالم. وعلى اللوحة، تخطّ الفنانة بدقّة شعاعها الأخضر كالخط الوحيد والصحيح الذي يفرض ذاته، فتُعادِل بين الريشة والسيف.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف