ثقافات

سوزان عليوان.. شعر يصعب التعامل معه ببرود

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

جورج جحا من بيروت: في القصائد التي ضمها كتاب (بيت من سكر) تطل سوزان عليوان مرة اخرى شاعرة يصعب التعامل مع قصائدها بحيادية باردة بمعنى الابتعاد عن التأثر أو الهرب من "العدوى الفنية" التي هي نسغ الحياة في الشعر والتي تشع من هذه القصائد. وربما تراءى للقارىء ان شعر سوزان عليوان في مجمله يشبه سحبا شفيفة كالضباب تنشر بجمال له شخصيته المميزة رذاذا من الأحزان يندر أن يفلت قارىء من اسره. في كثير من القصائد عناصر تعطيها قدرة على التأثير في النفس. انها تتسم بتصويرية لا تقتصر على الحسي بل تبدو نتيجة نسيج يتألف منه ومن المجرد ومن المباشر اليومي والمجازي وحتى الرمزي. وهذا في مجموعه ربما شكل عبئا على القصيدة يجعلها تنوء وتتحول أحيانا إلى معادلة فكرية باردة اذا لم يكن هناك داخل الشاعر "مصهر" يحول ذلك كله إلى "ذوب عاطفي" وهو ما يسمى دفء التجربة الشعورية.
وهذا الدفء بل هذه الحرارة تسري في كلمات سوزان فيتحول كثير من قصائدها إلى صور حية تفيض منها المشاعر وحتى الأفكار والحالات الذهنية. وشعرها ليس شعرا "ذهنيا" لكنه يحمل كثيرا من المواقف الفكرية وبعض السمات التي يشعر القارىء بانها تراوح بين الرومانسي والتصوفي خاصة حيث تتحدث عن "وحدة" بين الكائنات الحية والأشياء.
هذه الوحدة تبدو عندها مرة ابنة نظرة فلسفية "حلولية" وتبدو في آونة اخرى كانها عودة إلى عالم الطفولة الذي يرى حياة في الجماد والنبات فيتحول العالم عندها إلى عالم شبه سحري متألق. إلا ان ما نكتشفه من "سحر" في عالم سوزان هو سحر حزين وان بدا خلابا أحيانا كليلة مقمرة. وفي كل ذلك تبقى قدرة الشاعرة على نقل موح لحرارة التجربة وخبايا النفس حية نابضة وسريعة العدوى.
قد نلتقي عند سوزان عليوان بصورة تذكرنا باخرى عند شاعر أو ببعض اجواء تذكرنا باخر لكن ذلك هو دائما عرضي سريع الانقشاع اذ تسيطر " البنية" الشعرية الخاصة بالشاعرة على القصيدة ككل. وكذلك هي الحال مع بعض الأفكار أو التصورات التي تبدو لنا مطروقة قبلا. لكن الأمر المهم هو التعبير الفني الخاص اذ أن "المعاني" كما قال نقاد عرب قدامى "ملقاة على قارعة الطريق." يبقي الشكل الفني اذن. وسوزان ذات شخصية مميزة في صورها والأشكال الفنية التي تخرج من بين يديها. الكتاب ورد ضمن (سلسلة آفاق عربية) التي تصدرها (الهيئة العامة لقصور الثقافة) في القاهرة والذي جاء في 159 صفحة متوسطة القطع ضم قصائد للشاعرة اختيرت من عدد من مجموعاتها الشعرية التي نشرت بين سنة 1994 وسنة 2004.
سوزان الشاعرة والرسامة الشابة مسكونة بغرابة جميلة متعددة الوجوه وبطفولة لا تغادرها. ولدت في بيروت من اب لبناني وام عراقية الاصل وبسبب الحرب صرفت سنوات طفولتها ومراهقتها بين الاندلس وباريس والقاهرة. تخرجت عام 1997 من كلية الصحافة والإعلام في الجامعة الأمريكية في القاهرة. في قصيدة (عصفور المقهى) جو من "الغرابة" الشديدة الايحاء لانها يصعب ان تربط بما هو محدد ومحدود فهي تتجاوزه إلى تعدد الاحتمالات. يشبه الأمر وان من ناحية معينة دعوة الرمزيين إلى ان يشبه الشعر الموسيقى.
ولعل الصورة الشعرية هنا دخلت الى عالم يشبه عالم الموسيقى الذي يقول الكثير مما لا يمكن "القبض" عليه وحصره في قالب معنوي واحد جامد. تقول الشاعرة "مكانك في المقهى/ليس خاليا./بعد رحيلك/جاء عصفور/ وجلس في ركنك./اتأمله/من بعيد/مثلما كنت اتأملك/وهو يدخن سيجارته/ويشرد بعينيه التائهتين/في الدخان." في "وردة الموت" نموذج عن وحدة حياة تطل من خلال وردة كما في عالم عمر الخيام. تقول "في الوردة التي/تنبت من قلب التراب/عطر موتانا." في قصيدة "ليست انا" بساطة نفاذة في تصوير عالم من الحزن وتذكر فردوس مفقود. قالت سوزان "في الصورة المعلقة على الجدار/ طفلة تشبهني/ ولولا انها تبتسم/لظننتها صورتي."
أما العدل فهي تصوره عى الشكل التالي في قصيدة تحمل اسمه. تقول " الليل عادل/لا يفرق/بين بحر/وسماء/بين عصفور غريب عن الشرفة/وانسان غريب عن البلاد./الليل عادل/ في السواد."
في قصيدة "الموت الأخير" مواجهة للمفجع في شكل لطيف كأنه تجاوز الاسئلة المحرقة المقلقة وسكبها في بساطة كانها خارجة من رماد ما بعد الحريق. رماد يحكي عن النار ببرودة تشبه المهادنة التي ليست ابنة الاختيار بل هي قدر يعمل بصمت ودون ضجيج.
تقول "ثمة اشياء/لا نعتادها./نموت (كل ليلة) موءقتا/لكن موتنا الاخير (يفجعنا) دائما." في "الغريبة" غرابة مميزة في التصور والتعبير غرابة خاصة وان بدت ذات نفس وتقاطيع سريالية. تقول "حملت/نعش طفولتي/على كتفي/ومشيت/ في جنازة احلامي./تبعني اطفال/عصافير/ظلّي/رافضا ان يكون/ظلا/لطفلة ميتة."
في الخيبات والنهايات المؤلمة نواجه "انطفاءة" ربما كانت أكثر هولا من الموت العادي نقرأ "مأساة المهرج" حيث تقول سوزان "الآن فقط/ احسست/بمأساة المهرج/حين يفرغ دمه/كاملا/في عروق النكتة/ولا يضحك احد." ولعل في قصيدة "شتاء" صورة فذة للشعور بالوحدة والخيبة وبأن العالم يبدو خاليا في وجه طفل وحيد في ظلام شارع. تقول "لم اكن ابكي/لكن الاصحاب (كانوا يختفون في عيني)كاضواء السيارات/تحت المطر."
صورة اخرى من هذا النمط ترسمها سوزان في قصيدة "دمعة" حيث تقول "طفلة مبتلة الثوب/تركض/ من ضفة النهر/الى عيني." وعن "الاشياء والاحياء" والوحدة الشاملة تتحدث بغرابة جميلة قصيدة بعنوان هو "فزاع الطيور" وفيها نقرأ "كثيرة هي امنياته/اكثر من السنوات التي امضاها واقفا في هذا الخلاء/اكثر من البذور التي يحرسها الهواء/عبر جسده القليل/ يحلم بمقعد يريح ساقه النحيلة/بوضع يده في جيب (في كف امرأة) بغيمة تستقر فوق راسه تماما/ باولاد طيبين يقذفون نحوه كرة القدم بين حين واخر/بدلا من الاحجار/بازهار قليلة تنبت حوله/ليطمئن ان احدا في العالم سيفتقده/ان سقط/بضربة منجل.."
وفي مكان اخر نقرأ "جسر قديم/يوبخ قوس قزح/لا تغترّ يا ابني بهذه الألوان/كنت انا مثلك."
وعن الأحزان العتيقة نقرأ قصيدة "ازل" تقول الشاعرة "ليتني كنت/حين كانت امي/طفلة حزينة/تحتاج إلى صديقة/في مثل حزنها./ ليتني كنت هناك/ اقاسمها وحدتها/يتمها/وليتني كنت اكبر منها قليلا/ لاكون امها."
وتستمر سحابة الأحزان ورذاذها في سائر قصائد الكتاب فهي سمة تميز الشاعرة.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
hi suzan
taleb alicanada -

suzan eliwan write with a laguage of the real human in this earth i like what she write all times .i send her all best wishes

جمالكي
ICYMAN -

جمالكي يحاكي قصائدكي.icyman_icyman@hotmail.com

شكرا
جنة -

جميلة سوزان في كل حالات الشعر طفلة تكتب و ترسم لنقرا دفئا و تميزا جميلين شكرا جورج جحا على المساحات التي تمنحها الضوء دوما من خلال مقارباتك القيمة