ثقافات

من الأرض اليباب إلى الفردوس الاصطناعي

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
فرانكو موريتي ـ ت.د.ثائر ديبتتّخذ هذه المقالة نقطة انطلاقها عدداً من المشكلات المرتبطة بقصيدة ت.س. إليوت الأرض اليباب، التي ظهرت في شكلها النهائي عام 1922. وتنتمي الأرض اليباب إلى ذلك الحشد الاستثنائي من الروائع الأدبية التي شهدتها الفترة حول الحرب العالمية الأولى. وهو حشد "استثنائي" بسبب كميته، التي تبيّنها أيّ قائمة تقريبية (جويس وفاليري، ريلكه وكافكا، سفيفو وبروست، هوفمانستال وموزيل، أبولينير، وماياكوفسكي)، لكنه أكثر من استثنائي لأن تلك الوفرة من الأعمال شكّلت ـــ كما اتضح الآن، بعد أكثر من نصف قرن ـــ آخر موسم أدبي في الثقافة الغربية. فخلال بضع سنوات أعطى الأدب الأوروبي أقصى ما لديه وبدا على وشك افتتاح آفاق جديدة لا حدود لها: غير أنّه بدلاً من أن يفعل ذلك، قضى نحبه. ولم يعد هنالك سوى بضع قامات رفيعة، وكثير من المقلّدين: دون أن نجد ما يمكن مقارنته بالماضي.rlm;
والحال، أنَّ أعمال إليوت ـــ خاصة الأرض اليباب ـــ تكتسي معناها الكامل في ضوء هذا النفاد لمبرر وجود الأدب ووظيفته التاريخية ضمن الثقافة الغربية. فلا شك، أنّ قصيدة العام 1922 تمثّل في آنٍ معاً ذلك النتاج النموذجي البارز وذلك النتاج "الحدّي" الذي يثير القلق والانزعاج: ففيها آخر أصداء الرواية التكوينية وآخر أصداء التقليد الغنائي المتردّي، وفيها برودة التمثيل المجازي الديني وتقلقل المحاكاة الساخرة، والاقتباس التاريخي المتبحّر وإرادة بناء منظومة صغرى ثقافية تقوم على ترتيبٍ أسطوري. ثمّة شيء من كلّ شيء، في حقيقة الأمر؛ وإنّه ليصعب أن نفهم كيف يمكن تماسك هذا الكل معاً.rlm;
هنالك، بالطبع، طريقة بالغة البساطة، وتالياً شديدة الشيوع، في تفسير هذا الحال: حيث لا يحتاج المرء لأكثر من اللجوء إلى فكرة الشعر التركيبي "الجامع" أو "المشتمل على كل شيء"، تلك الفكرة التي أشار إليها إليوت نفسه في كثير من المواضع(1). غير أنَّ في هذا ضرباً من التهرّب. فمثل هذا "الاشتمال على كلّ شيء" (كما سنواصل تسميته في الوقت الراهن) ينبغي أن يمثّل، بالنسبة للتحليل الأدبي التاريخي، مشكلةً حقيقية تحتاج إلى توضيحٍ من حيث ضرورتها التاريخية وأسلوب عملها. أمّا تحويله بِضَرْبٍ من السحر إلى حلٍّ للمشكلة فلا يفسّر كلّ شيء إلا لأنّه لا يفسّر شيئاً. وهو يسوق المرء إلى الاعتقاد بأنّ إليوت قد وضع بذلك أساس "حقبةٍ" جديدة في تطور الأدب؛ في حين يمكن لهذا المرء أن يعلم، إذا ما كان رصيناً وصاحياً، أنّ العكس تماماً هو الصحيح.rlm;
سوف أحاول في هذه الدراسة أن أطوّر خطّاً مختلفاً من التفكير، وما أطرحه هو أنَّ الأرض اليباب والترتيب الأسطوري الذي يشكّل عمادها(2) (والذي سوف أحدد طبيعته) هما، بالقطع، نتاجان ثقافيان مشروطان، وقلقان، وتقريبيان، والسبب في ذلك هو أنّ إليوت حاول مع الأرض اليباب أن يحلّ في الميدان الأدبيّ مشكلات كانت تتطلّب بدلاً من ذلك تأسيس أنظمة جمالية وثقافية جديدة. أي أنّ إليوت حاول أن يُحْرِزَ مع الشعر نتائج ما كانت لِتُحْرَز إلا مع الثقافية الجماهيرية, حيث يكون من الطبيعي أن تتّخذ، في هذا النظام الرمزي الجديد، معاني إ ضافية مختلفة. ويحاول القسم الثالث من هذه الدراسة أن يقتفي آثار بعضٍ من هذه التطورات والتحولات. ومع أنّ ذلك يمثّل، شكلياً، نقطة النهاية التي يبلغها الاستقصاء, إلا أنَّ هذه الصفحات تظلّ افتراضية إلى حدٍّ بعيد واقرب إلى الأطروحة: غايتها الأساسية الإشارة إلى أنّ التحليل الأدبي ـــ إزاء عدد من الأعمال الأساسية في القرن العشرين ـــ لا يمكنه أن "يصل إلى قرار" إِنْ لم يخرج خارج مجاله "الخاص". وبما أن الأدب بات في حِلٍّ من بعض الوظائف التي انتقلت إلى أنشطةٍ ثقافية أخرى، فإنَّ على النقد الأدبي أن "يتعقّب" هذه الوظائف ويجهد في سَبْر أغوار المعنى الذي يكتسيه هذا التحول. أعلم أنني إذ أقول هذا أخاطر بفقدان كلّ تحديدٍ منهجي وإطلاق كلام ضبابيّ وغائم ـــ الأمر الذي لست واثقاً من أنني لم أجلبه على نفسي ـــ غير أنّ مثل هذه المخاطرة، مع الثقافة المعاصرة الزلقة المتقلّبة، تستحق أن تُخَاض.rlm;
1 ـــ صَوْبَ الأسطورة:rlm;
"[المنهج الأسطوري] هو ببساطة طريقة للتحكّم بتلك البانوراما الهائلة من العقم والفوضى التي هي التاريخ المعاصر، ولتنظيمها، وإعطائها شكلاً ودلالةً"(3). هذا واحد من أشهر أقوال إليوت النقدية، والوصفة النظرية التي تحاول أن تشير إلى البنية العميقة المشتركة بين بوليسيز والأرض اليباب. وأول ما تجدر ملاحظته هو أنّ إليوت يؤمن بضرورة المنهج الأسطوري، إلى درجة أنّه يعزو إليه "الأهمية التي لاكتشاف علمي"، ويقارن جويس بإنشتين ويرى أنَّ "السيد جويس يتّبع منهجاً على الآخرين أن يتّبعوه فيه"، لأنّ العالم الحديث لم يعد من الممكن تمثيله من خلال الشكل الروائي: "إذا لم تكن [يوليسيز] رواية، فذلك ببساطة لأن الرواية شكل لم يعد وافياً...". ومع أنَّ هذه ملاحظة عرضية ـــ أقرب إلى جملة اعتراضية ـــ إلا أنها مفصل حاسم يلقي الضوء على ذلك الطموح وتلك النزعة "الكلبية" اللذين نظر بهما إليوت، في أوائل عشرينيات القرن العشرين، إلى الاتجاهات الكبرى في الأدب الغربي. وتتأتّى الكلبية من أنّ الرواية تُصَفَّى مرّةً وإلى الأبد بتلك الملاحظة الباردة الجليدية التي ترى أنّها "شكل لم يعد وافياً"؛ الأمر الذي سيكرّس لـه إليوت الناقد ـــ وقلّة من النقّاد هم الذين أبدوا ما أبداه من تعدد المواهب وقدرة على التهام كل شيء ـــ جزءاً مهماً من تأملاته في العقود التالية. أمّا الطموح فيتأتّى من أننا إزاء رجل يفكّر على مستوى "الحقب" التاريخية ولا يبدي أي خشية إذ يحسّ بأنه عند بداية طور جديد، أو وخز ضمير من تخلّيه عن الشكل الأبرز على مدى قرنين من الحضارة الأوروبية.rlm;
ولكن لماذا لم تعد الرواية وافيةً؟ "لأنَّ الرواية بدلاً من أن تكون شكلاً، كانت ببساطة تعبيراً عن عصر لم يفقد كلّ شكل بما يكفي لأن يشعر بالحاجة إلى شيء أشد صرامة"، كما يتابع إليوت. دعونا نوضح هذا القول. لقد دخلت الرواية أزمتها الأخيرة ("فقد انتهت الرواية مع فلوبير وجيمس"، كما يستنتج إليوت بعد أسطرٍ ثلاثة) ليس لأسبابٍ من ضمن التطور الأدبي، بل لأنَّ الحقبة التي جعلت الرواية ممكنةً تعاني أزمةً وقد تحولت إلى "بانوراما هائلة من العقم والفوضى". ومع أنَّ إليوت لا يساعدنا كثيراً في فهم خصائص هذه الحقبة التي استسلمت الآن، إلا أنّ الشيء الوحيد الذي يقوله عنها واضح تماماً: إنها "عصر لم يفقد كل شكل بما يكفي"، حقبة كانت قادرة على أن تمنح نفسها شكلاً ـــ نظاماً ـــ دون أن تلجأ إلى النتاجات الأدبية كنماذج للتنظيم. وليس مصادفةً أن تُعرَّف الرواية بأنها "تعبير عن العصر": ثمرة نظام من طبيعة أخرى، ليست شكلاً بالمعنى الدقيق للكلمة، بل تجلٍّ لشكل أساسي يقع تحتها وترتكز عليه.rlm;
ها هنا إطارٌ مرجعيّ ممكن لكي يأخذ سجال إليوت طريقه إلى مزيدٍ من الوضوح. فحكم إليوت على حضارة القرن التاسع عشر يتوافق في نقطةٍ أساسيةٍ مع الأطروحة التي لم تجد صياغتها الكلاسيكية إلا بعد عشرين عاماً في كتاب كارل بولاني "أصول عصرنا"، ومفادها أن القرن التاسع عشر شهد تحقق الفكرة القائلة بأنَّ المجتمع يمكن أن يعمل بطريقةٍ عقلانية ومتماسكة نظراً لوجود آلية اقتصادية محضة، ألا وهي "السوق ذاتي التنظيم": أي آلية تسعى إلى غايات اقتصادية وكمية حصراً، وتكون بذلك متحررة من أي تقييد ينبعث من القيم الرمزية والثقافية. فالمجتمع في هذا النموذج النظري يعمل باستقلال عن الثقافة ويمكنه أن يزعم تالياً ـــ وهنا نعود إلى إليوت ـــ أنَّ بناء العالم الثقافي يمكن أن يكون مرناً نسبياً, ويفسح المجال لظاهرةٍ مثل الرواية التي نادراً ما تكون مُصَاغةً شكلياً.
ليس هذا بالمكان المناسب لكي نقرر ما إذا كانت هذه الأطروحة قائمةً على أساس متينٍ أم لا. والمهم هنا هو أن نلاحظ كيف سيطرت صورة نظرية قريبة من صورة بولاني على أبحاث كثير من المفكرين الأوروبيين في العقود الأولى من القرن العشرين بأشكالٍ على هذا القَدْر أو ذاك من الوضوح. فلو عدنا إلى سنوات الأرض اليباب لَصَعُبَ علينا أن نمرّ مرور الكرام على التشابه بين بعض منطلقات إليوت وذلك الاستقصاء الذي أجراه جورج لوكاش قبل بضع سنوات في كتابة نظرية الرواية. حيث يشير لوكاش، مثل إليوت، إلى أنَّ مكانة الرواية الشكلية أبعد ما تكون عن اليقين: فالدراما "بوسعها...، بطبيعتها الشكلية القبليّة. أن تجد عالماً ربما يكون إشكالياً لكنه يبقى مشتملاً على كلّ شيء ومكتفياً بذاته. لكن ذلك مستحيل بالنسبة إلى الملحمة العظيمة". ولكن، هل ثمّة معنى للكلام على "شكل" إنْ لم يكن "قبلياً"، "متحرراً" إزاء المادة التي يمارس عليها مقدراته التنظيمية؟ يبدو أن لوكاش يعتقد أَنْ لا؛ لكنه يواصل قائلاً: "بالنسبة للملحمة، العالم في أي لحظة معينة هو مبدأ نهائي؛ فهي أمبريقية في أساسها المتعالي الأعمق، والأشدّ حسماً، والذي يحدّد كلّ شيء... ولا نستطيع قطّ، ما دامت ملحمةً، أن تتعالى على طبيعة الحياة المعطاة تاريخياً بما لها من اتساع، وعمق، وكمال، وتنظيم غني ومحسوس... الملحمة والرواية، هذان الشكلان الكبيران من أشكال الأدب الملحمي العظيم، تختلفان واحدتهما عن الأخرى ليس بمقاصد كاتبيهما الأساسية بل بالوقائع التاريخية ـــ الفلسفية التي يواجهها هذان الكاتبان"(4).rlm;
مثل هذه المقاطع وافرة وغزيرة في نصّ لوكاش. ومع أنَّ نظرية الرواية من الكتابة متناقضة أشدّ التناقض, وتشيع فيها رواقية تكوينية، يائسة متهورة ("لقد ابتدعنا إنتاجية الروح... ابتدعنا خَلْقَ الأشكال...")، إلا أنّه ما من شكّ في أنَّ لوكاش يعتقد بأنَّ لعنة "العلاقة الضرورية التي لا تنفصم عراها مع العارض التاريخي الملموس "قد حلّت بمحاولة الروائي الشكلية: وهذا ما يحبط حتماً كلّ تحقق فعليّ. وبذلك يلتقي لوكاش وإليوت في نقطة أساسية واحدة على الأقلّ: هي أنّ شكل الرواية يتوقف على شكل "العهد"، وينحدر معه. وحين يشير لوكاش، في الصفحات الأخيرة من نظرية الرواية, إلى دوستويفسكي بوصفه بشيراً مُحْتَملاً بـ"عالم جديد"، فإنَّ منطقه يجبره على أن يؤكّد بوضوح أن "دوستويفسكي لم يكتب روايات": وهو تأكيد ينبغي أن يُؤْخَذ بخفة حين يكون دوستويفسكي هو المعني، غير أنه تأكيد يبدي بقوةٍ تلك الأعراض التي تميز طموحات لوكاش. فإذا أراد المرء أن يدخل عهداً جديداً من الضروري أن يهجر الرواية. والمشكلة الآن أن نفهم أي شكل أدبي سيحلّ محلّها، وبأي وسائل، ولأيّ غايات.rlm;
لنعد مرة أخرى إلى ما قاله إليوت في العام 1923: "[المنهج الأسطوري] هو ببساطة طريقة للتحكّم بتلك البانوراما الهائلة من العقم والفوضى التي هي التاريخ المعاصر، ولتنظيمها، وإعطائها شكلاً ودلالة". ها هو, أخيراً، ذلك "الشكل القَبْليّ": فثمّة، من جهة أولى، عالم غير عضوي وخالٍ من المعنى، وثمة، من جهة أخرى، منهج لـ"التحكم"، و"التنظيم"، وإعطاء "شكل ودلالة". والعلاقة بين العهد والثقافة التي كانت قد وسمت عصر الرواية قُلِبَت رأساً على عقب: فهنا العهد بلا شكل تماماً، والثقافة ليست سوى شكل، قدرة تنظيمية مجرّدة.rlm;
غير أنَّ إليوت لا يقتصر ـــ كما يفعل وورينغر هيولم ـــ على إبراز ما للشكل الجمالي من طابع مجرّد: "طريقة للتحكم، والتنظيم، وإعطاء شكل ودلالة". فلعلّ المصطلح الأخير أن يكون الكلمة المفتاح في مشروع إليوت الشعري. ومن المهم هنا أنَّ الكلمة هي "الدلالة" وليست "المعنى". فالدلالة كلمة ثنائية التكافؤ تشتمل على فكرة المعنى لكنها تربطها بفكرة "الأهمية"، و"الصلة"، و"القيمة" وتخضعهم لها.rlm;
ودارة القِصَر هذه بين "المعنى" و"القيمة" تضع بحث إليوت في القلب تماماً من أحد التشابكات المفاهيمية بالغة الإثارة التي واجهتها الثقافة الأوروبية عند منقلب القرن. وسوف نبدأ من العام 1892 حيث نشر المنطقيّ غوتلوب فريج مقالةً كُتِبَت لها الشهرة، وعنوانها: "المعنى والمرجع".rlm;
وقد رمى فيها إلى التأكيد على تمييز مزدوج: أولهما هو ذاك التمييز الذي ينبغي تتبّعه في الألسنية، وبين المرجع (الشيء الذي "تُرْجِعُ" أو "تُحِيلُ" إليه العلامة) والمعنى ("طريقة تمثيل" الشيء)؛ حيث يكون لـ"نجمة المساء" و"نجمة الصباح" المرجع ذاته، دون أن يكون لهما المعنى ذاته"(5).rlm;
ومع أنَّ اسم فريج لا يُقْرَن في العادة إلا إلى هذا التمييز الأول، فإنَّ سجاله لا يتوقف هنا:rlm;
"ينبغي التمييز بين مرجع علامة ومعناها وبين الفكرة المصاحبة. فإذا ما كان مرجعُ علامةٍ شيئاً تدركه الحواس، فإنَّ فكرتي عنها هي صورة داخلية، تنشأ من ذكرياتِ انطباعاتٍ حسيّة كنت قد كوّنتها وأفعالٍ، داخلية وخارجية، كنت قد قمت بها. ومثل هذه الفكرة غالباً ما تكون مفعمة بالمشاعر؛ ووضوح أجزائها المنفصلة يتنوّع ويتأرجح. والمعنى الواحد ذاته لا يكون مرتبطاً على الدوام بالفكرة الواحدة ذاتها، حتى لدى الشخص نفسه. فالفكرة ذاتية: فكرةُ شخصٍ ما ليست فكرة شخص آخر. والنتيجة، بالطبع، هي تشكيلة من الفروق في الأفكار المصاحبة للمعنى الواحد. فالرسام، والفارس, وعالم الحيوان قد يربطون باسمٍ ما أفكاراً مختلفةً. وهذا ما يقيم تمييزاً أساسياً بين الفكرة المصاحبة للعلامة ومعنى هذه العلامة، الذي يمكن أن يكون ملكية مشتركة لكثيرين فلا يكون بذلك جزءاً من طريقة العلم الفردي. ذلك أن المرء لا يمكنه أن ينكر أنَّ لدى البشر مخزوناً من الأفكار المنقولة من جيل إلى جيل.rlm;
وفي ضوء ذلك، لا حاجة بالمرء لأن يتحرّج الكلام عن ألــ معنى، أمّا في حالة الفكرة فينبغي له، بكلامٍ أدقّ، أن يضيف إلى من تعود وإلى أي زمن تنتمي. ولعلّ بمقدورنا أن نقول: كما يربط شخص هذه الفكرة، وآخر تلك الفكرة، بالكلمة الواحدة ذاتها، كذلك يمكن لشخص أن يقرن بها هذا المعنى، ولآخر ذاك المعنى. غير أنّه يبقى هنالك اختلاف بطريقة الربط. فليس ممنوعاً على هذين الشخصين أن يلتقطا المعنى الواحد ذاته؛ لكنهما لا يستطيعان أن يمتلكا الفكرة الواحدة ذاتها"(6).rlm;
تطرح هذه الجُمل المشكلةَ بمصطلحاتها الأساسية. فالأمر لا يقتصر على اختفاء كل توافق طبيعي بين المعنى والمرجع، أي بين اللغة والواقع، بل يتعدّى ذلك إلى أنَّ العالم اللغوي ـــ الثقافي ذاته ينشطر بين استقرار المعاني النسبي ويقينيتها وبين العشوائية المطلقة التي تَسِمُ ما يدعوه فريج بـ"الأفكار"، أو ما سيطلق عليه ماكس فيبر بعد بعض سنوات، متّبعاً خطاً مشابهاً من التفكير في مجالٍ مختلفٍ، اسم "القيم". ويمكن مواجهة هذا الوضع الذي رسمنا خطوطه العريضة بطريقتين متناظرتين تماماً. فمن جهة أولى، يمكن للمعنى والفكرة ـــ القيمة أن يظهرا قريبين جداً واحدهما من الآخر ومختلطين، مما يجعل من الصعب التمييز بين حق المعنى (الذي يصبو إلى اليقين العلمي) وحقل القيم (الذي يتّسم بمبادئ وأهداف مختلفة تماماً). ومن جهة أخرى، فإنّ العلاقة بين المعنى (الذي يتّصف عند فريج بأنه بين ذاتيّ على نحوٍ جوهري) والقيمة (التي تشتمل بخلاف ذلك على أعمق الدوافع الفردية) لا تعود راسخةً وأحادية بما فيه الكفاية، ولا يعود بالإمكان ضمان أي تلاحم ثقافي أو استمرارية ثقافية: سواء على المستوى الاجتماعي أم على المستوى الفردي: ذلك أنَّ "المعنى الواحد ذاته لا يكون مرتبطاً على الدوام بالفكرة الواحدة ذاتها، حتى لدى الشخص نفسه".rlm;
ولقد قارب "ماكس ويبر" الجانب الأول من هذه المسألة، ورأى أنَّ من الضروري أن نعلم أنّ ذاتية القيم توجّه كلَّ نشاط فكري ولا يمكن التخلص منها: وبذلك يكون من الحتمي أن تدخل مُثُلنا "في صراع مع مُثُلٍ أخرى مقدّسة لدى آخرين بقدر تقديسنا لمُثُلنا"(7). وإذا ما كان ذلك صحيحاً، فإن مهمة الثقافة تتمثّل في معرفة أنّ "هنالك وسيبقى على الدوام... تمايز لا سبيل إلى سدّه [بين]... تلك الضروب من الحجاج التي تركن إلى قدرتنا على أن نتحمّس لأهداف عملية ملموسة أو أشكال وقيم ثقافية وأن نحققها... و... تلك الضروب من الحجاج التي تركن إلى قدرتنا على، وحاجتنا إلى، أن ننظم الواقع الإمبريقي تحليلاً بطريقة تدّعي الصِّحَّةَ كما لو كانت حقيقةً أمبريقية تجريبية"(8).rlm;
وكما هو معروف، فإنَّ بحث ويبر، على الرغم من إقراره بأنَّ كلّ تحليل اجتماعي ـــ تاريخي مدفوع بـ"مصالحنا" أو "قيمنا"، إنّما يتعمّق في الجانب الثاني للمشكلة، ويحدّد تلك المعايير التي يمكن أن تضمن لضروب الحجاج العلمي "الصِّحَّةَ كما لو كانت حقيقة أمبريقية تجريبية"(9). وهذا يعني أنّ ويبر يهدف إلى تحديد ذلك الانفصال بين حقل المعنى وحقل القيم. غير أنّه قبل عامين فقط على مقالته، كان "هيوغوفون هوفمان ستمال" قد استكشف الجانب الآخر للمشكلة. ذلك أنَّ "رسالة اللورد تشاندوز" تتّبع تفكير فريج خطوة خطوة، إنّما بنبرةٍ سوداوية يستدعيها ضرب من الوحدة الضائعة: "حالي، باختصار، هو التالي: لقد فقدت تماماً كلّ قدرةٍ على التفكير بأيّ شيء أو الكلام عليه بصورة متماسكة.rlm;
في البداية راح يتنامى عجزي التدريجي عن مناقشة أيّ موضوع رفيع أو عام من ذلك النوع الذي يريد الجميع، بكلّ طلاقةٍ ومن غير تردد، أن ينتهز فرصته. وعشت نفوراً لا سبيل إلى تفسيره من نطق كلمات مثل الروح، أو النفس، أو الجسد... تلك المفردات المجردة التي ينبغي على اللسان أن ينتهز وجودها في إطلاق حكم، كانت "تتكرمش" في لساني مثل فطرٍ عفنٍ...rlm;
كنت أمتلئ بغضبٍ لا سبيل إلى تفسيره، ولا سبيل إلى إخفائه إلا بصعوبة، حين أسمع أشياء مثل: لقد سارت الأمور على ما يرام أو بصورة سيئة بالنسبة لهذا الشخص أو ذاك؛ العمدة ن شخصٌ رديء، القس ت رجل صالح؛ المزارع م يثير الشفقة، فأبناؤه أشخاصٌ مبذّرون؛ وسواه يثير الحسد لأنَّ بناته مقتصدات؛ إحدى العائلات ترتفع مكانتها، وأخرى آخذة في التدهور. كلّ 1ذلك يبدو متعذراً على الشرح، كاذباً وفارغاً إلى أبعد الحدود. وأجبرني عقلي على أن أرى كلّ ما يجري في مثل هذه الأحاديث من مسافة قريبة إلى حدٍّ غريب... لم أعد أُفلح في فهم [البشر وأفعالهم] ببساطةٍ كما كنت معتاداً. وبدت لي الأشياء جميعاً مفكّكة إلى أجزاء؛ ولم يعد أي شيء قابلاً لأن تحيط به فكرة واحدة. وراحت تعوم حولي كلمات مفردة؛ وتحدّق فيَّ بعيون جامدة وتضطرني لأن أحدّق فيها، دوامات كانت تصيبني بالدوار وأظلّ أترنح دون أن أقبض إلا على الفراغ.rlm;
حاولت أن أخلّص نفسي من هذه المحنة باللجوء إلى عالم الأقدمين الروحي... أَمِلْتُ أن تعيد إليَّ صِحَّتي أفكارهم المرتَّبة واضحة الحدود. غير أني لم أستطع أن أشقّ طريقي إليها. لقد فهمت جدياً تلك الأفكار: رأيت تفاعلها الرائع يرتفع أمامي مثل ينابيع فاخرة تتراقص فوقها كرات ذهبية. استطعت أن أحوم حولها وأراقب كيف كانت تلعب، واحدتها مع الأخرى، غير أنها لم تكن معنيّة سوى ببعضها بعضاً، وظلّت تلك الخاصية الأعمق، والأشدّ شخصيةً في تفكيري مُقْصَاةً عن هذه الحلقة السحرية. وطغى عليَّ برفقتها إحساسٌ رهيب بالوحدة؛ شعرتُ كما يشعر شخص حبيسُ حديقة محاطة بتماثيل بلا عيون"(10).rlm;
تلك هي أطوار عدمية تشاندوز: في البداية تفقد اللغة كلّ عفوية بالنسبة لمستخدمِها؛ ثمَّ يدرك هذا الأخير طبيعتها "الكاذبة والفارغة" بالمقارنة مع الواقع؛ وأخيراً، وهذه هي الخطوة الحاسمة، فإنَّ التماسك المفاهيمي، على الرغم من سريانه في مجاله وفيما يتعلّق بأهدافه، يبدو الآن عاجزاً عن التوحّد مع "تلك الخاصية الأعمق، والأشدّ شخصية في تفكيري". فلا يعود بمقدوره أن ينتج قيمة: أي أن يؤسّس موقفاً من العالم، ضمن العالم. وسوف نصادف هذه الحالة بعد عشرة أعوام، في المرثاة الأولى من مراثي دوينو:rlm;
غريبٌ، حقاً، أن يكفّ المرء عن الإقامة في الأرض،rlm;
أن يكفّ عن ممارسة عادات لم يكد يكتسبها؛rlm;
ألا يسبغ على الورود، وسواها من الأشياء الواعدة،rlm;
عنى المستقبل البشري؛rlm;
أن يكفّ عمّا اعتاد أن يكونه، في أكفٍّ لا نهاية لقلقها؛ وأنrlm;
ينبذ حتى اسمه،rlm;
مثلما تُنبَذ لعبة محطّمة.rlm;
غريبٌ، ألا يواصل المرء أمانيه. غريبٌrlm;
أن يشهد انحلال الصلات جميعاًrlm;
متطايرةً في الفضاء. وشاقٌّ أن يموت...(11)rlm;
وفي حين تمثّلت المشكلة لدى "ويبر" بإبقاء السيطرة على طبيعة "القيم" النهمة المتخلّلة كلّ شيء، فإن العكس هو الصحيح لدى كلٍّ من هوفمانستال وريلكه. فما يفزعهما ليس تلك القدرة الكلية التي يحوزها النشاط الرمزي لدى الإنسان بل غيابها: "انظروا، الأشجار موجودة؛ والبيوت/ التي نسكنها ـــ لا تزال قائمة. نحن وحدنا نمرّ بها/ مثل نسمة عابرة" (مراثي دوينو، 2، الأبيات 39 ـــ 41). فالمفاهيم تضفر "تفاعلها الرائع" لكن ذلك لم يَعُد يعين تشاندوز في إضفاء دلالة على العالم.rlm;
تلك هي رحم "الكابح" الاستثنائي الذي كان يكبح عالم الأدب النمساوي عند منقلب القرن(12): تَحَفُّظُ من أ درك مدى العقم الذي ينطوي عليه أن تُسْقِطَ على العالم ظلال رغباتك الخاصة المُطَمْئِنَة. وقد يكون لهذا العالم معنى، لكنه بلا معنى بالنسبة لنا: فقد ضاع بدون عودة ذلك التوافق بين القيم والواقع. ويلاحظ فرويد في كتابه الحضارة ومنغصاتها أنّ "المرء لتساوره الرغبة في القول إنّ خطة "الخلق" لا تشتمل حتى على نية أن يكون الإنسان سعيداً"(13).rlm;
هذه الاعترافات الجذرية بـ"انقشاع الأوهام" حيال العالم الإنساني هي الخلفية التي تكتسي قبالتها محاولة إليوت بمعناها الكامل. فهو يريد للقارئ أن يشعر بـ"الراحة" من جديد: بردم الهوة بين المعنى والقيم والواقع. ذلك هو هدف نظرية "المعادل الموضوعي"، تلك النظرية التي تمثّل معقلاً آخر من معاقل فكر إليوت: "إنَّ السبيل الوحيد للتعبير عن الانفعال في شكل فني هو بإيجاد "معادل موضوعي"؛ أو بعبارة أخرى، مجموعة من الموضوعات، أو موقف، أو سلسلة من الأحداث التي يمكن لها أن تكون صيغةً لذلك الانفعال المحدّد؛ بحيث يُثار الانفعال على الفور ما إنْ تُقَدَّم تلك الوقائع الخارجية، التي لا بدَّ أن تنتهي بخبرات حسية"(14).rlm;
والقصد هنا واضح, على الرغم من لغة إليوت النقدية المرواغة دوماً: الشكل الفني هو الوسيلة التي تعيد الارتباط بين التعبير والانفعال، بين المعنى الموضوعي الاجتماعي والقيمة الذاتية. وليس مصادفةً أنّ معظم شعر إليوت الباكر يمثّل محاولةً ـــ فاشلةً، في حينها ـــ لإقامة ذلك الارتباط. "من المستحيل أن أقول ما أعنيه تماماً"؛ "وعليّ أن أستعير كلَّ هيئة متغيّرة / لكي أجد تعبيراً"؛ "بعد معرفةٍ كهذه، أي غفران يُرتجى؟"(15). هذه الأبيات علامات على ضرب من الجمود أو استحالة الحركة، ظلَّ قائماً حتى العام 1922، حين كان إليوت لا يزال يستخدم ما ينطوي عليه "الصوت الفردي" من وظيفةٍ غنائية تقليدية. ومع أنَّ هذا الصوت راح يحتجب ويفقد فرديته شيئاً فشيئاً ـــ من بروفروك إلى السارد الغفل في لوحة وجيرونشن ـــ إلا أنه ظلَّ حاضراً، من وجهة نظر النحو والثقافة، بوصفه "أنا": الذي ليس سوى واحد من الذوات الكثيرة التي يمكن أن تستخدم اللغة. وهو عنصر يظلَّ على علاقةٍ جزئيةٍ وعارضةٍ بعالمي المعنى والقيمة، ولذلك لا يمكن أن يطمح إلى أن يكون حاملاً تلك الرابطة التي تصحّ على الجميع والتي أراد إليوت ـــ في مقالته عن هملت كما في مقالته عن يوليسيز ـــ أن يقيمها بين هذين الحقلين. ولكي يحقق هذا الهدف كان عليه أن يبلغ الأرض اليباب، وتلك السِّقالة الأسطورية التي تشكّل أساسها.rlm;
غالباً ما توصف الأرض اليباب بأنها "عمل جامع": كما لو أنها قادرة على استيعاب كلّ ضربٍ من ضروب المواد مهما اختلفت وتغايرت، والكلام على كلِّ ما في الوجود دون أن تقيم أيّ تمييز بين "الأساليب" أو المستويات. ومن الواضح تماماً بالنسبة لي أنَّ هذا ليس سوى تبرير ساذج: لكننا، إذا ما استطعنا أن نترجمه بمصطلحات نقدية أشدّ صرامةً، نجد أنه ينطوي على بذرة من الحقيقة. ذلك أنَّ الأرض اليباب تشيع الإحساس بأنها "جامعة" ليس لكونها تحتوي "كلّ شيء"، بل لأنَّ لعناصرها جميعاً، علاوةً على معناها "العادي" إلى هذا الحدّ أو ذاك ـــ والذي لا يمكننا سوى على أساسه أن نعتبر هذه العناصر متغايرة وتفتقر إلى العلاقات المتبادلة ـــ معنىً مجازياً آخر يُسْتَمَدُّ من البنية الدلالية العميقة للقصيدة, حيث تكون هذه العناصر، على العكس، متجانسة ومترابطة. وبعبارة أخرى: ثمّة سُنَّة في الأرض اليباب تتيح تمثّل عناصر مستمدّة من سنن مختلفة: والصفة "الجامعة" التي تظهر على سطح القصيدة هي نتيجة هذا الإجراء الشكلي العميق: حيث يعمل هذا الإجراء، بدوره وبصورةٍ جوهرية، كنظام أسطوري: "تكمن الوظيفة الدلالية لأسطورة تكمل في قدرتها على أن تبيّن أنّ ثمّة تشاكلاً دقيقاً بين أنظمة مختلفة (كالنظام الكوني، والثقافي، والحيواني، والمناخي، والاجتماعي...، على سبيل المثال)... كلّ أسطورة... ينبغي النظر إليها بوصفها سنّة بينية حقيقية مُقَدَّر لها أن تتيح إمكانية التحول المتبادل بين المستويات المختلفة"(16).rlm;
هذه، إذاً، أولى تجليات "المنهج الأسطوري" الشهير: ففي الأرض اليباب يُخْلَق نظام حقيقي من التشابهات الدلالية، مختلف تماماً عن الاستعارات (ولعله أشدّ "كذباً" من بعض النواحي) التي نجدها في القصائد الباكرة، التي كانت مناسباتية صرف،ن وعاجزةً، إذاً، عن أن تفرض معنى موحَّداً على مكوّنات النصّ المختلفة. بيد أنّ الأمر لا ينتهي هنا فالنظام الأسطوري، بسببٍ من قدرته على إقامة صلاتٍ منتظمة بين مستويات التجربة الإنسانية المختلفة، يحلّ أيضاً تلك العلاقة الإشكالية بين التعبير والانفعال، والمعاني والقيم، والوصف والتقويم: "تقيم رموز العقل البريّ صلةً بين مستويين متميزين: بين مستوى صور الكائنات الطبيعية وخصائصها الحسية من جهة أولى ومستوى المعاني التي تنسبها كلّ سنّة رمزية إلى عناصر العالم الطبيعي المختلفة من جهة ثانية... وهذه الخصوصية تنتج أيضاً ذلك الضرب من المراوغة الإيديولوجية التي تلعب دوراً مركزياً في الفكر الأسطوري... إنه لمن السهل أن نُسَاق إلى الاعتقاد، في حالة الأسطورة، بأنَّ المعاني متأصّلة بطبيعتها في الأشياء، وبأنها مستقلّة إذاً عن كلّ إرادةٍ بشرية وكل تدخّل بشري"(17).rlm;
وفي صيغةٍ تلخيصية نستمدّها من كلود ليفي شتراوس: "لا يميّز الفكر البرّي بين لحظة الرصد ولحظة التأويل..."(18). وهنا يمكن لنا أن نقفل الجزء الأول من سجالنا. فاستخدام النظام الأسطوري يتيح لإليوت أن يطور برنامجاً شعرياً يهدف إلى برء واندمال ذلك الانقسام بين أحكام الواقع وأحكام القيمة، أن يقيم مكانه شكلاً من الاتصال والإدراك لا يمكن فيه التمييز بين الحالتين. كما يتيح ذلك أيضاً حلّ المشكلة الأساسية في كتاب لوكاش "نظرية الرواية": كيف يمكن أن نعيد بناء صورة للعالم بوصفه "كلّية ملموسة" تتجدد فيها "محايثة المعنى" الكاملة: أي يكفّ فيها المرء عن ملاحظة ذلك التباين بين العالم "كما هو عليه"، كمعطىً أمبريقي، و"مُثُله" الخاصة. فبذلك يغدو هذان المستويان متعالقين أصلاً: تغدو المُثُل راسخة أصلاً في بنية العالم كما يقدّم ذاته للإدراك، ذلك أنَّ النصّ الأدبي يصف مساراً تأويلياً يتوحّد فيه "الفهم الموضوعي" مع إجماع الآراء المثالي، أو "إرضاء ذاتية" القارئ(19).rlm;
ولو عدنا خطوة إلى الخلق، فإنَّ الأسطورة تضمن أن تكف الثقافة عن كونها مجرد بنية فوقية إزاء "الحياد" الرمزي ـــ وتالياً الاضطراب المحتمل ـــ الذي يبدو عليه الوجود التاريخي: بل تقدّم ذاتها على أنها نظام قيمة يتخلّل "الدلالة" ويسبغها، وبذلك يؤنسن كلّ تجليات ذلك الوجود. وسوف نرى أنَّ العلاقة بين التاريخ والقيم، بين الزمن والأسطورة، تشكل حجر الزاوية في الأرض اليباب.rlm;
2ـــ على طاولة مدام سوزوستريسrlm;
واحدٌ من أول الأشياء التي تلفت الانتباه عند قراءة الأرض اليباب هو حمولتها الهائلة من المراجع والإحالات الأدبية. وسواء كانت هذه المراجع مقتبسات فعلية، حاضرة بما يشير إلى أنها كذلك (الأقواس أو الإشارات التي تشير إلى أبيات مستمدَّة من أعمال أخرى، دون أن تُنْسَب في العادة إلى أي من "أصوات" القصيدة)؛ أو مقتبسات "مُعَدَّلَة" وضمنية، لم يُنَقَّب عنها إلا بعد عقود من العمل النقدي الدؤوب والصبور (كما هو الحال في الأبيات الثلاثين الأولى من القسم الثاني)، فإنّه يبقى هنالك شيء واحد أكيد: دون مثل هذه السِّقالة الأدبية ما كان يمكن تصوّر الأرض اليباب.rlm;
ولقد سبق للنقد أن أوّل لجوء إليوت إلى شذارتٍ مُسْتَمَدَّة من التقليد الأدبي بطرائق شتّى كثيرة. غير أنّ أحداً، على حدّ علمي، لم يَرَ في ذلك واحداً من الإجراءات النمطية ـــ بل الاضطرارية ـــ التي يلجأ إليها المنهج الأسطوري الشهير. ومما يلقي الضوء على هذا الأمر الفصل الأول في كتاب "كلود ليفي شتراوس" الفكر البرّي؛ إِذْ يمكن على نحوٍ مبرَّر ومنطقي أن نوسّع التشابه بين البناء الأسطوري والحرتقة بحيث يمتد إلى الأرض اليباب. فإليوت، مثل المُحَرْتِق ينتزع عناصر معينة (جملاً أو أبياتاً في الغالب) من كلّيات منظّمة لها طبيعتها المختلفة، مختاراً منها على وجه الدقة تلك العناصر القادرة على أن تؤدي، ضمن البنية الجديدة التي هي الأرض اليباب، وظيفةً جديدة، تبتعد إلى هذا الحدّ أو ذاك عن وظيفتها الأصلية. "الفكر الأسطوري، ذلك "المُحَرْتِق"، يقيم بنىً عن طريق الملاءمة والجمع بين أحداث، والأحرى بقايا أحداث... شواهد متحجّرة على تاريخ فرد أو مجتمع"(20). يستخدم ليفي شتراوس هنا مصطلح "البقايا"، وهو مصطلح دأب نقّاد إليوت على استخدامه بالقدر ذاته من الغموض. غير أنَّ التحليل الذي نجده في الفكر البرّي قد يساعد على إيضاح معنى هذا المصطلح: فلو اتّبعنا تسلسل أفكار "ليفي شتراوس"، لوجدنا أنَّ "الشذرة" التي يستخدمها الخطاب الأسطوري (والأرض اليباب) كيانٌ ذو وجهين أو جانبين. حيث يمكن أن ندعوها "شذرة" ـــ ونشدد بذلك على عدم اكتمالها وصعوبة مغاليقها ـــ حين ننظر إلى سياقها الأصلي: وما يبرز للعين، في هذه الحالة، هو ضياع المعنى، وذلك البتر الذي خضع لـه العنصر المعنيّ. أمّا حين ننظر إليها في سياقها الجديد، فنصادف حالةً مختلفةً تماماً؛ إِذْ تغدو "الشذرة" وظيفةً: فما يلفت الانتباه ليس أنّها منخلعة ومنهوشة، بل أنها تمتلك معنى ودوراً واضحين دقيقين، وأنّها تسهم على نحوٍ فاعل في تركيب كُلٍّ مُنَظَّمٍ جديد.rlm;
كذلك تتكشف مواد بناء الأرض اليباب وتبين عن ذاتها في ضوءٍ مزدوجٍ ومتكامل في آنٍ معاً: فهي "شذرات" و"معانٍ غير مكتملة" حين يُحْكَم عليها بالإحالة إلى التقليد الأدبي؛ وهي "وظائف" و"دوال وافية" حين يتحول الاهتمام إلى القصيدة، أو إلى الأسطورة. وبذلك يعمل بناء الأرض ليباب على إدراج القارئ في ضربين متزامنين من التقويم: فهو، من جهة أولى، يجعل التاريخ يبدو حطاماً متراكماً، وسيرورةً نابذةً وغير مفهومة؛ وهو، من جهة ثانية، يقدّم البنية الأسطورة كنقطة ارتكازٍ وإعادة تنظيم لهذا التسلسل الذي لا نهاية له. هكذا يبدو الحسّ التاريخي والإيمان بالأسطورة معيارين للتقويم متناسبين عكسياً: فكلما بدا الماضي بلا معنى أو اتجاه، ازدادت قدرة حاضر الأسطورة الأبدي على امتصاص كلّ طاقة دالّة وإدراجها ضمنه. ويلاحظ ليفي شتراوس أنَّ "...الغايات القديمة هي التي تُسْتَدْعى على الدوام لتلعب دور الوسائل: وبذلك يتحوّل المدلول إلى دالّ..."(21) وباختصار: إذا ما كان العالم الغربي قد طوّر ـــ بخلاف "الفكر البري" ـــ ثقافة ذات تاريخ، فإنَّ ذلك لا تكون لـه قيمته في عينيّ إليوت إلا بقدر ما يمكن تفكيكه، واستخدام بقاياه في بناء أسطورة"(22).rlm;
وهذا خَفْضٌ جذريّ لقيمة التاريخ لا تكفي لتفسيره ميول إليوت المحافظة. فالهدف الحقيقي لـ الأرض اليباب ليس إضفاء طابع المثال على أي عهد سابق محدَّد بغية التنديد بالحاضر أو أيّ ملمح من ملامحه، ثمّة شيء آخر في موضع الرهان: هو قَلْبُ تلك الطريقة التي تنظر بها الحضارة الغربية إلى السيرورة التاريخية رأساً على عقب. فالتاريخ ينبغي أن يُكَفَّ عن النظر إليه بوصفه مُبْرماً فيما يتعلّق بالماضي، وبوصفه غير قابل للتنبؤ به فيما يتعلّق بالمستقبل، بل ينبغي النظر إليه على أنّه آلية دورية، وساكنة، إذاً, في جوهرها: فهي تفتقر إلى بُعْدٍ زمنيّ حقيقيّ. وهذا التاريخ "السرمدي" لابدّ أن يكون لـه عندئذٍ معنى مختلف جداً عن ذلك المعنى الذي يُنْسَب إليه في العادة. ولن يكون عندئذٍ ذلك النطاق الذي تولد فيه قيم مختلفة، وتواجه بعضها بعضاً، وتزول في صراعٍ متواصل يستحيل التنبؤ بنتيجته. وسوف يكفّ عن كونه ذلك التجلي الصريح للكيفية التي تكون بها كلُّ قيمٍ مفردة وثابتة، بتنويعاتٍ لا قيمة لها ويمكن تجاهلها. وسيكون أيضاً "موضوعياً"، على طريقة البنية الأسطورية: ففي هذه البنية، يكون لكلِّ" فعل إنساني ممكن معناه الخاص القَبْليّ والوحيد، والذي يُعْرَف ويُقْبَل كونياً على أنه كذلك. وهكذا لا يكون "إيقاف" التاريخ سوى الخطوة الأولى، والوسيلة الضرورية، على طريق تحقّق مشروع أشدّ طموحاً بكثير: استعادة ثقافة مفردة, موحَّدة, وقاطعة إذا جاز القول.rlm;
"ثمّة، إذاً، ضَرْب من التنافر الأساسي بين التاريخ وأنظمة التصنيف. وهذا ما قد يفسّر ما يعزى بتسميته الخلاء الطوطميّ"، ذلك أنَّ هنالك غياباً ملحوظاً ضمن حدود الحضارات الكبرى في أوروبا وآسيا لكلّ ما يمكن أن يحيل إلى الطوطمية، حتى لو كان على هيئة بقايا. ولا شكّ أنّ السبب في ذلك هو أنَّ هذه الحضارات اختارت أن تفسرّ ذاتها بواسطة التاريخ، ومثل هذا المسعى لا ينسجم مع ذلك التصنيف للأشياء والكائنات (الطبيعية والاجتماعية) في مجموعات متناهية. كلّ المجتمعات في التاريخ في حالٍ من التغيّر. لكن المجتمعات ترتكس لهذا الشرط المشترك بطرائق مختلفة جدّاً. فبعضها يقبله، عن طيب خاطر أو عن سواه، وتسترعي نتائجه (عليها وعلى غيرها من المجتمعات) قسطاً هائلاً من الاهتمام. أما بعضها الآخر (ممّا ندعوه بالبدائي لهذا السبب) فيريد أن ينكره ويحاول، بمهارةٍ نستخفّ بها، أن يجعل حالة تطوره، التي يعتبرها "قَبْلية"، دائمةً قدر الإمكان"(23).rlm;
في لندن ما بعد الحرب، شرع إليوت بهدم هذا الجانب على وجه التحديد من جوانب الحضارة الغربية. فإذا ما كانت الأسطورة، حيث تلتفت إلى الماضي، تُفْسِدُ ترتيب مجرى التاريخ إلى درجة أنه لا يعود بالإمكان التعرّف إليه فإنها حين تلتفت إلى المستقبل تكون الأداة المثلى لانتقاء الأحداث التاريخية مسبقاً، وتخليصها بذلك من كلّ انعدام لإمكانية التنبؤ بها. وإليوت لا يخضع بأي حال من الأحوال لفتنة "السعي وراء الجديد": وهنا يمكن، بالمناسبة، قياس المسافة التي تفصله عن الطليعيين, الذين التزم إزاءهم الصمت المطبق. ذلك أنَّ "الجديد" لا يمكن قبولـه إلا إذا أُدْرِجَ في إطار رمزي يهبه موقعاً ومعنى قَبْلياً، على نحوٍ يحيّد جدّته بأشدّ ما يكون التحييد.rlm;
ومن المؤكّد أنَّ إليوت لم يكن الوحيد الذي اتّبع هذا السبيل، فصورة التاريخ ـــ تاريخ الماضي، كما تاريخ المستقبل ـــ التي تنطوي عليها بنية الأرض اليباب العميقة كان قد سبق لها، قبل عدد من السنوات، أن وجدت تجسيدها القوي في عمل تأريخي على وجه التحديد: هو تدهور الغرب لأوزوالد شبنغلر. حيث يقول هذا الأخير: "تنتمي الرؤيا التاريخية الحقيقية... إلى ميدان الدلالات [يستخدم المترجم الإنجليزي المصطلح ثنائي التكافؤ الذي استخدمه إليوت في مراجعة يوليسيز]، الذي لا تتمثّل الكلمتان الحاسمتان فيه بـ"الصحيح" و"الخاطئ"، بل بـ"العميق" و"الضحل"... الطبيعة تُعالَج علمياً، أمّا التاريخ فشعرياً"(24). هكذا تعود تشكّلات القيمة ـــ ثابتة دون تبديل ـــ في كلّ عهد تاريخي: حيث يكمن الطموح العظيم لكتاب تدهور الغرب في "إظهار أنّ الإبداعات والأشكال العظيمة جميعاً دون استثناء في الدين، والفن، والسياسة، والحياة الاجتماعية، والاقتصاد، والعلم تظهر، وتتحقق، وتخمد على نحوٍ معصرن [وأشخص العصرنة بكل واقعتين تاريخيتين تحتلان في ثقافتيهما موقعين ـــ نسبيين ـــ متماثلين تماماً، فيحوزان تالياً أهمية متساوية تماماً"] في جميع الثقافات؛ بحيث تتوافق البنية الداخلية لكلّ منها ذلك التوافق التام مع بنى الأخرى جميعاً..."(25).rlm;
يتمثّل الوجه اللافت بين أوجه هذا الخطّ من التفكير في أنّ مبدأ السببيةrlm;
ـــ الذي يشكّل الأساس الحقيقي لكلّ تأريخ يتّسم بأيّ قَدْر من الطموح العلمي ـــ يختفي من دون أثر. فما من حدث في اللوحة العامة التي يرسمها شبنغلر وإليوت يمكن أن يكون قادراً قطّ على تشكيل "مشكلة" يقتضي حلّها تحديد الأسباب التي تقف وراءها، وذلك لأنَّ الأحداث جميعاً معروفة مسبقاً، وجميع نتائجها موصوفة ومحدّدة. إنه عالم مسحور: لا شيء يحدث فيه. وهذا السكون على وجه التحديد هو ما يسبغ الفتنة والسحر على صور "التاريخ" هذه. وهو، كما لاحظ لوسيان فيفر، "ما جلب النجاح لشبنغلر. ليس نجاح المؤرّخ الذي يحلل ويستنتج، بل نجاح المتنبئ والساحر، والرائي... فالقارئ العادي يُؤخَّذ بتملّق حبّه الفردي والراهن لذاته. ومن المؤكَّد أنّه، كبرجوازي صغير بروسيّ أو ساكسوني، ليست لديه تلك الروح الفاوستية؛ لكنه يتوق إليها ويتوهّم أنه يمتلكها..."(26).rlm;
هكذا يقدّم شبنغلر وإليوت لقارئهما فرصة المساهمة في عودة القرون الأثرية والمتحجّرة. فيشعر مرّة أخرى بأنه منغمس في جوٍّ مُفْعَمٍ بالمصير: قد ضاعت كل حرية، من غير شكّ، لكن الوجود يستعيد تلك الهالة الرمزية والمترعة بالمعنى التي بدا أنها فُقدت دون رجعة. والتعطّش إلى المصير هو نقطة الانطلاق في ذلك المقطع الذي لعلّه أشهر المقاطع في الأرض اليباب، مقطع كشف الطالع الذي تقوم به البصّارة المشهورة مدام سوزوستريس (الأبيات 43 ـــ 59). فعلى طاولة البصّارة، يتّخذ مثال التاريخ الدوريّ شكله الأبرز، وتجد الشخصيات، والمواقف، والتطورات نفسها قائمة في تشكيل يتحكم به التزامن: ورقة تحت أخرى، أو إلى جانب أخرى، في ترتيبٍ يذكّر بطريقة تنظيم المواد الأسطورية التي أَحْكَمَهَا ليفي شتراوس لكي يفسّر المفارقة الزمنية المتأصّلة في الأسطورة، حيث يتصف الزمن الأسطوري بأنه "مُرْتَجَع ومُبْرَم في آنٍ معاً، تزامني وتعاقبي"(27). وهي مفارقة لا يمكن حلّ عقدتها إ لا بـ"ترجمة" تدفّق الزمن إلى حدود مكانية، أي إلى ذلك البعد الذي لا يعرف أيّ زمنية. "الزمن، يا بنيّ، يغدو هنا مكاناً": لعلها ليست مصادفة أن نجد هذا البيت في بارسيفال "لواغنر"، ذلك العمل الذي يدور أيضاً حول الكأس المقدسة، قبل الأرض اليباب بأربعين سنة.rlm;
طاولة مدام سوزوستريس هي مركز الأرض اليباب. ومثل آلاف الحضارات في فلسفات التاريخ الدوريّة أو سلاسل الفكر الأسطوري المتناهية والمتشاكلة، فإنَّ الأبراج ورموز ورق "التاروت" تتبدّى بذلك الانتظام الثابت، ضمن نظام مهيب وأليف في آنٍ معاً. ولقد لاحظ أدورنو أنّه: "بِقَدْرِ ما يكون النظام الاجتماعي "قَدَرَاً" لمعظم الأفراد مستقلاً عن إرادتهم ومصلحتهم، فإنّهم يسقطونه على النجوم لكي يحرزوا بذلك درجةً أعلى من الكرامة والتبرير يأمل هؤلاء الأفراد أن تكون لهم حصتهم فيها"(28). إنَّ إعادة تكريس التجربة اليومية، بِقَدْرِ الإمكان، هو المسعى المشترك الذي تتقاسمه جميع أشكال الفكر التي تفحصّناها إلى الآن. وإذا ما كان هذا الطموح يتكشّف، في الأرض اليباب, عبر كلماتٍ فارغةٍ تطلقها دجّالة مشعوذة، فلا ينبغي لذلك أن يضللنا: فعلى الرغم من السخرية الظاهرة على السطح، إلا أنَّ "...جميع الرموز الأساسية في القصيدة تبرز هنا... و"قراءة الطالع"، التي يأخذها جمهور القرن العشرين على محمل السخرية، تغدو حقيقة كلما تقدّمت القصيدة..."(29)، كما لاحظ كلينث بروكس بدقّة شديدة. وخلاصة القول، إنَّ الخرافة تغدو حقيقة في الأرض اليباب.rlm;
يلقي مقطع مدام سوزوستريس الضوء على موتيف حاسم آخر من عقود الأرض اليباب: التعامل مع "الشخصيات" الأدبية، أو لمزيدٍ من الدقّة، تَحَلُّل هذا العرف في قصيدة إليوت. ذلك أنَّ "الشخصية" الحديثة ـــ التي هي شخصية روائية بصورة أساسية ـــ تغدو ممكنة حين تتغير تدريجياً بتقدّم السرد تلك الصفات التي تحددها، وتلك القيم المحمولة لديها بهذا القَدْر أو ذاك من الوعي. وهذا يعني أنها تحتاج إلى بنيةٍ لا يكون فيها محور التركيب ـــ البعد الزمني ـــ مقتصراً على كشف التقابلات التبديلية التي انطلق منها، بل يسهم في تعديلها وإنتاج تقابلات جديدة. فما أنْ يتحطّم ذلك الثبات الأصلي في البيكارو، حتى يجد بطل الرواية نفسه في قلب السيرورة تماماً: فإذا ما كان نسطور يظلّ الحكيم على الدوام، فإنَّ ولهلم مايستر سوف يترك لآخرين أمر "تربيته" على قيمٍ تختلف أشدّ الاختلاف عن تلك التي انطلق منها، وسوف يتبع راستيناك، مع التعديلات اللازمة، مساراً مماثلاً.rlm;
وبعبارة أخرى، تبرز الشخصية بقدر ما تحرر نفسها من المحدوديات المتأصّلة في "الأدوار" ـــ الاجتماعية قبل الأدبية ـــ التي تميّز أشكال المجتمع السكوني جميعاً. ذلك أنَّ "الدور" يعيّن بالضبط عدداً من الوظائف المقيّدة، المتجانسة، والثابتة: أمّا "الشخصية" فتتطور، بخلاف ذلك، ككيان متغيّر ومتغاير. والحال، أنَّ إليوت يتعامل مع هذا الأمر أيضاً ذلك التعامل الفظّ العنيف الذي تقتضيه بنية الأرض اليباب الكلية. فما يعنيه "احتواء" رزمة ورق التاروت على جميع شخصيات القصيدة (كما يشير إليوت نفسه في ملاحظة على البيت 46، ولكي نبدّد كل شكّ) هو، بكل بساطة، أنَّ خصائصها وعلاقاتها الممكنة قد أُسْبِغَت عليها وتحددَّت مرة وإلى الأبد. فالأوراق ليست، في الحقيقة، سوى تمثيلات رمزية لأدوار اجتماعية ـــ ثقافية معينة يُرى أنّ لها أهمية خاصة: فشخصيات الأرض اليباب لا توجد إلا لكي تعيد تجسيد هذه الأدوار وتثبت صحّتها وسريانها. وهي أمثلة أو نماذج أكثر منها شخصيات: مجرد تجليات لنظام محدَّد مسبقاً، وليس مصادفةً أننا لا نجد في الأرض اليباب من يتأمّل ذاته ويفكّر فيها، على العكس من بروفروك، والسارد في صورة وجيرونشن: فحين يكون معنى الوجود مترسّخاً مسبقاً في موقع الفرد الموضوع، لابدّ أن يغدو بُعد الشكّ أو الفضول الذاتي مجرد بعد سطحي زائف، دون أسف على شيء(30).rlm;
هنا يبرز ذلك العداء الجذريّ الذي يكنّه إليوت للفردانية(31). حد الإلحاح ذاته، في البحث عن الكأس المقدّسة وما لـه من مجرى منفرد إلى أبعد الحدود، لا يمكن أن يصل إلى خاتمة إلا باختفاء الذات الفاعلة التي تقوم به: ففي القسمين الأخيرين من الأرض اليباب لا يقتصر الأمر على أنه لا يعود من الممكن أن نتبيّن أيّ "شخصية"، بل يتعدّاه إلى أنَّ ضمير الشخص المتكلّم ذاته لا يكاد يستخدم نهائياً(32). وبذلك، فإنَّ " المنهج الأسطوري" الذي ساعد على الحدّ من دور التأويل الفردي، واستبدل به إدراكاً "فورياً" للمعادِلات "الموضوعية" الكونية، يعمل ضمن القصيدة ذاتها على إزالة ذلك العرف الذي يفرّد الشخصية الأدبية من خلال تسويتها على قدّ الرمز غير الشخصي في ورقة التاروت.rlm;
وهذه "التضحية" بالفردية هي ما يقتضيه على نحوٍ ضروري قيام العالم ما بعد الليبرالي: التضحية التي تفتتح عمل سترافينسكي "شعائر"، وتختتم رواية كافكا "المحاكمة". وإذا ما كانت تضحية الربيع الأرض اليباب شاحبة بعض الشيء، إلا أنها تظلّ عنيفةً ومؤثّرة على الرغم من ذلك. وإليوت، الذي يلمح إليها في بداية القسم الأول من مقطع مدام سوزوستريس (العرّافة المعاصرة)، يعود إلى تكرارها، بنوع من حسّ التناظر الشديد، حوالي نهاية

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف