الموشح الاندلسي بين الاصالة والابداع
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
وبعد ان يشرح القسمين حيث الاول ما جاء على بحور الشعر المعروفة وهو المرذول، والثاني ما خالف اوزان العرب، يتوقف امام لسان الدين بن الخطيب حيث يصدح بـ (جادك الغيث اذا الغيث هما يا زمان الوصل بالاندلس) حيث يقول عنه: في هذا الموشح تتجلى صورة من صور اصالة الموشح الاندلسي، كما يبدو فيه ابداعه، وستستثمر موشحات اخرى لهذا الغرض او ذاك.
وبعد ان يطرح مجموعة اسئلة حول اصالة الموشحات يقول: لقد كان لسان الدين الخطيب اصيلا الى درجة واضحة وكان مبدعا بدرجة اوضح في موشحه (جادك الغيث) ثم يشرح انموذجات اندلسية مشيرا الى (غلبت المقدمة الطللية على شعراء الجاهلية والاسلام والامويين، بل غلبت على شعر بعض شعراء العباسيين الذين سخر منهم ابو نؤاس في مثل قوله:
راح الشقي على دار يسائلها
ورحت اسأل عن خمارة البلد
وهو ما دفع بعض الشعراء العباسيين ومن جاء بعدهم الى تجنب هذه المقدمة وعدها عيبا، وتسويغ هذا كله نقديا، فلما جاء ابن الخطيب وجد كل هذا مستقرا نظما ونقدا، لكن وجد مبدعين تجرأوا على خرق هذا كله ومنهم الوشاح الاندلسي البارز (ابراهيم بن سهل الاشبيلي) الذي ابدع منحرفا عن هذه القاعدة حين قال في موشحه المشهور:
هل درى ظبي الحمى ان قد حمى
قلب صب حله في مكنس
فهو في حر وخفق مثلما
لعبت ريح الصبا بالقبس فكلمات (ظبي، الحمى، مكنس، الصبا) كلها فصيحة صحيحة سهلة الا انها بدوية مما في جزيرة العرب، فأين الظباء والحميات ومكنس وريح الصبا في الاندلس، انها مقدمة طللية بشكل ما لكنها بديعة في موشح يريد ابن الخطيب ان يعارضه، فاذا به يأتي بمقدمة ليست من الجاهلية ولا البداوة في شيء لكنها تذكر بهما حين قال:
جادك الغيث اذا الغيث همى
يازمان الوصل بالانداس
لم يكن وصلك الا حلما
في الكرى او خلسة المختلس
سلمي يا نفس في حكم القضا
واعمري الوقت برجعي ومتاب
واتركي ذكرى زمان قد مضى
بين عتبي قد تقضت وعتاب وابن الخطيب وغيره من الاندلسيين يتناصون في (طلب السقيا) مع سكان جزيرة العرب، ومن نحن نحوهم من الشعراء، غير ان الباحث يلاحظ تناصا قريبا مكانا، بعيدا زمانا بين ابن الخطيب في مطلع موشحه المتقدم (الفقل الاول) وقول ابن زيدون في نونيته: ليسق عهدك عهد السرور فما
كنتم لارواحنا الا رياحينا
او قوله:
يا ساري البرق غاد القصر واسق به
من كان صرف الهوى والود يسقينا
وهما في الموضعين ينوحان على زمن جميل انقضى ولا امل في عودته مستعملين الفعل الماضي الناقص لفظا كما فعل ابن زيدون اذ قال (كنتم) او (كان) او معنى فعل ابن الخطيب حين قال (لم يكن).
ويذهب المحاضر في شرح تفاصيل العديدة للموشح حتى يصل الى الحديث عن (لغة الموشح) فيقول: كان الوشاحون يتظرفون اذ يتساهلون في لغتهم بمسائل النحو والتعبير حتى قال د. جودت الركابي: (اصبح الشاعر الوشاح لايجد حرجا في التساهل اللغوي طالما ينبغي ارضاء الاذواق العامة)، اما ابن الخطيب فقد بدأ لغويا كبيرا ونحويا بارعا، قلما اخطأ اللغة والنحو في موشحه تبيانا لقدرته الابداعية عبر الاصالة، لكنه ماشى الوشاحين اذ اجوز قليلا ومما تجوز به في موشحه هذا قوله في الدور التاسع مادحا (الغني بالله) امير غرناطة الذي استوزره:
مصطفى الله سمي المصطفى
الغني بالله عن كل احد
كلمة (الغني) هنا نعت للمصطفى وهو مرفوع، فحق نعته الرفع وعلامة رفعه ضمة ظاهرة على ياء مشددة، الا انه لم يشددها ولم يظهر الضمة مجاراة للوشاحين وانسجاما مع متطلبات الوزن.
ثم يأتي المحاضر الى شرح امثلة اخرى، عبر جداول نظمها وقام بعرضها على الشاشة لتوضيحها للحضور من خلال بحور الشعر والاوزان الخليلية، قائلا في ختام حديثه (لو درس كل ما تقدم على حده لبدا تنوع موسيقي جذاب لا حد له داخل وزن واحد من اوزان الخليل هو بحر الرمل خلافا للوشاحين الاندلسيين ونقادهم واتفاقا معهم).
بعد ذلك راح المحاضر يتحدث عن (اختتام الموشح) بدأه بقول للشاعر الدكتور محمد مهدي البصير (ومما سنه القوم في اكثر الموشحات مدح ان يختتم الموشح بالغزل ويخرج من المدح اليه كما خرج اليه منه، وهذا هو الاكثر من عملهم والاظهر من مذهبهم) فقال: (فأذا ما نظرنا الى ما فعله ابن الخطيب وجدناه يصرف ثمانية اقفال وسبعة ادوار من موشحه الى الغزل ثم يبدأ المدح في الدور الثامن) وبعد ان يعطي عددا من الامثلة على ذلك ينهي محاضرته بقوله: هكذا يتجلى ابداع الوشاحين الاندلسيين ومنهم لسان الدين بن الخطيب الذين خلدوا عبر الاصالة، فلا ابداع بلا اصالة، ولا اصالة بلا ابداع، فكل اصيل مبدع وكل مبدع اصيل). ومع التصفيق الذي اهدى فيه الحاضرون تحياتهم وثناءاتهم للمحاضر جاءت المداخلات لتثني على المحاضرة القيمة التي اعادة الى الاذهان جمالية الموشح والحنين الى الاندلس وزمان الوصل في الاندلس.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف