ثقافات

العالم من قرية الى دماغ

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
حسن ناصر: يبدو أن هناك تشاؤمية سائدة ( بين العرب خاصة) حينما يتعلق الأمر بعصر تقنية المعلومات التي نعيش فورتها الأولى. ومبعث التشاؤم هو الشعور بالتغيرات الجذرية التي يشهدها البشر وتخضع لها المجتمعات وثقافاتها واخلاقها مع تطور وسائل الاتصال، والأسف - كما يقال احيانا- على نهاية انسانية الانسان! لايمكن نكران التغيرات الجذرية؛ فالعالم كما هو معروف لمن شهدوا العقدين الأخيرين من القرن الماضي يتغير الى عالم آخر. وإن كان هذا التغير ليس في طبيعة العالم - بالتأكيد - بل في طبيعة ادراكنا له وتعاطينا معه. أما موت الإنسان - كما نعرفه - فهو على الأرجح ولادة وريثه الأرقى لمغامرة الوجود في قلب هذا الكون؛ إذا نظرنا الى المشهد بشيء من التفاؤل. لدينا رؤيتان مختلفتان لتكنولوجيا المعلومات التي هي سمة عصرنا. وتمثل هاتان الرؤيتان ثنائية تستكشف كل واحدة منهما عصر المعلومات بعين مختلفة. الأولى بشيء من التشاؤم والثانية بتفاؤل واستبشار سعيدة بتحول العالم الى قرية.عبّرالفيلسوف الاجتماعي الفرنسي جان بودريار Jean Baudrillard (1929 - 2007) عن الرؤية الأولى - وهي الأكثر شيوعا- بشيء كبير من العمق وبالكثير من التحريض الايجابي والتنوير منذرا ً باندثار الانسان. تحدث بودريار في كتاباته المثيرة للجدل عن التشبيهية Simulation وأرتأى أن الواقع البشري المعاصر هو زائف ومؤسس على الاستهلاك، واقع مضخّم يطلق عليه ( Hyperreality ) فَقَدَ الانسان فيه بشريته القريبة من الطبيعة ليتحول الى فرد مسلوب الارادة يستنسخ انماطا تفرض عليه. هناك عالم من ايهام وتزييف وواقع مفبرك. وهذه الفبركة تُصْنَع وفقا لسياقات اقتصادية وسياسية من منظار بودريار اليساري . ولعل أفضل ما يشرح رؤية بودريار للتأثيرات الكارثية لعصر المعلومات هو مقال كتبه عن حرب الخليج عام 1991 و جادل فيه بأن حرب الخليج لم تقع وأنها كانت مجرد حدث اعلامي . لم ير بودريار ، هذا الفيلسوف المشاغب ، في تلك الحرب التي كانت تبث على الهواء مباشرة حربا حقيقية وقال ليس ممكنا أن تكون كذلك بالنسبة لأي فرد في أي مكان بعيد عن ساحة أحداثها ، رأى مجرياتها على الشاشة . فما يعرفه هذا الفرد عن تلك الحرب لايعدو في واقع الأمر كونه وهما ضخته الصور الى وعيه ولايمكن لهذه الصور أن تمثل الواقع الأعم الذي أجتزأت منه . توفر تلك النتف المنقاة من المعلومات وهما بالاطلاع على الواقع ولكنها - في واقع الأمر - تبيد الواقع ، ما يحدث حقا ، وتمحوه بصك نموذج ينتحله. خذ مثلا : ضخ وجهة نظر غير بشرية للعين البشرية كما حدث في الصور التي بثتها كاميرا مثبتة على سطح الصاروخ الذي دمر ملجأ العامرية في بغداد أثناء تلك الحرب، وعرضتها القنوات التليفزيونية حينذاك! الرؤية الثانية لعصر المعلومات تركز على النصف المليء من الكأس وتستشرف آفاقا أخرى للأنسان وحياته على هذا الكوكب ووجوده في الكون. والمبشر بهذه الرؤية هو مارشال ماكلوهان Marshall McLuhan ( 1911 - 1980 ) الذي برز في خمسينيات القرن العشرين ليفلسف ظهور التلفزيون وتأثيره في حياتنا كبشر. ومن الطريف أن مارشال ماكلوهان هو أحد مراجع بودريار المهمة على الرغم من حماس الأول واستشرافه الجانب المضيء من تحولات عصر المعلومات، ونقدية الثاني وسوداويته في تحليل تلك التحولات .ينتبه ماكلوهان في كتابه الوسيط هو الرسالة (THE MEDIUM IS THE MESSAGE) الى أن ماركس أغفل عاملا مهما في حركة التاريخ والمجتمعات؛ ذلك هو الاختراع ودوره في تحديد مسار احداث التاريخ. اختراع العجلة على سبيل المثال صنع القوة العسكرية للأمبراطورية الآشورية وقاد تدريجيا الى توسع حركة الجيوش والبشر وتنامي المعرفة. اختراع الطباعة قاد الى تطور هائل في التفكير البشري وأخرج المعلومات من حصارها السابق واقتصارها على دوائر محدودة من الخاصة الى نسبة أكبر من العامة . يقول ماكلوهان أن الطباعة غيرت من ايقاع سرعة الزمن البشري وأن ظهور الصحافة اليومية نتيجة لتطور الطباعة قاد الى تأثير عميق في المجتمعات وثقافاتها. بهذ المعنى توصل ما كلون في ستينيات القرن العشرين الى أن العالم سيكون قرية وهذه عبارته الشهيرة التي صارت تجري على كل لسان. لقد استدل بودريار بماكلوهان ليصل الى جهة أخرى. فلم يكن ما كلوهان متشائما في هذا الصدد ولم ينظر الى ثورة المعلومات وتطور وسائل الاتصال بوصفها نهاية الانسان، بل رأى ذلك باعتباره مجد الانسان وكان يصرّح في أيامه الأخيرة بنبرة المنتصر "هاهو الانسان يتخلص من حضوره المادي المحدود ليكون أشبه بملاك، أنت ترفع سماعة التليفون وتتحدث وها أنت فجأة مسموع في مكان آخر من الكرة الأرضية ، أنت الآن موجود، مؤثر ومتأثر في كل مكان". نتفق طبعا مع رؤية بودريار على أننا نعيش واقعا مستنسخا وأن عصر المعلومات هو نهاية الانسان ( المعروف لدينا). استجاباتنا في هذا العصر مصطنعة قياسا بأجيلنا السابقة. إذ لم يعد هناك - على سبيل المثال - لقاء أول في حياة الرجل أو المرأة، فالذين يذهبون الى لقاءاتهم الأولى سيكونون محملين بمعلومات كثيرة مما شاهدوه وقرأوه عن ذلك وما يفعلونه لن يكون سوى استنساخ لتلك المعلومات. لن تتوفر التلقائية لنا مع هذا الضخ الهائل من المعلومات. لكننا سنتفق مع ماكلوهان أكثر وسنميل إليه في رؤيته البهيجة لتمدد وجدونا. يقول : العجلة أمتداد القدم ، الملابس امتداد الجلد والتلفزيون امتداد البصر. ولنا أن نضيف ان الكوميوتر هو امتداد الدماغ. نحن نعيش الآن في دماغ من خلقنا نحن, فالعالم القرية يتحول الآن الى شبكة بسعة الكوكب، الى دماغ فرد؛ ليس بالمعنى الميتافيزيقي بل بالمعنى الاليكتروني.إن الرؤية التشاؤمية لعصر تكنولوجيا المعلومات لا توفر الكثير و لاتقود الى شيء . بينما نجد أننا بشيء من تفاؤل ماكلوهان نستطيع أن نرى أنفسنا فعّالين بشكل أكبر . يقول جارون لانيير
Jaron Lanier أحد أهم علماء الكومبيوتر ومنظّري عصر المعلومات: تحدث بورخيس في مكتبة بابل عن كتاب فهرست الفهارس الكتاب الذي يحوي المعرفة كلّها والذي مازال البشر يبحثون عنه في أروقة المكتبة الكون. باختراعهم الكومبيوتر، بدأ البشر بتأليف هذا الفهرست العجيب بدلا عن البحث عنه.

*جارون لانيير عالم كومبيوتر ومؤلف موسيقي وكاتب وهو المعروف بصكه اصطلاح الواقع الافتراضي (Virtual reality ) . الحديث عن هذا الرجل متشعّب ولذا أدعو الى زيارة موقعه والاطلاع على كتاباته وشخصه:
http://www.jaronlanier.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
رائعه
جمال جاف -

موضوع فكري شيق شكرا لموقع جانير وشكرا لك ولايلاف .

رائعه
جمال جاف -

موضوع فكري شيق شكرا لموقع جانير وشكرا لك ولايلاف .

نحن والعولمة
آسية -

مرحباهل نحن فعلا قادرون على التخلي عن قريتنا مقابل الاندماج في قريتهم التي لن تبقي ولن تذر إلا ما رحم ربك؟؟؟إذا كان جان بودريار وبرنار نويل وناعوم تشاوميسكي وغيرهم من الكثيرين ممن هم خلاصة هذه الحضارة الغربية والأدرى بأسرارها متشائمين مما آلت إليه أهدافها التي لا سبيل إلى الشك في أنها مشبوهة، إذا كان أولئك قد أخلوا ذمتهم وعروا الحقيقة رافضين أن يكونوا شهودا سلبيين على ما يجري، كيف يحدث إذن أن يصبح ضحايا هذه الحضارة أكثر حنانا ورأفة بها من الذين يعيشون رفاهتها على حساب الإنسانية؟ إذا كان أولئك قد عروا زيف تلك الحضارة وتهافتها ووحشيتها التي لم تسبقها فيه تاريخيا حضارة أخرى كيف يحدث أن نظل نحن الذين انتهكت إنسانيتنا ورخصت دماؤنا وأضحت كل مكتسباتنا العميقة مجرد اجترارات نحن مدعوون فقط إلى حذفها كي نعيش وهل ثمة للحياة من معنى إذا فقد الإنسان فيها أهم مبرراتها ومقوماتها، كيف يحدث أن نظل مصرين على التهليل لتلك الحضارة وعلى إجلالها واستيراد منجزاتها برمتها مهما كانت خرابا؟ كيف يحدث إذن أن نكون أكثر غيرة على سيف ديموقليس المسلط على رقابنا والذي يجعلنا نعيش حياة هي أقرب إلى الموت لكل ما يشوبها من ذل وامتهان وخضوع؟ كيف يحدث أن نكون أكثر ذبحا فينا ممن صنعتهم تلك الحضارة البغيضة من جلادين ما أكثر ما سقطوا في فخ الاعتراف بما اقترفت أياديهم الملوثة حتى النخاع بدماء الأبرياء؟ حتى وإن افترضنا أن أسياد هذه الحضارة لن يجعلوا من كل من يختلف عنهم من الشعوب مجرد عبيد مكرسين لخدمة مصالح القوى العظمى فإن العالم لا يمكن أن يصير قرية صغيرة يا سيدي لأنه لن يقبل بأن يكون ذا وجه واحد تسطر تفاصيله نظم بعينها لا تبتغي غير إفراغه من جوهره/ sa quintessense ( المتمثل في الهوية واللغة والعقيدة) والذي لا شيء غيره يحقق كيانه ووجوده... العالم لا يمكن أن يكون قرية تخطط قسمات وجهها على مقاس قسمات السيد الأبيض وهنا أود أن أكرر ما قاله ليون غونتران داما/ Léon Gontran Damas الذي ظل مخلصا لغابته رغم كل عمليات الدمج التي تعرض لها السود أو الهنود الحمر وأساليب التذويب الدينية (الحملات التبشيرية للإنجيليين الجدد) والثقافية التي تتعرض لها في أيامنا هذه الكالحة الشعوب ذات الأصول العربية أو الكردية أو الأمازيغية وغيرها من الشعوب الآسيوية التي لم تتفطن بعد للعبة القذرة: هل يمكن إذن أن يجرؤواعلى معاملتي على أن

نحن والعولمة
آسية -

مرحباهل نحن فعلا قادرون على التخلي عن قريتنا مقابل الاندماج في قريتهم التي لن تبقي ولن تذر إلا ما رحم ربك؟؟؟إذا كان جان بودريار وبرنار نويل وناعوم تشاوميسكي وغيرهم من الكثيرين ممن هم خلاصة هذه الحضارة الغربية والأدرى بأسرارها متشائمين مما آلت إليه أهدافها التي لا سبيل إلى الشك في أنها مشبوهة، إذا كان أولئك قد أخلوا ذمتهم وعروا الحقيقة رافضين أن يكونوا شهودا سلبيين على ما يجري، كيف يحدث إذن أن يصبح ضحايا هذه الحضارة أكثر حنانا ورأفة بها من الذين يعيشون رفاهتها على حساب الإنسانية؟ إذا كان أولئك قد عروا زيف تلك الحضارة وتهافتها ووحشيتها التي لم تسبقها فيه تاريخيا حضارة أخرى كيف يحدث أن نظل نحن الذين انتهكت إنسانيتنا ورخصت دماؤنا وأضحت كل مكتسباتنا العميقة مجرد اجترارات نحن مدعوون فقط إلى حذفها كي نعيش وهل ثمة للحياة من معنى إذا فقد الإنسان فيها أهم مبرراتها ومقوماتها، كيف يحدث أن نظل مصرين على التهليل لتلك الحضارة وعلى إجلالها واستيراد منجزاتها برمتها مهما كانت خرابا؟ كيف يحدث إذن أن نكون أكثر غيرة على سيف ديموقليس المسلط على رقابنا والذي يجعلنا نعيش حياة هي أقرب إلى الموت لكل ما يشوبها من ذل وامتهان وخضوع؟ كيف يحدث أن نكون أكثر ذبحا فينا ممن صنعتهم تلك الحضارة البغيضة من جلادين ما أكثر ما سقطوا في فخ الاعتراف بما اقترفت أياديهم الملوثة حتى النخاع بدماء الأبرياء؟ حتى وإن افترضنا أن أسياد هذه الحضارة لن يجعلوا من كل من يختلف عنهم من الشعوب مجرد عبيد مكرسين لخدمة مصالح القوى العظمى فإن العالم لا يمكن أن يصير قرية صغيرة يا سيدي لأنه لن يقبل بأن يكون ذا وجه واحد تسطر تفاصيله نظم بعينها لا تبتغي غير إفراغه من جوهره/ sa quintessense ( المتمثل في الهوية واللغة والعقيدة) والذي لا شيء غيره يحقق كيانه ووجوده... العالم لا يمكن أن يكون قرية تخطط قسمات وجهها على مقاس قسمات السيد الأبيض وهنا أود أن أكرر ما قاله ليون غونتران داما/ Léon Gontran Damas الذي ظل مخلصا لغابته رغم كل عمليات الدمج التي تعرض لها السود أو الهنود الحمر وأساليب التذويب الدينية (الحملات التبشيرية للإنجيليين الجدد) والثقافية التي تتعرض لها في أيامنا هذه الكالحة الشعوب ذات الأصول العربية أو الكردية أو الأمازيغية وغيرها من الشعوب الآسيوية التي لم تتفطن بعد للعبة القذرة: هل يمكن إذن أن يجرؤواعلى معاملتي على أن

دماغ حسن ناصر
قارئ -

من المفرح ومن النادر -ربما- ان يطل علينا الاستاذ حسن ناصر بفكرة مرموقة اخرى , انسيابية ورشيقة , اعادت الينا الثقة بالكتابة والتفكير بعد ان تشابه ما يَكتب واختلط عليناالكتاب وفسدت في دواخلنا الكلمات, الكلمات جدارنا الاخير بوجه هذا التهافت الكوني وقدرتنا على قول ما نريد بوضوح وتركيز .

دماغ حسن ناصر
قارئ -

من المفرح ومن النادر -ربما- ان يطل علينا الاستاذ حسن ناصر بفكرة مرموقة اخرى , انسيابية ورشيقة , اعادت الينا الثقة بالكتابة والتفكير بعد ان تشابه ما يَكتب واختلط عليناالكتاب وفسدت في دواخلنا الكلمات, الكلمات جدارنا الاخير بوجه هذا التهافت الكوني وقدرتنا على قول ما نريد بوضوح وتركيز .