ثقافات

أوراق خريف عبد الواحد لؤلؤة... بين النقد والترجمة

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
بين النقد والترجمة يقدم الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، الناقد العراقي وأستاذ النقد الأدبي في كتابه "أوراق الخريف - دراسات وترجمات نقدية" الصادر حديثاً عن دار رياض الريّس، الكثير من الأفكار والرؤى النقدية، ومنها التي أخذت زمناً طويلاً من البحث والنقاش. سبع مقالات نقدية للمؤلف ناصفت صفحات الكتاب مع خمس مقالات مترجمة لكتّاب وأساتذة في الأدب والنقد الأدبي والفني، جاءت عناوينها موحية بأهميتها، مثل: "البنوية وما بعدها" لآن جفرسن، وآخر للكاتب نفسه بعنوان "الشكلانيّة الروسية" يتحدث عن نشوء النظرية الشكلانية -المستقبلية - وبروزها من خلال مناقشات ومنشورات جماعة (أوبوجاز) وجماعة (حلقة موسكو اللغوية) وتأثيراتها على العالم خصوصاً في أمريكا وفرنسا...
عنوان الكتاب لا يمثل محتواه، فـ "أوراق الخريف" عنوان تفصح عنه المقدمة بمدلولات شخصية جداً: "إذ تعصف رياحُ العمر بالإنسان، تنمّ عنه نغماتٌ خريفيةٌ، عذبة في أساها... مثل أوراق الخريف التي ترزحُ تحت ثلوج الشتاء، ترزحُ أفكارُ الإنسان تحت وطأة هموم الحياة..." هي إذاً ترجمة لشعور إنساني تلمس انزلاق سنوات العمر كحبات مسبحة من بين أصابع ناسك خبر الحياة...
يفتتح الدكتور لؤلؤة كتابه بمقال "فصاحة العامّية" حيث يضع القارئ أمام التطورات التاريخية التي عملت على ولادة اللغة العامية من رحم الفصحى. يبدأ مقاله مع صاحب الكوميديا الإلهية: "بين عامي 1304 و1306 كتب دانته شاعر إيطاليا الأكبر كتاباً باللاتينية بعنوان (فصاحة العامية) لكنه لم يكتمل، يستعرض فيه اللغات العامية وبخاصة لغة (أوك) أو اللغة الپروفنسية... يستعرض دانته وجوه الفصاحة في لغة العامة ويمثل لذلك بأشعار من أول لهجة أو لغة عامية انسلخت عن اللاتينية." ثم يعرّج على العصر العباسي ودخول الأعاجم من فرس وهنود وبعض أقوام آسيا الوسطى إلى الدين الإسلامي. وفيها يرى أن دخول اللغة العامية وبعض الكلمات الأعجمية على العربية الفصحى، يعد تطوراً مهماً للغة العربية!!. ويذهب بعد هذا حيث الأندلس لتوكيد فكرة المقال ويبين مصدر لغة عامية أخرى نشأت هناك من خلال التزاوج والمصاهرة بين العرب و"أعجميات" الأندلس، حيث استحدث هذا الاختلاط عبر الأجيال "عامية الأندلس". وليس بعيداً عن مجال الشعر، يختار المؤلف عشر قصائد لبدوي الجبل عرضها في مقال "بدوي الجبل: جمالية الأسلوب الشعري" وفيه يدلنا على الطريقة المثلى في تقييم القصيدة والشاعر: "فالمقياس الحقيقي لجودة الشعر، أو جماله، هو النظر إليه بعين، والنظر بأخرى إلى أفضل ما قيل أو كتب من شعر في عصور سابقة وأخرى قريبة. فالجيد عند (هوميروس) أو (دانته) أو (شكسبير) مثلاً يجب أن يكون حاضراً في الذهن عند الحكم." هذه الرؤية أو النصيحة، نجدها في فصل آخر من الكتاب، على لسان (ت. س. إليوت) حيث مقال "شعرية الكتابة... كتابة الشعر" وفيه يقول المؤلف على لسان إليوت: "أن من يريد أن يبقى شاعراً بعد الخامسة والعشرين من العمر، عليه أن يحمل في نخاع العظم منه أفضل أمثلة الشعر منذ (هوميروس) حتى المعاصرين، وبلغات شتى بما في ذلك شعر أبناء لغته." ويبدو أن تلك الفكرة التي يتبناها عبد الواحد لؤلؤة قد أخذت بطابعها أغلب ما احتواه كتابه، إلا أننا نجد بعض ما يناقض هذا في مقال "مسيرة الشاعر... إنساناً" الذي يبدأ بسؤال: "كيف السبيل لكي تتخلص الكتابات النقدية في العربية من تناول الشعر من المنظور الديني أو السياسي عند الشاعر، بدل النظر إلى الشاعر إنساناً... يكتب الشعر؟" هذا السؤال الإشكالي، الذي يشكو تحويل المبدع عمداً إلى فكرة ينبذها الناقد وبالتالي نبذ المبدع تحت تأثير الكثير من المسميات السياسية والدينية والقومية. ثم ينحى صوب الشعر الأوربي مستشهداً بشخصيتين شعريتين: "على قدر علمي، لا أجد في الكتابات الأجنبية من نال من شعر (رامبو) أو (بودلير) بسبب تجارة الأفيون أو تعاطيه، أو بسبب حياة بين (أزهار الشّر)." إلا أن هناك إشارات واضحة تفيد بأن مؤلف الكتاب كان منقاداً وراء جانبه العاطفي أكثر من العلمية والحياد، عند تناوله الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد، حيث راح يبرر له الكثير من قصائد المديح المتخفية وراء ستار حب الوطن، على حساب القيمة الشعرية للقصيدة وتأثيرها على المتلقي. يتضح هذا من اختياره لقصيدة " أيها الوطن المتكبر " التي كتبها الشاعر في أوج الحرب العراقية الإيرانية، مشيراً إلى أنه لم يجد فيها شعارات ولا محابات للحزب والسلطة، والحقيقة أن القصيدة ليست بريئة كما يصورها لنا المؤلف، فهي تبرر الموت المجاني على جبهات القتال، حيث تصوّر الموت كأعلى درجات الحياة، ومثل تلك القصائد يعرفها العراقي جيداً حين كانت تدعوه إلى الموت في سبيل القائد وليس العراق، حتى ذهبت بعض القصائد لتناشد العراقيين الموت من أجل عيون قائدهم... ولم يكتف الدكتور لؤلؤة بهذا، بل تناول في المقال نفسه تجربة الشاعر العراقي يوسف الصائغ وبالطريقة نفسها، ورغم أنه دخل منذ بداية المقال مدخلاً علمياً مدروساً، إلا أننا نجد الهدف من المقال، ليس الشعر وصناعته وصوره الشعرية المؤثرة، بل أنه دخل باب الشعر عن طريق عبد الواحد والصائغ تحت سلطان العاطفة والعلاقة الشخصية ليصل إلى تنظيف تاريخ أهم شاعرين عراقيين خدموا الديكتاتور بكل إيمان وتفانٍ.
كل من عرف الناقد الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، يعرف باعه الطويل في مجال الترجمة، وترجماته المهمة التي قدمها للقارئ العربي، خصوصاً تلك المنقولة عن الإنجليزية، وهذا المجال لم يفلت من قبضة كتابه، حيث خصه بفصل كامل تحت عنوان "الترجمة ومجتمع المعرفة - المترجم ومشكلات الثقافة" إلا أن الإشكالية التي يثيرها المؤلف من خلال كتابه هذا، كانت في الفصل الذي خصص للشعر الحر "الشعر الحرّ والخطأ المستمرّ" يذكر فيه بعد إيراد التعريفات والسياقات التاريخية لولادة الشعر الحر أوربياً أن ظهور: "الشعر الحر في العربية في أربعينيات القرن الماضي، وبخاصة على صفحات مجلة (الأديب البيروتية) كما ظهر في مجموعات لبعض أدباء بلاد الشام. وربما كان أبرز كتّاب الشعر الحر: جبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ وبعض الراحلين." والإشارة إلى قصائد جبرا يقصد بها مجموعته الشعرية (تموز في المدينة) حيث يقول: "ربما كانت (تموز في المدينة) أول مجموعة من الشعر الحر تصدر خارج بلاد الشام، السبّاقة للكتابة بهذا الأسلوب بمعناه الدقيق والتي أصدرها ببغداد عام 1959 الفلسطيني-العراقي جبرا إبراهيم جبرا." يلاحظ هنا أن المؤلف قد استبعد أسماء شعرية مهمة مثل السيّاب والملائكة وبلند الحيدري والبياتي، وهذا ما يدلنا على عنوان المقال حيث (الخطأ المستمر)، والحقيقة أن هذا الرأي معروف لدى الدكتور لؤلؤة منذ زمن، وبعيداً عن الكتاب، يمكننا أن نستعير عبارة تفصح عن هذه الإشكالية بشكل جلي، حيث يقول في حوار لمجلة نزوى كنا نتمنى أن يتضمنه الكتاب: "هذا الخلط مصيبة في الكتابات النقدية منذ عام 1947 وأحاديث نازك الملائكة عن (الشعر الحر) وهي التسمية الخطأ لشعر التفعيلة الذي طورته في أولى قصائدها بعنوان (الكوليرا). طوال عقود أربعة عجاف وأنا أكرر في جميع كتاباتي أن (الشعر الحر) تسمية اخترعها الشاعر الأمريكي (والت وتمن) عام 1855 في مقدمة مجموعته (أوراق العشب). والترجمة العربية للمصطلح الأمريكي غير دقيقة أساسا. فالعبارة هي Free verse وليس.Free poetry والمشكلة أن كلمة Verse تعني (بيتا من الشعر المنظوم) بينما كلمة Poetry تعني الشعر بمعناه الأوسع. كان الحري بالمصطلح أن يترجم إلى (النظم الحر) لأن ما طورته نازك الملائكة ومعها بدر والبياتي وبلند والتابعين هو نظم بالتفعيلة يتحرر من عدد التفعيلات في بحور الخليل، ولكن الخطأ شاع واستشرى". إلا أن إشكالية هذا الرأي هو ما يتنافى مع الكثير من الدراسات والكتب والبحوث التي عرفناها لكبار النقاد والأدباء العرب منذ أكثر من نصف قرن، ورغم أن المؤلف قد ذكر نازك الملائكة وقصيدة الكوليرا في الجزء الأخير من المقال إلا أن ما ذكره كان يدور بفلك الرأي نفسه....
على الرغم من أن الدكتور لؤلؤة ينشد في كتابة الدقة في المعلومة كما جاء في أكثر من مكان، إلا أن أغلب القصائد التي تناولها كنماذج لدراسته، قد غاب عنها تاريخ كتابتها، وهذا ما نراه ضروري جداً كونه يؤرخ لفترة زمنية أو حركة أدبية مهمة، مثل تاريخ الشعر الحر في الوطن العربي...
halsagaaf@hotmail.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
مهم جدا
د. محمد حسين حبيب -

مطالعة مهمة لكتاب مهم ولكاتب مهم جدا - عبد الواحد لؤلؤة - مرجع ثقافي عراقي كبير ..تحية لكاتب المقال - السكاف - مع الود والتقديروياريت نحصل على نسخة من الكتاب ؟؟

بقايا الطاغية
قناع ثقافي -

قد يكون شعر الصائغ وعبدالواحد جميلا في كثير من الابيات والقصائد , لكن هذا لايلغي كونهم خدمة الطاغية المتكرشون بلحوم الضاحيا, الضاحكين حين فاجعة الامهات , لذا من الكذب التاريخي والتزوير الثقافي ان نتحايل على تاريخهم وشعرهم ونصورهم بانهم كانوا انسانيين .....

نووي
جيمي كارتر -

الى الاخ قناع ثقافي هل تعني ان نضرب العراق بما فيه بقنابل نوويه وننتظر مثلا 20 سنه وبعد ذالك تاتي انت وحزبك واصدقائك واهلك كي تبنو عراق صافي مصفى بدون اي شائبه وتلغي كل ماهو قديم