ثقافات

ترجمة "فاروس" احتفالا بمئوية الأثري الألماني هيرمان تيرش

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

محمد الحمامصي من القاهرة: بمناسبة الاحتفال بمئوية إصدار كتاب "فنار الإسكندرية" لهيرمان تيرش (1874- 1939) الصادر باللغة الألمانية عام 1909، صدر عن مكتبة الإسكندرية كتاب" فاروس المصادر الإسلامية القديمة والغربية بحث في تاريخ العمارة"، وقد قام مركز دراسات الإسكندرية وحضارة البحر المتوسط بالمكتبة، وبالاشتراك مع معهد جوته بالإسكندرية بإصدار هذا الكتاب مترجماً باللغة العربية، والذي قامت بترجمته الدكتورة ميرفت سيف الدين، ليكون في متناول القارئ والباحث المصري والعربي.
وقال الدكتور محمد عوض، مدير مركز دراسات الإسكندرية والبحر المتوسط، أن اهتمام الأثريين الألمان بآثار الإسكندرية اليونانية والرومانية بدأ في أواخر القرن التاسع عشر من خلال مجموعة بعثات قام بتمويلها أرنست فون زيجلن أحد رجال الأعمال والمولعين بالآثار في الفترة ما بين عامي ( 1899- 1911) وتضمنت هذه البعثات مجموعة من الأثريين البارزين، أمثال شريبر وبابجنتشير وفوجت وفاتسينجر، وكان أبرز اكتشافاتهم مقابر كوم الشقافة والتي نشرت عام 1909.
وعن مؤلف الكتاب الأصلي، ذكر د. عوض أن هيرمان تيرش ولد عام 1874، ودرس الآثار الكلاسيكية في جامعة ميونخ، وحصل على درجة الدكتوراة عام 1898، وقد رافق هيرمان والده المهندس المعماري أوجست تيرش في العديد من البعثات المساحية للآثار في اليونان وآسيا الصغرى؛ ومن ثم كان لهذه الرحلات عظيم الأثر في زيادة اهتمام هيرمن بتلك الآثار ولاسيما في مصر وفلسطين.
وأوضح أن حصوله على منحه من معهد الآثار الألماني ساهم في اشتراكه في بعثات أثرية في فلسطين والإسكندرية وبيرجامون وأجينا؛ كان أهمها في الإسكندرية اشتراكه في دراسة معبد السيرابيوم، وتسجيل ودراسة مقابر أخرى متفرقة مثل مقابر سيدي جابر ومقبرة أنطونيادس. وفي سنة 1909 أصبح هيرمان تيرش أستاذًا في جامعة فرايبرج، وهو نفس العام الذي نشر فيه كتابه عن فنار الإسكندرية القديم، الذي منحه شهرة واسعة داخل ألمانيا وخارجها.
وفي سنة 1918، عين هيرمان أستاذًا في جامعة جوتنجن، وأصبح عميداً ثم رئيساً لها في الفترة ما بين عامي ( 1925- 1933)، واستمر خلال هذه الفترة في جولاته الأثرية وتنظيم البعثات في آسيا الصغرى وشمال إفريقيا واليونان. وفي عام 1938، أقيل من عضوية أكاديمية جوتنجن بسبب أصول زوجته اليهودية، ولكنه واصل عمله كأستاذ حتى إحالته على المعاش ووفاته عام 1939.
وأكد د. عوض أن دراسة هيرمان تيرش عن فنار الإسكندرية من أكثر الدراسات تفصيلاً وتدقيقاً لأحد معالم المدينة الكلاسيكية والعالم القديم، حيث كان الفنار أحد عجائب الدنيا السبع، ليس فقط لتميزه الإنشائي، ولكن أيضاً لما كان يحتويه من تقنيات متقدمة لتوجيه الملاحة من وإلى ميناء الثغر، وقد استند هيرمان في دراسته إلى مصادر تاريخية ووصف الرحالة، وكذلك اعتمد أيضاً على التنقيب والشواهد الأثرية لقلعة قايتباي بعد أن كان قد لحق بها الضرر وتهدم معظمها من جراء قصف الأسطول البريطاني لها عام 1882. وبهذا تكون دراسة هيرمان قد استندت إلى المصادر التاريخية، وكذلك إلى الشواهد الأثرية، وذلك في منهاج دراسته للفنار.
ويبدو أن والده أوجست المهندس المعماري كان له الفضل في إعداد الرسومات من المساقط والقطاعات والواجهات التفصيلية للفنار، والتي تحمل لوحاته توقيعه عام 1907، لتخرج هذه الدراسة بالدقة الهندسية والتفصيلية التي تميز بها ولتكون حتى يومنا هذا من الدراسات الشاملة لهذا المنشأ الفريد، والتي يستعين بها الأثريون في دراستهم لأعمال التنقيب الأثري داخل القلعة وأيضاً فيما يحيط من آثار غارقة.
يعتبر الكتاب بمثابة دراسة أثرية شاملة ويضم بين دفتيه بعض النتائج الحديثة المرتبطة بالعصور الوسطى الإسلامية. وقد ذكر هيرمان تيرش في مقدمه كتابه الأصلي بعض الدراسات التي تناولت الفنار بالبحث والتفصيل.
وأشار تيرش أيضاً إلى أن عدم دراية علماء الآثار بالمراجع الشرقية والنصوص العربية التي كتبها المؤرخون العرب قد أدى إلى صعوبة فهم الكثير من المعلومات التي تخص الآثار. لذا أشاد بمجهودات العلماء المستشرقين منهم: ديروف، راكن دروف، وماكس فان برخم، الذين أمدوه بالصور والكتب.
وقال هيرمان تيرش في مقدمته عام 1908 "هذا الكتاب يعد مغامرة، حيث أن طموحي ورغبتي الحميمة في دراسة الآثار، وتتبع تأثيرها على الحضارات الأخرى، أدى إلى أن أتجاوز حدود تخصصي ومجالي، حيث ينتاب القارئ شعور بالحيرة أحياناً، وخاصة حين يكون هذا المجال جديداً عليه، وآمل أن يكون هذا الكتاب مفيداً، وبمثابة تحفيز على الأقل للزملاء في جميع التخصصات الأخرى".
وأضاف" تعتبر هذه الدراسة بمثابة تنقيب نظري يقتصر على ما ورد بالمراجع لتحديد موقع فاروس، لذا فمن الضروري القيام بالتنقيب الفعلي بموقع قايتباي، وفحص أساساتها وما بها من بقايا أثرية.كما أعبر عن شكري وتقديري لمصر التي ساهمت في إزالة الغموض عن أهم كنز من كنوزها الثمينة".
يمهد المؤلف في الكتاب الواقع في أكثر من 275 صفحة، مشيراً إلى أن تشييد الفنار كان يعد ضمن أول مخطط بنائي لمدينة الإسكندرية، فمن المؤكد أن الجيل الأول المعاصر للتأسيس الجديد لم يحيى على الإطلاق عندما تم تشييد الفنار. هذا الصرح الضخم لأحد أنواع المباني الجديدة تماماً، هو أول فنار شيد في العالم القديم "فاروس" وبني على لسان ضيق بجزيرة فاروس التي أعارته هذا الاسم.
ويلفت تيرش النظر إلى ندرة ما ورد من كتابات قديمة، عن عمل له هذا القدر من الأهمية. والشيء الأعجب هو مدى قلة الاستفادة من هذا القليل حتى الآن. ولقد تم الإعجاب به أكثر وأكثر بدلاً من معرفته حق المعرفة، حيث اعتبر عبر كل العصور إحدى عجائب الدنيا.
ويذكر تيرش أن الإبداع المعماري الخيالي والجريء الذي كان يتمتع به فنار فاروس، لابد أن يؤدي دائماً وأبداً إلى إثارة المخيلة. وفي محاولته لإعادة تشييد البناء المفقود يفترض ان البرج شيد كهرم ذي قاعدة منبسطة وعريضة، ورسم تخطيطي متعدد الطوابق الواحد فوق الآخر، والمتشابهة فيما بينها، ما عدا استمرار الارتفاع والقطر في النقصان، كل الطوابق مزودة بفتحات لنوافذ عريضة، ومزينة بإحدى الزخارف لأعمدة بارزة تحمل سياج الشرفات الضيقة الخاصة بكل طابق على حدة: في أعلى القمة يوجد الموقد: وهو تصور خيالي فرنسي ذو فخامة ووحدة متكاملة، ولكنه في زخرفته الثرية لا يصلح مطلقاً من الناحية العملية لتشيده في موقع ترتطم به أمواج الشاطئ.
ويرتفع البرج في رشاقة إلى أعلى " وكأنه إحدى المسلات"، بينما يزداد الاتجاه العمودي في الارتفاع بحركة حلزونية الشكل للنهاية العلوية، ولكنه يبدو في الصورة غير متناسق وغير متوازن، ومن أسفل تأخذ واجهة البرج شكل صرح المعبد المصري، ويعلوها طابق يغلب عليه سمات الفن السوري الهلينستي، وفي أعلى انطلاقه خطيرة لمبنى مثمن يتحول إلى دائري الشكل ويخالف الأسلوب الأثري القديم في جميع النواحي، لذا يبدو البرج بشكل خيالي وأسطوري.
وكان القدماء على علم بأنه لا يوجد فنار ذو أهمية إلا كان متأثراً بفاروس الإسكندرية، ومتخذا منه مثالاً نموذجياً. ومثال على ذلك فنار " أوستيا" بالقرب من روما. أن الملامح المميزة للبناء المعماري - وهو المبنى المكون من ثلاث طوابق- قد تم إثبات صحتها من قبل كل من: اليعقوبي والمسعودي والإدريسي والمقريزي، كل هؤلاء يتحدثون عن كل من الطوابق المربع والمثمن والمستدير التي ترتقي في هذا الترتيب. وقد تم إثبات المدخل المرتفع مع الممر أمامه، والزخرفة الثرية للتماثيل الموجودة بأعلى القمة من خلالهم كذلك. وبالإضافة إلى ذلك نسمع عن مبنى ذي حجر مربع منحوت ومرصوص بشكل رائع، وعن النقش اليوناني على المبنى. وفي الجهة العليا كانت توجد جنية البحر، ممسكة بأبواق من الصدف، عبارة عن إشارات سمعية حادة، وفي أسفل العمق يقبع سرطان عملاق، وكأنه حامل لثقل هذا المبنى الضخم. استخدمت هنا أنواع الزخارف التي تشير إلى أعماق البحر في تناسب شديد مع المبنى المطل على البحر.
توصل هيرمان تيرش إلى أن هناك علاقة ما بين شكل الفنار "فاروس" والمآذن المصرية التي اعتبرها أهم الروائع الرئيسية للعمارة الإسلامية بأشكالها الأكثر تميزاً، فأنه يبرهن على انه عبارة عن استناد مباشر ووثيق للنموذج الأصلي، ليس فقط في الشكل، بل أيضاً في الاسم، وعن كيفية توطيد دعائم الإسلام مع الجذور القديمة، فانه كان من المعروف بصفة عامة أنه لا يمكن العثور على مثال جازم على ذلك.
وقال" ما يدهشني دائماً من التقارير العربية ما يبدءون به جميعاً "المنارة من الإسكندرية"، وهذا يعني مئذنة الإسكندرية، تبدو كذا وكذا. وفجأة تنقشع الغشاوة عن عيني، فماذا تعني كلمة منارة، وماذا تعني كلمة Minaret مئذنة، التي وردت إلينا عن التحريف اللغوي الإيطالي للكلمة العربية؟ منارة معناها- كما هو معروف- مكان ينبعث منه النور، أو تشتعل فيه النار، منارة معناها نور و Minaret تعني الفنار".
ويتحدث الفصل الأول في الكتاب عن "المصادر الأثرية" التي استفاد منها في حل معضلة فاروس والتعرف على شكلها، مستهلاً بالآثار ومنها العملة. فقد استفاد من العملات التي صور عليها شكل الفنار ووضح بعض الأمثلة بالصور، وقدم وصفاً لعملة "دوميتان"، و" تراجان"، و"هادريان"، وكانت المجموعات الخاصة بالبرج مع إيزيس فاريا هي الغالبة. كما تطرق للعملات في عهد أنطونينوس بيوس، وفوستينا الثانية، وماركوس أوريليوس، وكومودوس، وخلص إلى أن صورة الفنار فاروس على العملة فائقة الاختلاف.
كما لجأ المؤلف إلى الاستعانة بأختام من الرصاص والقطع الفخارية من التراكوتا، والفسيفساء والتوابيت، وتطرق إلى الفنارات الأخرى القديمة في العالم لكنه أكد أن فنار الإسكندرية " فاروس" كان الأول من نوعه خاصة وأن كتاب بريبلوس الذي قام بتأليفه سكيياكس، في النصف الثاني من القرن الرابع ق.م) قبل تشييد فاروس بقليل لم يذكر أي فنار على سواحل البحر الأبيض المتوسط، التي قام بوصف ما حولها.
وأشار تيرش إلى أن برج تابوزيريس ماجنا بالإسكندرية هو الأقرب للفنار سواء من الناحية المكانية أو الزمنية، الذي زاره في ربيع عام 1902.
واستند المؤلف أيضاً في الفصل الأول إلى المصادر الأدبية ليتعرف من خلالها على شكل الفنار، مستعيناً بالمصادر التي قام بجمعها آدلر، والشاعر الاسكندري بوسيديبوس.
وعرض في الفصل الثاني للمصادر بعد العصور الأثرية، مستعيناً بالمؤلفين الغربيين (من البلاد المظلمة) وقد جمع كل ما ذكر عن الفاروس باللغات اليونانية واللاتينية من العصور الوسطى وهي الفقرات التي يذكر فيها البرج من بين عجائب الدنيا السبع.
ويشير تيرش إلى أن أحد الصور المقبولة جدا من العصور الوسطى هي تلك المصورة على قطعة الفسيفساء الموجودة على قبة زين في سان ماركو بالبندقية. كذلك رجع المؤلف إلى خرائط العالم القديم وبالأخص في العصور الوسطى، كما جمع التراث الشرقي للمؤلفين الشرقيين وأطلق عليهم " المؤلفون من البلاد المشرقة" مقدماً تأريخاً زمنياً لكل العلماء العرب الذين أرخوا للفنار، فضلاً عن تعليق على المؤلفين الشرقيين ومن بينهم ابن يوحنا من نيقيو، وإبيفانس، وابن خراذبة، واليعقوبي، وابن رستة، وابن فقيه، والمسعودي، والإصطخري، وابن حوقل، والمقدسي، وناصر خسرو، ابن بطوطه وابن الوردي وابن خلدون، والمقريزي، وغيرهم.
ويعرض هيرمان تيرش لارتفاع الفاروس في التراث العربي وفقاً لما جاء فيه، وتوصل إلى نتائج عن التكوين القديم له، أوضح فيها أن ارتفاع البرج الإجمالي بلغ ما يزيد عن 100 م تقريباً، ويبدو أن تحديد ارتفاع الإشارة عن طريق إشعال النار قد بلغ حوالي 103 م، والتمثال الذي يتوجه من أعلى، بلغ إجمالي الارتفاع حوالي 113 م. وأنه شيد من ثلاثة طوابق، ثم أردف إلى نتائج عن الفاروس في العصور الوسطى.

وفي الفصل الثالث ينتقل بنا المؤلف إلى قلعة قايتباي، مستندا في وصف القلعة على كتاب "وصف مصر"، وذلك لأن القلعة شيدت مكان الفنار فاروس، ويتعرض لها بالشرح والتفصيل.
ويحاول هيرمان تيرش في الفصل الرابع أن يبحث عن مكان بناء الفنار بالتحديد ويحاول تتبع كل الافتراضات الأخرى ويخوض في أساطير العصور القديمة محاولاً توضيح كل ما يتعلق بالفنار فاروس.
وفي الفصل الخامس، يتناول تأثير الفاروس في العصور الوسطى تحت عنوان" فن العمارة الإسلامية" وهنا يقدم دراسة مفصلة عن تاريخ المآذن، ويعتبر تيرش تاريخ تأثير المآذن مهمة مغرية يمكن حل لغزها من خلال التعمق في بحث تاريخ المآذن وكذلك في العمارة الإسلامية.
وأشار إلى أن كاي ألمح إلى انتقال المئذنة الدمشقية إلى أسبانيا وشمال أفريقيا. واعتبر أن المئذنة تعتبر إبداعاً للخيال الإسلامي مع عدم المبالاة للأعمال المبكرة المشابهة. لم يخسر الاستقلال الخاص بقوة الصورة الإسلامية على الإطلاق، وقسم المآذن إلى مجموعات جغرافية هي: مبان مصر وسورية بالإضافة إلى الاسبانية والمغربية، والفارسية- العثمانية.
وذهب إلى أن البدايات المبكرة للمئذنة كانت في مصر، وكانت عبارة عن الجواسق الصغيرة الإضافية التي أقيمت على سطح مسجد عمرو، وهي مفقودة كذلك المبنى الأول للمسجد، وقال أن أقدم مئذنة محفوظة بمصر هي تلك المئذنة الخاصة بمسجد ابن طولون بالقاهرة والتي شيدت في عام 879م، وفي الوقت نفسه فهي الوحيدة من العصر الطولوني التي ما زالت قائمة حتى الآن.
وأسهب هيرمان تيرش في شرح ووصف مآذن القاهرة ومصر عامة، طوف بعدها بين مآذن فلسطين مشيراً إلى التأثير المصري الطاغي في تلك البيئة. موضحاً أن الشكل المثمن هو الشكل المفضل في مآذن غزة، وعرض لمآذن مساجد عديدة منها: مسجد النبي داوود، ومسجد برقوق في خان يونس، والمسجد الرئيسي بغزة، ومسجد الهشيم، ومسجد على باكة في حبرون.
وإلى شبة الجزيرة العربية، اتجه هيرمان تيرش بدراسته لمآذنها موضحاً أنه لم يكن لمآذنها شكل خاص، ولاحظ أنها تأثرت بالتأثير السوري، ثم بالمصري وبذلك كانت غير مستقلة من حيث المعمار. وإلى تونس القديمة، كتب تيرش أنها تضم أقدم مجموعة للمآذن بشمال أفريقيا في القيروان. ويعتبر تيرش مسجد سيدي عقبة بالقيروان صاحب أقدم مئذنة في إفريقيا.
وهنا يؤكد تيرش على التشابه الواضح بين المئذنة و فاروس القديم بطوابقه الثلاثة الذي يتضح وضوح الشمس. ويعرض لأشهر مآذن أسبانيا وأشهرها مئذنة جيرالدا بأشبيلية، والتي وجدت قبلها مئذنة مسجد قرطبة واليت كانت أشهق وأشمخ مئذنة شهدتها إسبانيا على الإطلاق، وهي المئذنة الوحيدة التي وصفها الإدريسي بالتفصيل في كتابه عن جغرافية إفريقيا وإسبانيا.
وأشار المؤرخ الألماني هيرمان تيرش في دراسته هذه إلى الضخامة التي تتميز بها مآذن شمال أفريقيا في المغرب والجزائر وتونس، مقارنة بالشكل الرفيع والرشيق والمعتاد لأبراج المساجد الأخرى، لذا افترض علاقاتها مع مئذنة جيرالدا بأشبيلية.

وذهب إلى دراسة أشكال المآذن في صقلية وواجهات الكاتدرائيات ومنها كاتدرائية مونريال، وكذلك قام بدراسة مآذن بلاد الفرس المخروطية الشكل وبلاد الرافدين، واستعرض تاريخ أبراج الهند في العصور الوسطى ومنها قطب منار دلهي، وبرج النصر في تاش تور، ومئذنة ذورخ في كابول.
واستكمالا لتأثيرات فاروس في العصور الوسطى، يتطرق هيرمان تيرش إلى فن العمارة المسيحي (أبراج الأجراس)، ويحاول التمحيص في علاقة المئذنة ببرج الكنيسة، والتي يرجع تاريخ إنشائها إلى القرن السابع الميلادي في إيطاليا، ويرجع الفضل في ذلك إلى كارل الأكبر، كما أنشأت الأبراج الأربعة أو المزدوجة في القرن التاسع الميلادي شمال منطقة الألب. وقد ارتبطت المئذنة ببرج الكنيسة خاصة في سوريا، وأشار إلى أن الشكل الأقدم لأبراج الكنيسة كان في أوروبا وكان يتخذ الشكل الاسطواني الدائري، كما يوجد غالباً في رافينا، والمربع المضلع الزوايا كما في روما وفي باقي إيطاليا.
وركز تيرش على أن الطراز القوطي توسع تدريجياً في أوروبا كلها في مبنى الكنائس وكما كان في الإسكندرية تطور شكل الأبراج من مربع إلى مثمن ثم دائري أو في شكل متماثل، وأصبح الشكل المربع أو الغليظ مألوفاً في عصور النورمانيين والسكسنيين. واستنتج أن الاستيطانات الرومانية وأسوار الحدود بأبراجها، هي التي جلبت للبلاد ولأول مرة الشكل المربع، ويرجع ذلك إلى التعبير لحضارة رفيعة المستوى، في مقابل الشكل المحلي الكتلي القديم هناك.
وينتهي في الفصل السادس بشرح مفصل لبرج تابوزيريس ماجنا، والمنطقة الأثرية وجميع البقايا الأثرية على طول الساحل الغربي والتي ترجع إلى ما بعد العصور الفرعونية. والتي كان يقطنها قبل اليونانيين قبائل من النومديين البدو.
فيما خصص الجزء الثاني من الملحق لتاريخ المساجد، موضحاً أن أقدم مسجد ببلاد العرب مسجد الرسول ذاته بالمدينة لم يكن له إيوان وفي مصر القديمة، مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط ولم يكن له فناء. وهو شيد بعد مسجد الرسول بعشرين عاماً. وذكر أن مسجد الرسول محمد بالمدينة يبلغ 50 ذراعاً في المربع.
ويشير المؤرخ الألماني تيرش إلى أن انتشار الإسلام أدى إلى ارتقاء أماكن العبادة، واتجه إلى عقد مقارنات معمارية بين أشهر المساجد الإسلامية منها المسجد الأموي بدمشق والمسجد الأقصى، كذلك المسجد الحرام بمكة الملتقى الأكبر لجميع المسلمين في العالم.
وأشار إلى أن كلمة جامع استخدمت منذ القرن الرابع الهجري للمباني الكبيرة، فيما استخدمت كلمة مسجد - في ذاك الوقت - فقط لإقامة شعائر الصلوات المفروضة، ولإقامة النوافل فقط أثناء الأسبوع. وبعد ذلك جرى استخدامها في اللوحات التأسيسية المكتوبة.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف