ثقافات

الشاعر عمر حاذق: أخاف من الشعر

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد الحمامصي من القاهرة: أهم ما يميز الشاعر عمر حاذق هو إصراره على تشكيل نسيج شعري يخصه، أن تكون لقصيدته سماتها الخاصة، الأمر الذي يمثل هما أساسيا في رؤيته، وأخيرا أصدر ديوان "أصدق من الشتاء" الذي قدم له الناقد الكبير د.أحمد درويش مؤكدا أن الديوان يحمل روحا تدل على موهبة أصيلة وصقل عبر التدقيق والمراجعة وقراءة تراثية ومعاصرة، تخلع نفسها على الجسد الذي تصبح جزءا منه، فيمتصها كما تتمثل المعدة الصحيحة الغذاء الجيد فيصير لحما ودما متجانسا.
وفي هذا الحوار معه نتعرف على رؤيته الشعرية بداياتها وسياق مسيرتها حتى صدور ديوانه الأخير.

** يمثل ديوانك الصادر أخيرا عن دار أرابيسك "أصدق شمس شتاء" ديوانك الثالث المطبوع، حيث أصدرت ديوان "خربشات" سنة 2001 ثم "لن أستحم" سنة 2006 وقد تجاهلت الإشارة إليهما بنهاية ديوانك هذا، وأشرت إلى ديوان مخطوط جاهز للنشر منذ 2005 عام، هل يعني ذلك عدم رضى بهذه الأعمال أم أنك ترى تجربتك قد تجاوزتهما؟
** لا بالطبع لا يعني ذلك، لكنك أثرت إحدى "مشكلاتي" مع الشعر، فأنا أخاف من الشعر كثيرا، ومنذ بدايتي المشتتة سنة 1996 كتبت ما يكفي لإصدار ستة دواوين تقريبا، وبعد أن أسقطت هذيان البدايات نشرت عام 2001 ديوانًا بعنوان "خربشات"؛ على نفقتي الخاصة وبشكل محدود، ووزعته بنفسي على أصدقائي، واعتبرته بالون اختبار. والحق أنه أفادني كثيرا رغم قلة الأصدقاء الذين قرءوه ونقدوه بجدية؛ ثم في سنة 2002 تقدمت بديوان أحدث "عطش ما" لسلسلة كتابات جديدة بهيئة الكتاب وأجيز الديوان الذي ظننته فتحا في عالم الشعر، ولكنه ظل ينتظر دوره ثلاث سنوات كنت قد كتبتُ فيها مجموعة كبيرة من القصائد المغرقة في الرومانسية، اخترت منها ديوانا عنوانه: "أحببتكِ لا أكثر"، وسحبت ديوان "عطش ما" من الهيئة بعد أن زهدت فيه تماما، وقدمت الديوان الجديد -الذي لم أشكّ وقتها أيضا في تفرده شعريا- للكتاب الأول عام 2005 وأجيز أيضا لكن كانت مخازن المجلس الأعلى للثقافة ممتلئة مما أخر طباعة الكتب الجديدة، وفي 2005 أيضا فازت مجموعة أخرى هي "كما أنت حلوة" بجائزة الدكتور عبد الله باشراحيل لإبداع الشباب بمصر. ثم في عام 2006 انتقلت للإقامة في القاهرة تاركا الإسكندرية إثر أزمة روحية ونفسية آلمتني ألما كبيرا، ورغبتُ في تعذيب ذاتي، فتركت أسرتي وانسلخت من كل ما كنت مؤمنا به، وكانت القاهرة هي الحل؛ الحل الذي يوقف نزيفي العاطفي الذي تصاعد بتصاعد خلافي المحموم مع أسرتي ومع روحي ومع تصوري عن الشعر والوجود، ويمنحني عذابا يشفي إحساسي الجارف بالذنب تجاه كل ذلك.
في هذه المرحلة استفدت خبرة شعرية مهمة لأي شاعر: أن أخاف من الشعر. فلأول مرة أنظر إلى كتابتي السابقة بهذا القدر من عدم التقدير. ولذلك أندهش كثيرا من الشعراء الذين يصدرون ديوانا سنويا مثلا أو حتى نصف سنوي!! أتصور أن الشعر يستدعي الكثير من التأمل وتقطير الأفكار والأحاسيس واستهداف الأمور من زوايا غير معهودة لرؤيتها؛ على نحوٍ ما أنت تقهر العالم عندما تأخذه هذا المأخذ. ذلك يحتاج الكثير من الصبر والأناة والقراءة والتأمل ومقاومة التلقي المألوف لمعطيات حياتنا ودواخلنا، كما يقتضي تجريب تقنيات وقوالب مختلفة للكتابة واحترام الحق في التعلم والمحاولة وإعادة اكتشاف الذات الشاعرة التي قد تتموضع في قوالب أو مناطق غير ملائمة لها؛ وربما تنحبس فيها وهي بحاجة لانعتاق يمنحها قدرة على تقديم طرح جمالي أفضل.
وفي القاهرة أيضا كتبت قصيدة النثر بعد أن كنت قد أدمنت قراءتها فترة دون الجرأة على مقاربتها إبداعيا. وأصدرت على عجل مجموعة قصائد نثر في طبعة محدودة لديوان "لن أستحم" للمشاركة بها في مسابقة أقامها اليونسكو لكنني لم أتمكن من التقدم في الوقت المناسب، ومرة أخرى ندمت على الإسراع بالنشر قبل ترك المجموعة تختمر وفق زمنها الخاص، وقمت بسحب ديواني من الكتاب الأول عام 2007 حين أوشك على دخول المطبعة، بعد مشاركتي في مسابقة أمير الشعراء التي أضافت لي إضافة مهمة؛ تمثلت في صداقة شعراء شباب؛ بعضهم ذو حس نقدي مرهف مثل الشاعر عبد الله أبو شميس... قضينا أوقاتا طويلة نتحاور ونقرأ قصائدنا وننقدها ثم تواصلنا إلكترونيا بعد ذلك، تلك كانت مرحلة جديدة في رؤيتي للشعر؛ تغيرت بعدها طريقة قراءتي وكتابتي، وأعدت كتابة الكثير من قصائدي وأسقطت بعضها، وبدأت اللعب مع الشعر؛ فهناك قصائد أكتبها في شهور طويلة؛ بتمهل واستمتاع تامين، وهناك قصائد كتبتها كتابة أولى سنة 2004، ثم استمرت تداعبني حتى أعدت كتابتها أكثر من مرة خلال السنوات اللاحقة. وحين نصحني الأصدقاء بضرورة نشر ديوان نشرا عاما وليس شخصيا محدودا استغرقت سنة كاملة لأختار من بين عدد كبير جدا من القصائد، وبالطبع لم أملك منع قلمي من اللعب مرة أخيرة مع ورق القصيدة، لكنني الآن أشعر بتحرر لذيذ.

** تحتفي احتفاء كبيرا بالموسيقى والإيقاع في تجربتك، كما تحتفي بلغة تجمع بين التراث والمعاصرة، هذا في الوقت الذي يقاطع جيلك من شباب التسعينيات والألفية كل هذا، فأغلبهم يكتبون قصيدة النثر محاولا تخليق إيقاع ولغة جديدتين.. كيف هو الأمر عندك؟
** الأمر بسيط للغاية؛ وبإيجاز يمكن طرح جملة أفكار تجلو الأمر:
- عند استقراء تاريخ الحداثة ونشأتها الأوروبية يتضح أنها وُلِدت ولادة طبيعية تماما وتخلقت في حميا الصراع الفكري والثقافي والسياسي والأخلاقي الذي بدأ يتبلور مع التطور العلمي والانفجار الصناعي الهائل وظهور الطبقة البرجوازية كطبقة اجتماعية فتية تمارس دورها التاريخي بشكل مروع، مع إحساس عارم بالانسحاق أمام عالم قوي لا يرحم، ومن ثم صراع ديني ثقافي فني مع معطيات التاريخ الأوروبي وميراثه في العصور الوسطى؛ كل ذلك عاشه الناس بأفكارهم ومشاعرهم وهممهم المتوقدة، وكانت الحرية هي سيدة هذه المرحلة، فكان المخاض الحداثي العاصف. أما نحن فلا ناقة لنا ولا جمل في شيء من ذلك كله؛ من هنا وُلِدت حداثتنا العربية بعاهات مستديمة: هل يمكن للمبدع العربي أن يتمثل قيم الحرية والحداثة وينتجهما في كتابته إذا كان هو نفسه مورست ضده شتى أشكال القمع والعسف طفلا وتلميذا ومراهقا وجامعيا، ليعيد هو إنتاج هذه الأشكال عاشقا وزوجا وأبا ومبدعا و....؟ هل يمكن ذلك؟ حتى لو تصور المبدع العربي أنه كنس موروثه الديني والأخلاقي والثقافي كاملا؛ ورماه إلى مزبلة التاريخ؛ هل هذا ممكن؟
- هذا طبعا ليس نفيا للحداثة التي هي واقع اكتمل وتطور حتى مات مخلفا ما بعد الحداثة التي هي توجه فكري مناقض لقيم الحداثة التي قررت النخبة الأوروبية أنها نكبت العالم بحربين عالميتين، وأن قيم الحداثة التي كانت تتوخى الحرية أفرزت توجهات فكرية وسياسية شديدة الهمجية؛ فتبنى المثقفون والفنانون العودة إلى الأساطير والأديان والموروثات اللاعقلانية للشعوب؛ ارتدادا إلى الماضي الذي عادتْه الحداثة واضعة المستقبل والعلم نصب عينيها (هل نتذكر مدارس الحداثة المهمة في بدايات القرن العشرين: الانطباعية والمستقبلية والدادائية والتعبيرية والتكعيبية والسريالية وهي التوجهات التي تبنت الاستفادة من قيم العلم وتوجهاته في الفنون، مثل هندسة الفراغ لدى التكعيبية وعلم الضوء لدى الانطباعية والتحليل النفسي لدى السريالية و....) من هنا نادت ما بعد الحداثة بالخرافة بديلا عن العلم وبالأساطير بديلا عن التفكير العلمي وبالعودة إلى التراث بديلا عن التطلع إلى مستقبل الإنسانية الذي لم يعد يثق فيه أحد؛ كل ذلك في سياق عولمي يعمل ليل نهار على محو الذاكرة الجمعية للشعوب وتفريغ محتواها الثقافي وتحويل هويتها إلى هوية أممية (أمريكية) ممسوخة؛ وذلك عبر جيش من وسائل الميديا المتطورة.
- إذن هل يمكن -في هذا السياق- أن نتصور أدبا حقيقيا يقاطع تراثه ولا يتمثله ولا يحاوره؟ هل الشعر الذي لا يزيد عن كونه استنساخا للشعر الأوروبي الحديث والذي تكتبه أجيال مختلفة -وليس الشباب فحسب- هل يمكن أن نعده منجزا حقيقيا في ظل دعوة النخبة المثقفة في العالم إلى العودة لماضي الإنسان والبحث فيه عن موروث يؤكد هوية الشعوب؛ حماية لها من عولمة تلغي هذا الموروث محيلة وجدان تلك الشعوب لوجدان أممي مصنوع بشروط أمريكية ذات طابع استعماري حديث يستبدل بالجيوش القديمة وسائل تقنية لطيفة تتسلل إلى بيوتنا وسياراتنا وتلفازاتنا بدأب استثنائي لا نملك أي قدرة دفاعية ضده؛ وهو ما يلغي الشرط المعنوي الذي يحدده علم الاجتماع كإطار أولي يضم المحددات الأخلاقية والدينية والثقافية التي لا غنى عنها لأي جماعة بشرية لتصبح مجتمعا لا مجرد نسيج بشري مهدد بالمحو التام من الوجود (هل نتذكر الصورة الاستعارية التي يرددها علماء الاجتماع عن المجتمع البشري بأنه عربة يجرها حصانان هما: الشرط المادي -الذي يشمل وسائل الإنتاج المادي أيا ما كان وآلياته وشروطه- والشرط المعنوي -الذي يشمل الميراث الثقافي والفكري الذي يؤطر سلوك الأفراد- بحيث يؤدي سقوط أحد الحصانين حتما لانقلاب العربة بمن فيها؟).
- في تصوري أن ذلك كله دفع إيزابيل الليندي مثلا -وغيرها من أدباء أمريكا اللاتينية- لإعادة إنتاج أساطير الهنود الحمر والبحث عن الحكايات العائلية المروية عن الأسلاف لإعادة تخليقها في رواياتها... في الوقت الذي يكتب فيه أمير شعراء أمريكا -بيلي كولينز- لحبيبته هذا الشعر المفعم بالرومانسية بمعناها الإنساني العام (الحب)؛ حين يقرأ عليها قصيدة أعجبته: "وحين أقرأها لك بعد ذلك في الظلام/تكونين الجرس/وأنا لسان الجرس الذي يدق فيك/وتكون الفراشة قد طارت.... تتحرك فوق فراشنا/مثل قصاصة من الورق".

** أيضا تحمل قصائدك حسا رومانيسا عاليا يتجلى في اللغة والإيقاع، فهل تنطلق في كتابتك للقصيدة من مفاهيم خاصة للغة والصورة والإيقاع؟
* أظن أن عبارة (حسا رومانسيا) عبارة ملبسة؛ في ظل فوضى المصطلحات المترسخة في نسق مفاهيمنا الثقافية. ومع ذلك فبعيدا عن اصطلاح "الرومانسية" بمعناها المدرسي الضيق والمرتبط بحقبة تاريخية خاصة؛ كانت الرومانسية -بمعناها الإنساني العام والحالم- ركنا مهما في بناء موروثنا الشعري العربي، وظلت حاضرة تتنفس فيه حتى العصر الحديث. ووفق رؤيتي للشعر لا يمكنني تجاهل ذلك كله ولا القفز عليه. والحق أن الحب ظل حاضرا في مجمل إبداع العالم -ولايزال- وليس الشعر العربي فحسب؛ وإلا ما الذي جعل لوركا مثلا -وهو أحد آباء الحداثة الشعرية الأوروبية- يكتب مناديا حبيبته: "إيرين! من بعد، سوف تأتي الأمطار والثلوج/فارقصي على الخضرة/على الخضرة الخضراء/وسوف أرافقك أنا/آه كيف يجري الماء/ آه من قلبي"، وما الذي يجعله يكتب أيضا: "لم أُرِدْ/لم أُرِد أن أقول لك شيئا/رأيت في عينيك شجرتين مجنونتين/من النسيم والضحك والذهب/كانتا تتأودان/لم أُردْ/لم أرد أن أقول لك شيئا.
ولكن يبقى السؤال الأهم شعريا: كيف يمكن التعاطي مع أي تيمة شعرية شائعة على نحو يجعلها طازجة تلك الطزاجة التي نحسها ناضرة وثابة حتى الآن في شعر المتنبي وامرئ القيس، بل في شعر عنترة الذي بدأ معلقته -منذ 1500 سنة أو يزيد- متبرما صارخا: "هل غادر الشعراء من متردم؟؟" باحثا في معلقته ذاتها عن صوته الخاص الذي يتغنى بقيم وموضوعات شعرية تداولها الشعراء قبله دون أن يمنعه ذلك كله من إعادة التعاطي معها بالكيفية التي تدخلها ضمن نسيجه الشعري الخاص.

** تجليات الإيقاع واللغة والصور لديك تدعو إلى السؤال عن حجم التأثير الذي يمارسه المتلقي عليك أثناء كتابتك للقصيدة؟
** يبدو لي أن المتلقي بدأ يتحول إلى "بعبع" يخافه المبدعون ويصارعونه؛ كلٌّ بطريقته؛ وحديثا قرأت تصريحات لبعض المبدعين يعادون فيها المتلقي بطريقة بدت لي غريبة؛ مثلا قال بعضهم إنه "يتعالى" على المتلقي ولا يأبه به، دون أن يتصور هؤلاء الأصدقاء أنهم ربما يكونون هم ضحية هذا المتلقي، بمعنى أنه كان ذا سطوة كبيرة عليهم عندما شغلهم بنفيه إلى الحد الذي دفعهم لصياغة إبداعهم ضده؛ وهذا ربما يثبت "سلطة" هذا المتلقي المقصود تغييبه.

بالنسبة لي أترك النص يحدد أسئلته ومساره الخاص المنبثق من بذرته؛ لذا لدي نصوص اقتضت طبيعتها نوعا من التواصل والبساطة والبوح، وكانت لدي نصوص أخرى في الديوان جاءت تركيبية أو مؤسَسة وفق معمار خاص أو محاوِرة لنصوص تراثية أو محيلة إلى إشارات ومعطيات تاريخية خاصة. وفي كل ذلك كان المتلقي -الذي أنا واحد منه- حاضرا حضورا ما دون أن أقصد إلى ذلك، أو حتى دون أن أشعر به. دائما كان النص يفترض أسئلته ونسيجه وبالتالي متلقيه. وبهذا المعنى يكون من الطبيعي وجود نصوص تختلف باختلاف حالات الشاعر ورؤاه ومزاجه الفني، فالشاعر ينقسم على نفسه شأن أي إنسان؛ فيحتاج الشاعر الحداثي أحيانا لاستماع غناء أم كلثوم ذي الإيقاع الكلاسيكي البطيء بطء عصره، بقدر احتياجه أحيانا أخرى لاستماع موسيقى الجاز، أو كما يتمتع بلوحة الموناليزا بقدر تمتعه بلوحات دالي. أنا أحترم هذا التناقض الإنساني بكل تجلياته الإبداعية.
ورغم هذه الملحوظات العابرة، لا يمكن أن نتجاهل الأزمة الواضحة في تلقي الشعر في العالم كله، لأسباب ليس هذا مجال تفصيلها مثل: ميل الذوق العام للرواية الابنة الشرعية للبرجوازية؛ في وقت قصد فيه الشعراء قصدا إلى طرد المتلقي من فضاء القصيدة، كما لا يلغي ذلك كله الجزء الجوهري من الأزمة، وهو معاناة المتلقي المعاصر -والعربي بخاصة- وحرمانه من حقوقه الأولية في كسب القوت وفي التعليم وفي الحياة الإنسانية -مجرد الحياة الإنسانية- حرمانا لا يتيح له حتى أن يقرأ بشكل صحيح النص المكتوب بلغته الفصحى!!!
وأحب أن أختم ملحوظاتي باقتباسين: الأول من الكاتبة الأمريكية إليزابيث ستراوت الفائزة بجائزة البوليتزر؛ فقد نشرت أخبار الأدب حوارا صحفيا معها أجابت فيه عن سؤال حول أهمية المتلقين إجابة مدهشة: "أفكر في أن أكتب ما يفيدهم، أن أنقل قلبي بأمانة على الورق وأن أعطيهم أصدق ما لدي؛ ألا يشعر القارئ أنه أضاع وقته بعد قراءتي". والثاني قصيدة لبيلي كولينز هي "عزيزي القارئ" يقول فيها:" يعتبرك بودلير أخاه/وبين فقرة وأخرى ينادي عليك فيلدينج... وها أنا بدوري أدعوك... يرحب بك بوب في غرفة مكتبه المستعرة...".

** وما هي رؤيتك للصراع القائم بين شعراء قصيدة التفعلية وشعراء قصيدة النثر؟
** هذا صراع إبداعي خلاق ومثمر؛ فوفق نظرية المجال لبورديو، يبحث الجيل الجديد من المبدعين عن مواقع قوية داخل المجال الإبداعي؛ الذي يتصدره دائما مبدعون أقدم منهم تصدروا هذا المجال منذ شبابهم، فلا يجد الصاعدون الجدد إلا محاولة البحث عن قوالب ورؤى وتقنيات جديدة تسمح لهم بتقديم منجز أكثر حداثة وأقرب إلى روح العصر المتجددة؛ بما يمنحهم مواقع إبداعية متقدمة بإزاحة الأقدم منهم عن الصدارة؛ وبهذه النظرية يفسر نشأة الاتجاهات الجديدة في الإبداع، وهذا -في أحد جوانبه- يفسر نشأة قصيدة التفعيلة ثم قصيدة النثر.
لكن تبقى هناك إعاقات ثقافية واضحة سببها الأزمات العامة الجاثمة على المجتمع؛ وهي تشمل المبدعين كما تشمل غيرهم. فبقدر ما يرى بعض الشعراء الشباب -بدوجمائية محيرة- أن قصيدة النثر شر وخطر على ما هو بائد من موروثنا الذي ينبغي أن نظل نجتره خارج سياق الحياة والتاريخ، يرى شعراء آخرون أن الكتابة وفق أي شكل قديم -بيتي أو تفعيلي- ردة جاهلية يجب رفضها قبل مساءلة النص بنزاهة. وفي السياق ذاته، يستسهل بعض الشعراء التفعيليين الاتكاء على الإكليشيهات القديمة هروبا من تقديم أي طرح أصيل يتطلب العكوفَ على تخليقه، استنادا إلى الموهبة وإلى تمثّل المنجزات الحديثة في الفكر والفن؛ وذلك بقدر ما يستسهل بعض شعراء قصيدة النثر التواري خلف الثرثرة والأفكار المهوّشة هروبا أيضا مما ينبغي على الشاعر من إحكام أدواته واحترام تاريخه اللغوي بمكنوناته الأسلوبية والبلاغية، دون أن يحرمنا هؤلاء وهؤلاء من مواهب شعرية حقيقية وجادة تحترم فنها سواء اختارت القالب التفعيلي أو النثري الذي لن يمنع -بالطبع- أي شاعر حقيقي متسق مع ذاته من تقديم تجربة جديرة بالإعجاب والتقدير.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
شمس حاذق
يوسف علي الفراتي -

جهد جميل، أتمنى أن يكون بوسعي التوفر على المجموعة خلال الفترة القادمة. وأنا أكتب فكرت: ماذا لو كان الشاعر عراقيا، لكنا رأينا السكاكين تنحره بلا هوادة من قبل مجموعة من الأسماء الزائفة. ابتسم يا صديقي لأنك لست مبدعا عراقيا.

تحية للإبداع العراقي
عمر حاذق -

شكرا لتواصلك صديقي يوسف واهلا بك قارئا وانسانا طيبا، لكن يا اخي الابداع الشعري العراقي كان ولايزال محل تقدير دائم من الجميع. محبتي

تحية للإبداع العراقي
عمر حاذق -

شكرا لتواصلك صديقي يوسف واهلا بك قارئا وانسانا طيبا، لكن يا اخي الابداع الشعري العراقي كان ولايزال محل تقدير دائم من الجميع. محبتي

طرح شعري عقلاني !
نديم الفرات -

بحثت في النت عن قصائدك ولم أجد ما يسعفني للتعرف عليك أكثر رغم أن ما قرأته باللقاء أغرى ذائقتي نحوك أرجو أن تهتم بالتدوين فنحن هنا في العراق من الصعب أن يصل لمكتباتنا كل المنتج الإبداعي العربي ،،، أمنياتي لك بسنة إبداعية طيبة

شكرا صديقي نديم الفر
عمر حاذق -

شكرا لك صديقي، واتمنى ان نتواصل، لكن قل لي هل الفيس بوك متاح عندكم؟ ستجد شعري على صفحتي وهي باسميomar hazekولي مدونة ستجده عليها ايضا، والمشكلة ان ما لي على النت قديم جدا ولا يمثلني مع الاسف، شكرا لروحك الجميلة ولك محبتي وامنياتي الطيبة

شكرا صديقي نديم الفر
عمر حاذق -

شكرا لك صديقي، واتمنى ان نتواصل، لكن قل لي هل الفيس بوك متاح عندكم؟ ستجد شعري على صفحتي وهي باسميomar hazekولي مدونة ستجده عليها ايضا، والمشكلة ان ما لي على النت قديم جدا ولا يمثلني مع الاسف، شكرا لروحك الجميلة ولك محبتي وامنياتي الطيبة