قراؤنا من مستخدمي تويتر يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر إضغط هنا للإشتراك
لست متأكدة من هذه القرابة لكنه المنزل الوحيد الذي مارست فيه حريتي المطلقة ولم يجرؤ أحد على الحد من أفكاري ولا إنسانيتي. لا يهم أحد هنا أن يفكر في الآخر.كل الأمور تتساوى عند أهل البيت يتلقونها بحياد لا يستطيع أن يفاجئهم معه شيء. لذلك أقبل هذه القرابة خصوصا أنها تنقذني من قبضة أمي يومي الخميس والجمعة. أذهب اليهم لمشاهدة التلفاز هذا المخزون الذي أرجع إلى البيت حاملة كل ما به من احداث وقصص وحكايات مدهشة لا تنتهي. البيت مزدحم بأشخاص اتخيل أنهم لم يتعرفوا على بعض البعض إلا للمرة الأولى ومن يلتفت لذلك لن يهمه من هم. يسكن أهل البيت في الدور الارضي و كل من يمر بالحارة يقف أمام البلكونة لوهلة لمشاهدة التلفاز ومنهم من يترك مشواره ويدخل البيت المفتوح لكل المارين من أهل الحارة. خالتي وطن هى أول من اشترى تلفازا في مصر أحضره زوجها أبو جمال معه من الكويت كما اشترى هذا المنزل في حارة رجب المتفرعة من شارع المحمودي بشبرا. يصعب على الآن أن أصف سعادتي أنا وأخواتي بذهابنا إليه. كنا نخطط ونجهز ملابسنا قبلها كأنه عيد وعندما نرجع نظل نحلم ببطل الفيلم،نحكي عنه طوال الطريق. حتى اني كنت احلم بحكايات تخصني مع بطل الفيلم أكون فيها البطلة حتى اشاهد فيلما جديدا في الاسبوع الذي يليه. اتفرج على فيلم آخر وتتوه مني شخصية البطل والبطلة في الفيلم القديم لتحل محلها شخصية آخرى اغرق معها في تفاصيل أحلام نصفها من الفيلم والباقي من خيالي. أضع البطل كما يحلو لي في الأحلام. كانت الحجرة التي نجلس بها تحتوى على سرير بعواميد تغطيه ناموسية تنزلها خالتي وطن عند نعاسها وهى تشاهد الفيلم. و السرير تحوطه من أسفل ملاءة مربوطة من كل الجوانب وتحت السرير مرتبة قديمة ومخدة ولحاف قديم إذا نعس طفل من الموجودين أوأراد أحدهم أن ينسحب يدخل تحت السرير لينام. بجانب السرير كنبة ودولاب وفي الواجهة شيفونيرة قديمة عليها تلفزيون وعلى الأرض سجادة يجلس عليها كل الموجودين حتى أنها أحيانا لا تسعهم فيجلس الصغير منهم فوق حجر الكبير وأحيانا يقف بعضهم.أما أنا واخواتي فكان من نصيبنا دائما هذه الكنبة لأن أولاد خالتي كانوا يعتبروننا ولسبب ما أرفع شأنا منهم.ربما كان هذا بسبب خجلنا أو مظهرنا الارستقراطي الخادع الذي يختبىء وراءه قلب ينبض بالخوف. كنا لا نذهب إلا ونحن مرتدين أفضل الثياب. رأيت هناك تورلي جارة خالتي التي تسكن في المنزل المقابل في الدور الأرضي. كان بإمكان من يقف في بلكونة خالتي أن يكشف كل ما يجري داخل شقة تورلي التي لا تفتحها أبدا إلا وقت التهوية. فتفضل الجلوس أمام المنزل في الحارة كي لا يرى أحد الحاسدين غرفة نومها البمبي التي تعتبرها الشيء الأعز إلى قلبها. تقضي بها كل أوقاتها هى وحمادة زوجها عازف الاكورديون وصاحب الفرقة. كانت راقصة الفرقة وقد تزوجت بعد قصة حب طويلة ثم أجبرها حمادة على الجلوس في البيت وتربية أطفاله. أول مرة رأيتها وهى ترتدي قميص نوم قصيرا وعاريا وتضع منديل :بأوية" على شعرها الأسود الكثيف الناعم فتنزل بعض الخصلات على خدها تاركة شعرها على ظهرها متعمدة من حين لأخر أن تخلع المنديل ثم تضعه بدلال و هى تبتسم ابتسامة عريضة تظهر أسنانها الناصعة. تجلس تورلي متربعة على الارض بجانب السرير وبجانبها أطفالها الثلاثة سيد 5 سنوات ودربكة 3 سنوات وتوحة 9 شهور يجلسون. تلتقط خالتي توحة من يد تورلي لتفسح لها مكانا لعمل القهوة والتفرغ لقراءة الفنجان. تبدأ طقوسها في عمل القهوة وصب الفنجاين وتلف علينا كل بدوره الضيف المهم أولا ثم خالتي وإذا تبقى شيء في الكنكة توزعه على الأطفال الموجودين مقابل خدمتها أو حمل أطفالها أو شراء احتياجاتها. فجأة يصرخ ابنها صرخة عالية فتترك الفنجان وترفع الملاءة وتنظر تحت السرير وترى زوبة عارية وقد فتحت بنطال ابنها ولباسه وأخذت تمارس معه بعض الألعاب الجنسية حتى ضغطت بفخذها على عضوه فصرخ. صرخت تورلي بدورها يخرب بيت أمك هتموتي الواد يا مفترية هو ابوك طفش منك أنت وأمك من شويه. تنظر إليها زوبة وتنفخ اللبانة في وجهها متجبيش سيرة أمي وأبويا ابنك أهو عندك. تضحك تورلي أهو عندك متزعليش بالراحة عليه دا لسه صغير خليه معاك عبال مشوف لخالتك الفنجان. تخرج زوبة من تحت السرير باحثة عن شبشبها وكمان سرقوا الشبشب وتنتعل شبشبا أخر بجانب الباب وهى تبرطم خلي ابنك ينفعك الخول المعفن وتخرج. تبدأ تورلي من جديد بقراءة الفنجان الفارغ والغريب أنه كانت لها فعلا القدرة والفراسة على قراءة أفكار الناس والتخمين بما سيحصل لهم وقد تنبأت بالأفراح والأحزان مرات من قبل. يصحو زوجها، تسمع صوت سعاله فتترك المكان على الفور وتترك أطفالها أيضا، لا تتذكرهم إلا عند مغادرة زوجها. فتفتح البلكونة لتظهر حجرة نومها البمبي المبهرة النظيفة وتظهر في ثوب نوم مختلف وفوطة على كتفها وتبدأ في تمشيط شعرها المبلل متظاهرة بالكسل. تنادي عليها خالتي وهى ممددة على سريرها الخشبي نامي شويه العيال اتخمدوا وناموا. ترد تورلي في كسل : الله يخليكي اما أصحى هأجي أشوف الفيلم معاكي عشان حماده عنده فرح النهارده وهيسهر تضحك وطن عشان كدا هديتي حيله أحسن يبص للرقاصة الجديدة مع أنها معرقبة وتقرف بس بتموت في حماده يلا تصبحي على خير وتختفي. يظهر عمار بصدره العريض وذراعاه القويان مرتديا جلبابا واسعا جالسا على عربة للمعوقين. لا يظهر له سيقان يقف أمام البلكونة وينظر داخل الحجرة وبصوت خشن أخذ سنوات ليتقنه: ايه يا خالتي فيه حاجه عايزه أي حاجه. الحمدلله يا حبيبي كلكم بخير تعال شوية ادخل يا عمار. لا أنا جاي بس اطمن عليكم وعلى الناس اللي في الحارة. كلنا كويسين يا حبيبي بس الواد رفعت ابن أم شحات وقع على رأسه قالب طوب في الشارع اللي ورانا عند الفرن كان بيشتري عيش لأمه. بفعل فاعل يا خالتي؟ لا يا حبيبي دا نصيبه. وهو فين دلوقتي؟ في مستشفى كوتشنر وامه معاه والعيال كلها هناك طب انا رايح له حالا وهجيب له حقه وحق أمه من أصحاب الفرن. وهم مالهم بس يا بني. هم مسئولين يا خالتي مش كان بيشتري العيش من عندهم أمال أمه الغلبانه دي هتعالجه منين. يالله يا بني بالسلامة ربنا يجعلك نصير الغلابة والمظلومين ويرجعلك رجلك قادر يا كريم. كان عمار قد فقد ساقيه في حادث اتوبيس نقل عام وكان من الأشقياء قبلها. ذهب عمار ليطمئن على رفعت، اعطاه بعض النقود واخبره انه سيذهب إلى الفرن ليأخذ له حقه. قالت له أم رفعت التي اطلقت على ابنها اسم شحات ظنا منها أن عمره سيطول قالت يا سي عمار انا مسامحه الحمدلله الدكتور قال جرح سطحي وربنا ستر. قال عمار المهم لو له حق ميسكتش عليه وانا تحت أمركم في أي وقت. ذهب عمار إلى المقهى ليبحث عن مصدر رزق. كان المقهى هو المحطة الاخيرة التي يستريح عليها ويقابل اصدقاءه ويستمد من الناس كلمات الثناء التي تدفعه وتعينه على الحياة. والشباب الذين يطعيونه ويقدمون خدماتهم له بدافع الحب مقابل حكمته الجديدة وحواديته التي لا تنتهي كلها عن بطولاته وحادثته وكيف انه شكر الله ولم يكفر حين بترت ساقيه. وأن هذا درس من الله كي يشعر بالناس من حوله ولا يستخدم قوته إلا في عمل الخير ومساعدة الناس. كان عمار يقوم مقام شيخ الحارة وكم من عروض كثيرة عرضت عليه من تجار مخدرات لكنه رفض وحاول أن يثبت ذاته برجولته وانسانيته. وبينما كان يجلس أمام المقهى مع بعض الاصدقاء لمح طفلة تعبث بأحبال ومشابك الغسيل من البيت المقابل حذرها من السقوط لكن الطفلة لم تفهم كلامه وفي لمح البصر كانت تهوي في الهواء كورقة والناس تصرخ ووالدتها تستغيث اندفع عمار تجاهها فاردا ذراعيه ممسكا الطفلة ولم يخش على نفسه من السقوط حتى أو الإصابة. وكان له أحلام غريبة وكأن الحارة دولته الخاصة وأن الله أعطاه قوة إلهية تؤهله لاكتساب حب أهل الحارة. عندما علم أبو الطفلة وكان صحفي توسط له في الحصول على ساق صناعية ومنحه كشكا في مكان استراتيجي أمام الشارع المؤدي للحارة وبجانب الشكك كان هناك مقهى للسائقين وعلى يمينه مستنقع للبوظة ومحطة أتوبيس. ورغم فرحته بالساق إلا أنه كان يجلس على عربته ويربط الساقين بجانبه أمام أهل الحارة من فتيان وشباب فقد اعتادوا على الذهاب إلى البوظة لاعتقاد توارثوه عن أجدادهم انها تشفي من امراض كثيرة وخصوصا عندما يتجرعونها قبل ان يدخل أمعائهم أي طعام. واخرون يشربونها لدرجة السكر ومنهم حمئة الذي أصبح شابا من شباب الحارة المعروفين والمدللين لخفة دم أمه وفنجانها الذي لا يخطىء أو يخيب. وأبوه الذي قام باحياء اكثر أفراح الحارة بلا مقابل. ظلت هذه الحارة هادئة ومبهجة حتى ذلك الحادث الذي زلزل الحارة عندما عثر على جسد سيد ابن تورلي مقطوع الرأس بقطعة أرض فضاء وراء الحارة فأتهم عمار بقتله. فعندما كان عمار قد رأي حمئة في حالة سكر شديد يحاول التحرش بفتاة من الحارة تحت بئر السلم زجره فسل مطواه ووضعها تحت ذقن عمار في سخرية وهدده ألا يقف ثانية في طريقه. وإلا في المرة القادمة ستقطع المطواه رقبته. لم يبك عمار في حياته إلا هذا اليوم بل إنه رمى السيقان الصناعية وهو يهذي " بيقولي لولا عجزك وشيبتك مكنتش سبتك، أنا عاجز ابن الرقاصة،حتة عيل من عيالي يفتح علي المطوة. طول عمري بتخانق بدراعي وبأخد حقي وحق الحارة بدراعي". قبض على عمار واحتجز أسبوعا امتد إلى شهر ولم يتركوه إلا بعد حادثة اخرى لجار لهم يدعى سعد الفسخاني. فقد عثروا عنده في برميل الملوحة على رأس كاملة لإنسان غير واضحة المعالم ورغم إنكاره نسبت إليه التهمة. أصبحت الحارة المبهجة بها شيء غريب. تغير الناس وأصبحت وجوههم تعسة ومعظمهم قد انتقل إلى مكان أخر. كما امتنعنا انا واخوتي عن الذهاب خاصة بعد أن اشترينا تلفزيونا كبقية أهل الحارة بعد أن رخص ثمنه كثيرا. علت العمارات وتغيرت وجوه السكان كثيرا والبلكونات جميعها قد أقفلت إلا بلكونة خالتي وطن التي تجلس على السرير كعادتها في انتظار من يطل عليها. ******* غرفة كبيرة بمنافعها تجري مهرولة تتخفى وراء الأشياء. تتابع أمها وأبيها بقلب يبكي ونظرات تائهة. تريد أن تحمل سيفا ربما أطول من جسدها وتضرب به. تضرب كل الأشياء لكنها لا تقوى على حمل ساقيها أمام قسوة موظفي الصحة المدربين وهم يحرقون كل ما بالمنزل البسيط حتى الحوائط مسحوها بعصيهم النارية ليقتلوا ما تبقى من ميكروب التيفويد. لم يبق غير الأب منزويا في ركن بعيد، يجلس مقرفصا وقد دفن وجهه في حجره ويديه فوق رأسه شاعرا بالذل والعار لمرض ابنه. الأبن الوحيد الذي فلح والذي يمكنه أن يرى فيه مستقبلا يفتح الطريق أمام البقية من اخواته. لكنه ينهض وهو يحمد الله متذكرا شفاء ولده من المرض رافعا عينيه إلى السماء. عليه العوض ومنه العوض مش مهم العفش طالما أنه قد قام. تحاول الأم أن تخفي أشياء فوق السطوح ربما ستقتل الشمس الميكروب المتخفي في الحلل والمراتب والمخدات. فقد تنبأت وهى تخبر موظفي الصحة عن شفاء ابنها أنهم سيأتون فأخفت أشياءها فوق السطح. تركت مرتبة ووسادة قديمة ظنت أنها لن تحتاجها. لكنها تحتاج إليها فقد رزقها الله بأحد عشر طفلا تبقى منهم خمسة تبالغ في ترفهم ونظافتهم. لكن المرض كان يلاحقهم بشراسة وعناد. يا عيني عليك يا ابني بيحسدوك على ايه وأنت ضعيف. دا أنت محتاج غذاء لو الناس تعرف نعمل ايه ونجيب منين. لكن بكره اخدك للسيدة زينب وسيدنا الحسين وأخلي الشيخ يعمل لك رقوة وحجاب يفضل في صدرك على طول يحموك منهم. كان محمد يجلس على كرسي خشبي خارج البيت ينظر نظرات حادة تميزه ورأسه مربوط بعمامة من الدمور مرتديا بيجامة مقلمة ولا ينطق بكلمة. يتابع والده الذي يبادله نظرات حنونة. بعد أن يذهب موظفو الصحة ترسل كل شقة من شقق الجيران بعض الشوربة والطعام من أجل محمد والأسرة. أما الأب فقد اشترى بعض الجير وبدأ في دهان الحجرة والأم تمسك بفرشاة ويمسحان الحوائط حتى يفرغان فتبدأ الأم بمساعدة الجيران في إنزال المراتب والوسادات من على السطح وترتيب الحجرة. يستحم الأولاد ولا يكف صوت وابور الجاز. يصعد الأطفال على سريرهم والأب يقرأ الشعر ويشرب الشاي بينما أطفاله الأشقياء يشبون ويقفزون نجوم سقطت حلوة من السماء. ولا يتوقفون عن اللعب والصراخ حتى يناموا وكأن شيئا لم يكن. مصر
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
مصر أم الدنيا
رزوق -
خبصتونا بحاراتكم، وكأن لا حارة إلا في مصر.إتصلت بالقنصل المصري في انقرة لأستفهم لماذا لا يعطون فيزا للعراقيين الذين يرومون السفر الى القاهرة لحضور ندوة أو موعد مقابلة مع احدى السفارات هناك، فقال دي الأوامر، فقلت له أريد تذكيرك بأن العراق كان فاتحا ذراعيه للمصريين وأن المصريين لايستطيعون إنكار ذلك لكنكم جاحدون، فرد علي: ماتقولش كده دي مصر أم الدنيا!
مصر أم الدنيا
رزوق -
خبصتونا بحاراتكم، وكأن لا حارة إلا في مصر.إتصلت بالقنصل المصري في انقرة لأستفهم لماذا لا يعطون فيزا للعراقيين الذين يرومون السفر الى القاهرة لحضور ندوة أو موعد مقابلة مع احدى السفارات هناك، فقال دي الأوامر، فقلت له أريد تذكيرك بأن العراق كان فاتحا ذراعيه للمصريين وأن المصريين لايستطيعون إنكار ذلك لكنكم جاحدون، فرد علي: ماتقولش كده دي مصر أم الدنيا!